شرح الحديث الثامن عشر جزء1 من سلسلة الأربعين النووية لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد 4/8/2012
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ1 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3-4)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بشرح الأربعين النووية
وننتقل اليوم بإذن الله تعالى إلى الحديث الثامن عشر وهو ما أخرجه التر2مذي وغيره من حديث أبي ذر جندب بن جنادة «وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا» قال قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ»3ت
وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ هذا هو الحديث الذي نعيش معه وهي وصيةٌ جامعة من وصايا رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال عنه حديث حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح والحديث حسن بمجموع طرقه بإذن الله تبارك وتعالى وقد حسنه الألباني وغيره يروي لنا هذا الحديث عن رسولنا «صلى الله عليه وسلم» صحابيّان جليلان
أحدهما أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وهو جندب بن جنادة والثاني معاذ بن جبل أبو عبد الرحمن رضي الله عنه وهما من الصحابة الأجلاء الذين لهم وزن كبير في الإسلام
أبو ذر رضي الله تعالى عنه تقدم لنا الحديث عنه سابقًا وهو معروفٌ بفضله ومكانته رضي الله تعالى عنه وأما معاذ بن جبل رضي الله عنه فهو إمام العلماء يُبعث يوم القيامة كما أخبر النبي «صلى الله عليه وسلم» إمام العلماء بربوة
أن يتقدمهم رميةً بحجر فيكون معاذ بن جبل أسبق الناس فهو أعلم الناس بالحلال والحرام رضي الله تعالى عنه ومع ذلك فمعاذ بن جبل لم يعمر يعني: لم يعيش في الدنيا طويلًا
توفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة كما قال بعض أهل العلم في ترجمته ولم يتجاوز أكثر من ذلك فمات وهو شاب صغير رضي الله عنه في طاعون عمواس وجرى له ما جرى وكان يقول في آخر حياته حينما جرى ما جرى من جرح فيقول: يا رب أخنق خنقك فوالله إني لأحبك فوالله إني
لأحبك ويقول كذلك حبيب جاء على فاقه يعني: أنا في شوق للقاء ربي جل وعلا هكذا كان معاذ بن جبل وقد تقدمت ترجمته ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في الحديث عن سلسلة أعلام النبلاء في الحديث عن الصحابة والتابعين نسأل الله جل وعلا أن يتمم هذا على خير وبركة وأن يَتَقَبَّلَ مِنَّا صَالِحَ الأَعْمَالِ،
هذا الحديث يرويه لنا هذانِ الصحابيّانِ الجَلِيلَانِ عن رسولِنَا محمد «صلى الله عليه وسلم» وهو يتكون من الحديث من جمل ثلاث «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» هذه جملة «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» هذه جملة
«وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» هذه جملة وكل واحدة منها تستدعي حديثًا طويلًا لكننا نقول كلامًا موجزًا مناسبًا للمقام مستعينين بالله فأقول: ولا حول ولا قوة إلا بالله أما الجملة الأولى وهي قول النبي «صلى الله عليه وسلم» «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت»
هذا أمرٌ من الرسول «صلى الله عليه وسلم» للعباد بأن يتقوا الله جل وعلا فهو أمرٌ ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ والأمر بتقوى الله جل وعلا متكررٌ ومتقرر في كتاب الله وفي سنة الصادق رسول الله
بل كان النبي «صلى الله عليه وسلم» في بدء خطبه يذكر الناس بذلك يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ فالأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ معروف ومتكرر
وهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال الله جل وعلا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾4 (النساء: 131) وأصل مادة التقوى الواو والقاف والوقاية
وهذه المادة التي هي الوقاية تعني الحذر فأنت تتخذ وقايةً أي: حاجزًا يمنعك من أن يصل إليك ما يضرك فكذلك الذي يتقي الله معناه: أنه يتخذ وقايةً تقيه من عذاب الله جل وعلا وسخطه
ومن المعلوم أن الوقاية التي تقي الإنسان من سخط الله جل وعلا ﴿أَنَّمَا﴾ هي طاعة الله ورسوله وكذلك ترك معصية الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فعلى ذلك تقوى الله معناه لزوم طاعة الله وترك معصية الله لتتقي بذلك عذاب الله جل وعلا وغضبه
فأنت إذًا أطعت الله ولم تعصِه فقد اتخذت وقايةً وسلاحًا يقيك من سخط الله جل وعلا وعذابه «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» وقد قال بعضهم: تقوى الله
أن تعمل بطاعة الله على نور من الله تَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ
والوقاية أو التقوى يا أيها الإخوة الكرام كما قال بعضهم: أيضًا تقوى الله جل وعلا العمل بطاعة الله والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل وما إلى ذلك مما ذكره أهل العلم
«اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل اتق الله فحسب وإنَّما قال حيثما كنت وهذا تأكيد لمعنى التقوى وبيان لمواضعها فتقوى الله جل وعلا ليس كما يتوهم بعض الناس أنها تكون في العلن دون السر أو أنها تكون في وجود الناس لا في غيبتهم كلا
بل تقوى الله جل وعلا تكون في الحضر وفي السفر وفي السر وفي العلن وفي وجود الناس وفي غيابهم في قلبك وقالبك وجوارحك في كل الأوقات وفي كل أماكن كذلك لذلك قال: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ»؛ يعني: أينما وُجِدْتَ،
أينما وجدت اتق الله فحيثما هنا مكأنية يعني: ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان كنت ولك أن تقول أيضًا تشمل الزمان بمعنى وفي أي: وقت كنت فتتق الله في رمضان وفي غير رمضان تتقي الله في الليل وفي النهار تتقي الله في نفسك وفي أولادك وأقاربك وفي من ليس قريبًا لك تتقي الله جل وعلا في الحضر وفي السفر تتقي الله في الجلوة وفي الخلوة
تتقي الله في جلوتك وتتقي الله في خلوتك إذًا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقول خلوت ولكن ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ عليَّ رقيب ولا تحسب أن الله يغفر الساعة ﴿وَلَآ أَن﴾ ما تخفي عليه يغيب تقوى الله جل وعلا في كل وقت وفي كل مكان «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت»
ومن تقوى الله عز وجل ﴿إِلَّا﴾ يجدك الله حيث نهاك وألا يفقدك حيث أمرك ﴿إِلَّا﴾ يجدك الله حيث نهاك نهاك عن هذا الشيء فلا تفعل هذا الشيء أمرك بهذا الشيء فلا يفقدك وإنَّما يجدك واقعًا أو يجدك محققًا لهذا الشيء الذي أمر الله جل وعلا به «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت»
بعض الناس إذا خل بمحارم الله انتهكها نسأل الله السلامة والعافية فيكون أمام الناس تقيًّا في ظاهر أمره لكنه في حقيقة أمره ليس كذلك وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ … وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغْيَانِ فَاسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِ الْإِلَهِ وَقُلْ لَهَا … إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِيه
إن الذي خلق الظلامة يراني فهو مطلع عليه سبحانه وتعالى لذلك وجب على العبد أن يتقي الله عز وجل في صرّة وفي علنه وقد يأتي السؤال وهو هل الأفضل للإنسان أن يظهر الطاعة أو أن يسر الطاعة يعني: هل الأفضل للإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يطيع الله جل وعلا أن يطيعه في العلن أمام الناس أم أن يطيع الله جل وعلا في السر
الأصوب ماذا الذي يقال في ذلك والله أعلم أن من الطاعات طاعات شرع الله جل وعلا لها أن تكون علمًا وأن تكون في الظهور فحينئذ يكون المشروع إظهارها لا سترها بمعنى
صلاة الجمعة هل هذه تصل في السر ولا في العلم؟ في العلم صلاة الجمعة نفس الكلام اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ نَفْسُ الكَلَامِ، إذن هناك أمور ظاهرة ما يأتي الإنسان ويقول أنا أخاف من الرياء وأنا أريد أن أسر عملي حتى لا يطلع أحد أقول لا لأنَّ هذه أمور شرع فيها الجهر والعلانية فاجهر فيها ولا يضرك أو اجهر بها ولا يضرك
وأمَّا إذا كانت تلك العبادات أو الطاعات مما لا يسن إظهاره ابتداءً فالأولى أن يستر الإنسان أمره وأن لا يظهر الطاعة وأن يسر بها وأن يجعلها بينه وبين الله فإنَّ هذا أدعى للإخلاص والصدق
العبد يسر بأعماله ولا يظهرها أمام الناس إخلاصًا منه اللهم إلا إذا كان ممن يقتدى به فالأولى في حقه أن يظهر الطاعة ليقتدي الناس به يعني: رجل إمام هدى يقتدي الناس به فحينئذ هو يظهر هذا الشيء ولا يسره من أجل ماذا؟
من أجل أن يتعلم الناس منه هذا الخير فيقتدوا به ويكون قد أجر بقول النبي «صلى الله عليه وسلم» «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»
وكذلك في ترك المعصية نفس الكلام ترك المعصية هناك معاصٍ يجب عليك أن تتركها في الظاهر وفي السر فليتركها أما هناك أمور تريد أن تتركها فلا تظهر أمام الناس أنك تارك للمعصية لا يحتاج لإظهار الأمر اللهم إلا إذا كانت هناك حاجة كدفع الشبهة عن النفس أو كون الرجل ممن يقتد به فإذا علم أنه يترك المكروه وأنه يترك الحرام
فإنَّ الناس يتركون كما ترى ويقولون لنا في فلان القدوة الحسنة وقدوتنا هو رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ثم العلماء يقتدون به صلوات الله وتسليماته عليه اتق الله حيثما كن
فإذا خلوت بمحارم الله فلا تنتهكها ولا يخف عليكم حديث ثوبان رضي الله عنه من هؤلاء الذين يكون لهم جبال أمثال جبال اتهامة من الحسنات لكن الله يجعلها هباء منثورًا بسبب النوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها عند من صحح الحديث وهو عند ابن ماجة في سننه «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» هذه هي الجملة الأولى
وشهر رمضان يدربنا على هذه الجملة «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» فأنت في البيت صائم كما أنَّك في الخارج أعني خارج البيت صائم ما الذي دعاك وحملك على أن تلزم الصوم في السر والعلن مراكبتك لربك جل وعلا وتقواك له في السر والعلن وأما الجملة الثانية وهي قول النبي «صلى الله عليه وسلم» «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»
السيئة مفعول به أول والحسنة المفعول الثاني أتبع السيئة الحسنة يعني: وقع الإنسان في سيئة
في معصية في ترك طاعة لأنَّ السيئة قد تكون بترك الطاعة وقد تكون بفعله المعصية يعني: السيئة تأتي بهذا وبذاك فالذي ترك الطاعة وقع في سيئة والذي فعل المعصية وقع في سيئة أتبع السيئة الحسنة يعني: اجعل الحسنة بعد السيئة وينبغي للعبد أن تكون الحسنة قبل السيئة وبعدها بل ينبغي له أن لا يفعل السيئة أصلًا
وإنَّما يكون عمله كله على الطاعة لكنْ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ» فعلى ذلك إذا وقع في السيئة فليترك السيئة تبقى كما هي وإنَّما عليه أن يزيلها ومما يزيلها أن يتبعها بالحسنة وهذا من فضل الله جل وعلا وإكرامه وهنا قد يأتي سؤال إذا كان معنى الحديث
أن العبد إذًا عمل سيئة ثم أتبعها بحسنة فإنَّ هذه الحسنة التي قد قام بها تزيل السيئة السابقة إذا كان الأمر كذلك فهل يشترط لذلك التوبة ونية إزالة السيئة؟
يعني: الآن واحد فعل معصي نظر نظرة ممنوعة أو فعل شيئًا ممنوعًا أو تكلم بكلمة سيئة هل يقول يا رب ينوي أنا سأطيع هذه الطاعة أنا سأصلي هذه الصلاة من أجل أن تكفر عني السيئة أم أننا نقول إذًا فعل الطاعة ولو لم يقصد أن تزال السيئة زالت عنه بفضل الله
قولان لأهل العلم أظهرهم الثاني أن الحسنة يمح الله جل وعلا بها السيئة وإن لم يخصص صاحبها وهذا من فضل الله جل وعلا ولذلك ثبت عن النبي «صلى الله عليه وسلم» كما في الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما أتى النبي «صلى الله عليه وسلم» رجل5 فقال: يا رسول الله إني أصبت قبلة
وقال وفي بعض الروايات أصبت ما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الرجل من امرأته إلا الزنا يعني: لم يزن لها فقال له النبي «صلى الله عليه وسلم» أصليت معنا
يعني: أنت صليت معنا قال نعم وأنزل الله جل وعلا وفي لف فأنزل الله قوله ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾6 (هود: 114) فقال: الرجل يا رسول الله ألي خاصة يعني: هذا لي وحدي قال هي لمن عمل بها من أمته
هي لمن عمل بها من أمة أو كما قال النبي صلوات الله وتسليماته عليه هل الرجل حينما صلى مع الرسول قصد بذلك أن يكفر السيئة لم يقصد لكن هذا من رحمة الله والواحد مننا يا إخوة
لا يسلم من أخطاء ولا يسلم من معاصر قصد أو لم يقصد يعني: أنت قد تقع في خطأ وأنت لا تدري وقد كان من دعاء النبي «صلى الله عليه وسلم» فيما صحاحه بعض أهل العلم كالألباني اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لِمَ؟
لما لا أعلمه «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ» إنك «أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ» إذن أنت قد تقع في أخطاء ولا تعلَّمها فأنت إذًا عملت الطاعة مح الله جل وعلا عنك هذه السيئة بفضل الله تبارك وتعالى «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» إذن السيئات تزال بعدة أمور منها فعل الحسنات
ومنها التوبة النصوح فإنَّ من تاب إلى الله جل وعلا توبة النصوح كفر الله عنه سيئاته وغفر له زلاته وقد قال الله تبارك وتعالى ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾7 (الفرقان: 70)
ومن ذلك أيضًا بعض الطاعات المخصوصة التي بيّنها النبي «صلى الله عليه وسلم» كما قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ»
يعني: إذًا اجتنبت الكبائب إلا هذه المعاصي وكذلك الوُضُوءُ؛ إذًا توضَّأَ العبدُ فأَحْسَنَ الوُضُوءَ، وكذلك إذًا صَلَّى صَلَاةً لَا يُحَدِّثُ فِيهَا نَفْسَهُ، وكذلك إذا صلى صلاة لا يحدث فيها نفسه وهناك لأهل العلم مصنفات يسمونها بكفارات الذنوب ما الذي يكفر الذنوب وهذا من رحمة الله جل وعلا وفضله
السيئة لو كان الأمر على يعني: ما يسير عليه حالنا من أنَّ الإنسان يستوفي ما لديه لكن الله جل وعلا هو الغني عن عباده السيئة لا تزال إلا بالقدر المساوي لها أو تكتب وتكتب الأخرى ثم ينظر في الميزان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ يرجح
لكن الله جل وعلا بفضله وكرمه يزيل سيئات العبد إذًا تاب العبد إليه أو إذًا عمل الحسنات وهذا من فضل الله جل وعلا وإحسانه ولذلك قال بعض العلماء عجبًا عجبًا لمن غلبت آحاد عشراته
عَجَبًا لمَنْ: «غَلَبَتْ آحَادُهُ عَشَرَاتِهِ!»؛ فالسيئةُ بمثلِها، والحسنةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا، طب لما تبقى السيئة بواحد والحسنة بعشرة وتبقى الواحدة بواحدة أكثر من العشرات
يبقى هذا عبد عجبًا لمن غلبت آحده يعني: الواحد الواحد تغلب العشرات مع أنَّ الحسنات مضاعفات أيضًا وربما بلغت سبعمائة ضعف وربما زادت على ذلك بفضل الله تبارك وتعالى ﴿وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ والله واسع عليم «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»
إياك إذًا ارتكبت ذنبًا أن تركن إلى ذنبك لأنَّ إصرارك على ذنبك أعظم من ذنبك على قول كثيرين من أهل العلم وقد قالوا إن الإصرار أو قال قال بعضهم: «لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ»
يعني: صاحب الكبيرة إذًا تاب تابَ اللهُ عليه لكن صاحب الصغيرة الذي يُصِرُّ تَصِيرُ الصَّغِيرَةُ بإِصْرَارِهِ كَبِيرَةً، نسألُ اللَّهَ السَّلَامَةَ، وبقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله «لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ»
أنت إذا وقعت في المعصية تعصي من؟ تعصي ملك الملوك جل وعلا وهو القادر سبحانه وتعالى «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» تزال بفضل الله جل وعلا وقد جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم» فيما حسنه الألباني عند الطبراني وغيره أن ملك السيئات إذا أذنب العبد ذنبًا أمسك القلم ست ساعات
لعل العبد «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لِيَرْفَعُ القَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ العَبْدِ المُسْلِمِ المُخْطِئِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلَّا كُتِبَتْ وَاحِدَةً»8 يعني: أنت إذا وقعت في سيئة ما يكتب الملك مباشرةً ﴿أَنَّمَا﴾ يستأني بك وينتظر ست ساعات
أنت إذًا أحسنت ملك اليمين ملك الحسنة يكتب مباشرةً أما ملك السيئات ينتظر ست ساعات لعلك أن تتوب إلى الله جل وعلا فهذا من فضل الله وكرمه سبحانه وتعالى «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» ثم الجملةُ الثالثةُ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»
والخلق الحسن من أعظم ما يتقرب العبد به إلى ربه جل وعلا وهذا لأهميته ومكانته وإن كانت الجملتان السابقتان مهمتين بلا شك لكنني لأهمية الخلق الحسن وحاجة الناس إليه فسأرجع الحديث عنه بإذن الله تبارك وتعالى في الدرس المقبل هذا والله أعلم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
- تعليق: لم تسليمًا كثيرًا أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بشرح الأربعين النووية وننتقل اليوم بإذن الله تعالى إلى الحديث الثامن عشر وهو ما أخرجه التر — كتاب: «الأربعين النووية». الذكر في الدرس: الأربعين النووية. ↩
- حديث: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 131 ↩
- تعليق: وهذا من فضل الله جل وعلا ولذلك ثبت عن النبي «صلى الله عليه وسلم» كما في الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما أتى النبي «صلى الله عليه وسلم» رجل — كتاب: «الصحيحين». الذكر في الدرس: الصحيحين. ↩
- آية: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 114 ↩
- آية: ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 70 ↩
- حديث: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لِيَرْفَعُ القَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ العَبْدِ المُسْلِمِ المُخْطِئِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلَّا كُتِبَتْ وَاحِدَةً» — نسبة الشيخ: الطبراني ↩
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ
- شرح حديث: إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لِيَرْفَعُ…
- تفسير سورة هود