مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

شرح الحديث الثامن عشر جزء2 من سلسلة الأربعين النووية لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد 11/8/2012

الحديث وعلومه · الدرس 4 من 9 · 22 دقيقة · الحديث وعلومه

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ1 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3-4)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وَلِيُّ الصالحينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بشرح الأربعين النووية وما زلت مع الحديث الثامن عشر وهو ما أخرجه الترمذي في سننه من حديث

أب2ي ذر «وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ» رضي الله عنهما صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»3

وموعدنا اليوم بإذن الله تعالى مع الجملة الثالثة وهي قوله «صلى الله عليه وسلم» «وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» فهذا أمر نبوي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» والخلق الحسن يا أيها الإخوة الكرام من أعظم القربات إلى الله تبارك وتعالى

فصاحب الخلق الحسن يتقرب إلى الله جل وعلا بخلقه كما أنَّ المصليَ يتقرب إلى الله بصلاته وكما أنَّ الصائمَ يتقرب إلى الله بصيامه فكذلك صاحب الخلق الحسن يتقرب إلى الله جل وعلا بخلقه الحسن

وكثير من الناس لا يعي ذلك فلا يظن أن معاملته للناس وأن طلاقة وجهه وحسن حواره ومقابلته أن ذلك كله داخل في العمل الصالح بعض الناس لا يظن ذلك مع أنَّ النبي صلوات الله وتسليماته عليه قد بيَّن لنا في غير موضع صلوات الله وتسليماته عليه أن حسن الخلق من أعظم القربات

فقال النبي «صلى الله عليه وسلم» كما عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»4 (وفي رواية: «أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا») وقال «صلى الله عليه وسلم» من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند ترمذي أيضًا ما من شيء

أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق وقال النبي «صلى الله عليه وسلم» حينما سُئل كما عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه سُئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ»

وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»5 بحسن خلقه درجة الصائم القائم وثبت من حديث أبي أمامة رضي الله عنه كما عند الترمذي وغيره وفيه أنه «صلى الله عليه وسلم» قال «وَأَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ»

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر رضي الله عنه «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا»6 فأحسن الناس أخلاقا هم أحب الناس إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»

وهم أقرب الناس مجلسًا منه صلوات الله وتسليماته عليه ولم لا وهو صاحب الخلق الحسن وقد وصفه الله فقال: فيه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾7 (القلم: 4) فحسن الخلق تثقل به الموازين وترفع به الدرجات وتعلو به المنازل عند رب الأرض والسماوات

فجدير بالعبد يا أيها الإخوة الكرام أن يحرص كل الحرص على أن يكون ذا خلق حسن فيحسن أخلاقه في تعامله مع الناس وقد ذكر أهل العلم في تعريف حسن الخلق أقوالًا

وبدايةً نقول إن حسن الخلق على قسمين أما القسم الأول وهو الأعظم فحسن الخلق مع الله جل وعلا وأما القسم الثاني فحسن الخلق مع الخلق وأعظم القسمين الأول وبعض الناس

إذا رأى رجلًا يتعامل مع الناس بمعاملة جيدة في ظاهر أمره يقول إن فلانًا رجل طيب إن فلانًا رجل معروف بالخلق الحسن في الوقت الذي يفرط فيه هذا في الصلاة أو يفرط في أمر الله جل وعلا إن من أساء خلقه مع الله لا يكون طيبًا

إن هذا المعيار الذي يزن به الناس ليس بمعيار صحيح ﴿أَنَّمَا﴾ المعيار الصحيح أن يكون العبد حسن الخلق مع الله أولًا ثم بعد ذلك يكون حسن الخلق مع الناس وكما قالوا لا تنظم الناس من حولك وتترك الفوضى في قلبك

قلبه مريض وفيه ما فيه ولكنه يلتفت إلى تعامل الناس في الظاهر وحسن الخلق مع الله يحتاج إلى كلام طويل وقد تحدثت عنه في غير ما موضع والذي ذكره الرسول «صلى الله عليه وسلم» هو الشق الثاني فنذكر ما يتعلق به بإيجاز «وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»

فالرسول عليه الصلاة والسلام حثنا على الخلق الحسن مع الناس وهذا بعدة أمور قال بعض أهل العلم حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه

أما قولهم بذل الندى فالندى بمعنى العطاء أي: بذل العطاء والمراد بالعطاء هنا ما يعم أنواع العطاء فيدخل في ذلك بذل المال فمن حسن خلقك أن تبذل مالك وأن تجود على الناس وكذلك أن تبذل علمك فإذا كان لديك علم بذلته لهم وكذلك أن تبذل جاهك

أنت رجل صاحب مكانه وصاحب جاه لا تمتنع من الناس ولا تضع الحجاب ليحول بينك وبين الناس وإنَّما تكون قريبًا منهم سهل المنال فهذا كذلك من حسن الخلق أن يبذل العطاء الذي أعطاه الله جل وعلا إياه فهذا من حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى

أن تكف أذاك عن الناس بأن تكف أذى لسانك وأن تكف أذى جوارحك فلا تؤذي الناس لا بلسانك ولا بجوارحك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» وكذلك وأن تكف أذاك عن الناس فهي صدقة تتصدق بها على نفسك

وكذلك طلاقة الوجه أن تكون صاحب وجه طلق كما بيّن النبي «صلى الله عليه وسلم» «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»

وكذلك بيّن النبي «صلى الله عليه وسلم» «وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» فكل ذلك داخل في حسن الخلق لا يقابل الناس بعبوس ولا يقابل الناس بوجه صعب حادٍّ وإنَّما يقابلهم برفق ولين ويدخل كذلك في حسن الخلق احتمال الأذى كما أنَّ كف الأذى من حسن الخلق فاحتمال الأذى من حسن الخلق

ومعنى احتمال الأذى أن تتحمل أذى الناس لك أن تتحمل أذى الناس لك إذن أنت يا صاحب الخلق الحسن

تجمع بين أمرين بين أن تكف أذاك عن الناس فلا تؤذي أحدًا وبين أن تتحمل أذاهم فهذا من حسن الخلق أيضًا أن تتحمل أذى الناس وذلك لأنه يعسر أو يقل وجود من ترضيك حالته من الناس نعم

قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةِ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» الناس مثل إبل المئة في هذه الإبل المئة

لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد فيها إلا راحلة تنقاد لك وتطيعك يعني: معناه: أنت ربما تعرف مئة من الناس لا يصف لك إلا واحد من المئة هو الذي يصنع ما تريده إذن أنت إذا لم تعامل إلا من يعاملك بالمعاملة التي تريدها فلربما لم يصف لك أحد ولذلك قال الله جل وعلا

في آية جامعة قال فيها بعض أهل العلم كابن القيم وغيره هي أجمع آي القرآن في باب مكالم الأخلاق قال الله جل وعلا ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾8 (الأعراف: 199)

ومعنى قوله خذ العفوَ يعني: خذ ما تيسر وما فضل وما كان سهلًا من أفعال الناس وأخلاقهم بمعنى لا تنتظر من الناس الكمال وما أتاك من الناس سهلًا فاقبله ولو كان قليلًا فمثلًا لو أنَّ شخصًا كلمك بعشر كلمات طيبات

وكلمك مع هذه الكلمات بكلمات أخرى ليست بطيبات فخذ ما تيسر منه وخذ ما طاب من كلامه وما كان جيدا من أقواله ودع هذا المشي فإنَّه لن يصفو لك إلا النزر اليسير وهكذا يتعامل الناس مع غيرهم وكل الناس كما تحب أن يكون لك فهذا أيضًا من حسن الخلق أن يحتمل الناس أو الإنسان أذى غيره

ومما يعينك على ذلك استحضارك لأمور منها أن تعلم أن هذا بقدر فأذى الناس لك بقدر فالناس ﴿أَنَّمَا﴾ آذوك بقدر الله هذا ليس فيه إباحة المعاصي لهم هم محاسبون على معاصيهم ولا يجوز لهم أن يؤذوك

لكن أنت تتعامل مع هذا الأذى على أنه من قدر الله جل وعلا أرأيت أخي الكريم إذا كنت تسير في الطريق فتعثرت أو اصطدمت بأسطوانة أو عمود فإنَّك تقول قدر الله

حينما تصطدم تقول قدر الله وكذلك لو ضاع منك شيء من نقودك تقول هذا بقدر الله الله فكذلك لو تسبب شخص في أذاك أو في تعثرك في الطريق أو في ذهاب بعض مالك فاجعل هذا من قدر الله تبارك وتعالى وكما قال الشاطبي رحمة الله يعد جميع الناس مولاً النوم على ما قضاه الله يجرون أَفْعُلَا وكذلك

مما يعينك على ذلك أن تشهد مشهد الصبر أن تصبر لتنال أجر الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾9 (الزمر: 10) وأن تشهد مشهد العفو والصفح والحلم ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾10 (الشورى: 40) وهنا مسألة

وهي أن العفو عن أذى الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يكون مقيدًا بالإصلاح فإذا كان العفو عن شخص لا يليق به العفو ممن يزداد في الغي والضلال فإنَّ السنة والهدي في ذلك أن يؤخذ على يد الظالم حتى لا ينساق ويستمر في غيه وظلمه فمن الناس من يعفى عنه ومن الناس من لا يعفى عنه شخص إذا عفوت عنه انزجر

هذا تعف عنه وآخر إذا عفوت عنه تطاول عليك وعلى غيرك فهذا يُؤخذ على يده وحينئذ تكون قد كففته عن ظلمه فتكون قد نصرته في حقيقة الأمر ولم تكن خاذلًا له كما قال النبي «صلى الله عليه وسلم» انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا «فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ» ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا فقال: تحجزه

أو تمنعه من الظلم فإنَّ ذلك نصرُك له أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام يا أيها الإخوة الكرام وحسن الخلق وتحمل أذى الناس له مشاهد كثيرة أوصلها بعضُ أهل العلم إلى أحد عشر أمرًا وقد ذكرتها في درس مستقل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ لكنني أوجز ما يتعلق بهذا الأمر

إننا يا أيها الإخوة الكرام نعيش في أزمة خلق في حقيقة الأمر فكثير من الناس ربما أدى بعض الفرائض وصل وصام لكنه لا يتعامل مع الناس بالمعاملة اللائقة

وإن المؤمن العاقل الفطن الكامل هو ذلكم المؤمن الذي يتعامل مع الناس بما يرضي رب الناس سبحانه وتعالى وقد قال أهل العلم الدين الخلق فما زاد عليك في الدين زاد عليك في الخلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ومما يدل على هذا الأصل قول النبي عليه الصلاة والسلام

فيما رواه الإمام مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أنه «صلى الله عليه وسلم» قال «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ»11 إذن الرسول فسر البر بماذا؟ بحسن الخلق إذن البر يساوي حسن الخلق والله قد قال في القرآن في سورة البقرة لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ

﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ الآية فالله جل وعلا فسر البر بماذا؟

فقال: ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ والرسول عليه الصلاة والسلام فسر البر بحسن الخلق فالكلمة المشتركة هي كلمة البر فعلى ذلك الإيمان يساوي حسن الخلق ويشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا»

فإذا أردت أن تحقق الإيمان وكماله فعليك أن تحسن أخلاقك مع الناس بأن تتحمل أذاهم وأن تكفأ ذاك عنهم وبأن تطلق وجهك وتبسطه لهم وأن تبذل الندى كما بين أهل العلم يا أيها الإخوة الكرام

ومن الناس من يكون حسن الخلق معه متأكدًا عن الآخر فحسن الخلق مع الأبي أشدّ تأكيدًا وكذلك حسن الخلق مع الأقارب ومع ذوي الأرحام ومع العلماء ومع كبار السن والشيوخ فكل هؤلاء لهم حق أو حقوق ربما كانت بل هي كذلك أعظم من حق غيرهم كما هو معلوم يا أيها الإخوة الكرام

والضابط لحسن الخلق شرع الله جل وعلا فما عدَّه الشرع من حسن الخلق فهو من حسن الخلق وما عدَّه الشرع ليس من حسن الخلق فليس من حسن الخلق فإذا قال لك الشرع مثلًا أهجر فلانًا فيكون الهجر من حسن الخلق

فهناك هجر العاصي وهجر المبتدع بالضوابط الشرعية والأصول المرعية فكلما أخذ العبد بالسنة وهدي رسول الله «صلى الله عليه وسلم» كان محققًا لحسن الخلق فحسن الخلق يتحقق باتباع الشريعة لا بالهوى يعني: بعض الناس يظن أن حسن الخلق

اللي هو الاتكايت العام والنظام الماشي الجميل وولد بشوش وجميل ويساير الجميع ويضاحك الجميع ليس هكذا ﴿أَنَّمَا﴾ حسن الخلق بشرع الله جل وعلا ففي بعض الأحيان يكون حسن الخلق بألا ترد على فلان

وفي بعض الأحيان يكون حسن الخلق أن تشد على فلان وفي بعض الأحيان يكون حسن الخلق أن تتواضع لفلان وفي بعض الأحيان يكون حسن الخلق بأن ترد قائلًا جزاك الله خيرًا وفي بعض الأحيان تقول غفر الله لك عفى الله عنك

الذي يعلمنا بذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هو شرع الله تبارك وتعالى يا أيها الإخوة الكرام في الختام أقول تلك المقولة التي قالها بعض أهل العلم إذا أردت أن تحقق حسن الخلق مع الله وأن تحقق حسن الخلق مع الناس فاجمع هذين الأمرين وهو كن مع الخالق بلا خلق وكن مع الخلق بلا نفس

كن مع الله أو مع الخالق بلا خلق ومع الناس بلا نفس ما معنى هذه العبارة إذا عاملت الله جل وعلا فلا تلتفت إلى الناس حتى تحقق حسن الخلق مع الله لأنَّ من أعظم حسن الخلق مع الله تحقيق الإخلاص لله جل وعلا فأنت لكي تكون حسن الخلق مع الله لا يجز لك أن تصرف العبادة لغير الله

إذن وأنت تعامل الله لا تلتفت إلى الناس أنت وقفت في الصلاة ما يليق بك إذا كنت تريد أن تكون من ذوي الخلق الحسن مع الله

أن تشتغل بعمرو وبزيد وأن تشتغل بدنيا زائلة وبمتاع فإنَّ وإنَّما كن مع الله بلا خلق لا تلتفت للخلق ولا للناس حتى تحقق الخشوع وتحقق الإخلاص وكن مع الخلق بلا نفس إذا عاملت الناس فلا ترَ نفسك

فلا تلتفت إلى نفسك وتقول أنا كيف يردون عليك أنا كيف يساء إليك فلان يرفع صوته عليك فلان يشتمني فلان يسبني أنا أنا! انسَ كلمة أنا، انسَ نفسك عامل الناس وضع نفسك في الأمر من أجل رب الناس

سبحانه وتعالى وكما قال القائل من أجلك جعلت خدي أرضًا للشاتم والحسود حتى ترضى لكن هذا كما قلت: مقيد بالشريعة الغراء فالإسلام لا يدعو إلى المذلة والمهانة وإنَّما يدعو إلى العزة والرفعة

لكنَّها عزة مع تواضع كما قال الله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، فهم مع ذلتهم عالون؛ لذلك عُدِّيَتْ بـ (على) لا باللام؛ فلم يقل أذلة للمؤمنين ﴿أَنَّمَا﴾ قال أذلة على

فهم أذلة مع علو مع حلم مع عطف مع رحمة بهذا يحسن الخلق مع الله ومع الناس يا أيها الإخوة الكرام وليس من حسن الخلق مع الناس أن يداهن الإنسان الناس

فيغير الشريعة ويحول النصوص من أجل مداهنة الناس ومن أجل إرضاء الناس فكما بيّن النبي «صلى الله عليه وسلم» من أرضى الناس بسخط الله

وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ؛ هذا في لفظٍ، وفي لفظٍ: أسخط الله جل وعلا عليه الناس ومن أسخط الله من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس فالذي يرضي الله جل وعلا وإن سخط الناس عليه يكفيه الله مؤنتهم وبعد فترة يعودون إليه

يعني: في بداية الأمر لأنه أرضى الله سخط الناس ووَجَدُوا عليه؛ بعد ذلك يقولون ما شاء الله جزاه الله خيرًا هو ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ هو على الصواب لماذا؟ لأنه أرضى الله وأما إذا أسخط الله من أجل أن يرضي الناس سخط الله عليه

وأسخط الله عليه الناس فالتمسْ رضا الله وضع رضا الله أمام عينيك فحيثما وجدت رضا الله فكن وحيثما وجدت سخط الله فابتعد بذا يتم لك حسن الخلق مع الله ومع الناس يا أيها الإخوة الكرام

قد كان من دعاء نبيكم «صلى الله عليه وسلم» «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» وكان من دعائه: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ»

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ووفقنا لقيام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ هذا والله تعالى أعلم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
  2. تعليق: إنك حميد مجيد أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بشرح الأربعين النووية وما زلت مع الحديث الثامن عشر وهو ما أخرجه الترمذي في سننه من حديث أب — كتاب: «الأربعين النووية». الذكر في الدرس: الأربعين النووية. ↩
  3. حديث: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
  4. حديث: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
  5. حديث: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» — نسبة الشيخ: أبي داود ↩
  6. حديث: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
  7. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
  8. آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
  10. آية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 40 ↩
  11. حديث: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» — نسبة الشيخ: مسلم ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة