تفسير سورة القصص جزء5 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بتفسير سورة القصص وقد وصل بنا الحديث إلى قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾2 (القصص: 20) ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾3 (القصص: 20)
﴿فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾4 (القصص: 20) ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾5 (القصص: 21) ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾6 (القصص: 22) ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (القصص: 20)
قال بعض العلماء هذا الرجل هو مؤمن آل فرعون الذي جاء ذكره في غير هذه السورة كما جاء في سورة غافر وقال آخرون: ليس هناك دليل على ذلك ولو كان هو المراد لصرّح بإيمانه فالله أعلم ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (القصص: 20)
أي: من المكان البعيد أو من أبعد مكان في المدينة قال بعض العلماء وقد كان قريبًا من فرعون فسمع ما يخططه فرعون وملؤه أو أتباعه بموسى عليه الصلاة والسلام
وكما قال القائل في الأطراف يكون الأشراف في غالب الأمر يكون موقع الأشراف في الأطراف وذلك ليكون بمنأى عن الناس من جهة ويتسنى لهم الهروب إذا استدعى الأمر ذلك ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (القصص: 20)
وقد تقدم يا أيها الإخوة الكرام أنَّ هناك فرقا بين هذه الآية وبين الآية الأخرى في سورة يس ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾7 (يس: 20) فقدم هناك من أقصى المدينة وهنا قدم الرجولة على المكان وذلك لأنَّ الموضع الذي معنا حديث عن خبر
رجل يأتي بخبر يخبر موسى عليه الصلاة والسلام بهذا الخبر وهو أن ﴿ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾8 والرجال في باب الأخبار أقوى من النساء لذلك قدمت الرجولة هنا
وجاء رجل أي: رجل ضابط صادق فيما يدعي من أقصى المدينة يسعى أي: جاء وهو حريص على موسى عليه الصلاة والسلام يريد أن يبلغه ماذا يريد فرعون ومن معه أي: أن يصنعوه به ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (القصص: 20) أي: يمشي بسرعة وبجد وباهتمام
﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (القصص: 20) قال يا موسى وهذا بدل اشتمال فهذه الجملة بدل اشتمال وهي تعني ما جاء سابقا في قوله ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (القصص: 20) فهي تشتمل على قوله لموسى عليه الصلاة والسلام يا موسى إن الملأ
يأتمرون بك إن أشراف القوم من أتباع فرعون يأتمرون بك ليقتلوك وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ وقع بعد قصة قتله القبطي ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (القصص: 20) قوله يأتمرون بك أي: يهمُّون بك
فالائتمار به الهم به يعني: قد هموا وخططوا لقتلك وقال بعض العلماء يأتمرون بك أي: يتشاورون في أمرك يتشاورون في أمرك والمعنى الأول أقوى كما رجحه الطبري وغيره وغلط من قال إن يأتمرون بك بمعنى يتشاورون فيك قال لو كان كذلك لقيل يتآمرون فيك
﴿إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (القصص: 20) ﴿فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (القصص: 20) أخرج من هذه المدينة وأخرج من هذا المكان فأنا لك من الناصحين وأنا صادق في نصحي ولا أغشك في ذلك
وهكذا يؤيد الله عز وجل أولياءه ويؤيد أنبياءه فإذا أريد بهم ضر أو أريد بهم شر فإنَّ الله عز وجل يقيِّض ويسخِّر لهم من يذب عنهم أو يدفع عنهم أو يعلِّمهم بخطر هذا الأمر حتى يسلموا بفضل الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (القصص: 20) وأصل الائتمار
قبول أمر الآمر فإذا أمر إنسان آخر بأمر فقبله فيقال ائتمر بأمره ومنه قوله ﴿وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾9 (الطلاق: 6) قال الله ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾10 (القصص: 20)
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾11 (القصص: 21) فخرج أي: موسى عليه الصلاة والسلام منها أي: من هذه المدينة فخرج منها خائفًا حاله كونه خائفًا
فقد كان خائفًا عليه الصلاة والسلام وكما تقدم فهذا الخوف هو الخوف الطبعي أو الجبلي الذي يجبل عليه الإنسان أو يطبع عليه الإنسان أو يشعر به حينما يخبر أو يعلم أن ضرًّا سينزل به وليس خوف العبادة إذ خوف العبادة ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الله جل جلاله لا من غيره ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾12
يترقب يعني: يحذر يحذر من أن يراه فرعون أو من أن يراه الملأ فيُقوِّم بقتله عليه الصلاة والسلام ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: 21) ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (القصص: 21) سأل ربه جل وعلا أن ينجيه من القوم الظالمين وهذا يعني: أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام لا يخفى عليه ظلمهم فهو عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّمَا﴾ هم بقتل القبطي ولم يقصد قتله
لكن هم ببطشه حينما رآه ظالما وعلى كل فإنَّ أعظم الظلم الشرك بالله وعدم الإيمان به وقد كانوا كفارا لم يؤمنوا بالله رب العالمين ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (القصص: 21)
سأل الله جل وعلا أن ينجيه من القوم الظالمين هكذا خرج موسى عليه الصلاة والسلام من أرض مصر إلى غيرها وها هو عليه الصلاة والسلام يخرج من مصر ليتوجه إلى بلد آخر قال الله ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾13 (القصص: 22) قال بعض العلماء إن موسى عليه الصلاة والسلام
خرج من مصر لا يفكر في مكان معين ولا يخطط للذهاب إلى بلد معين ولكنه انطلق وهو لا يعرف الطريق وسأل الله جل وعلا أن يهديه السبيل
وقال آخرون: بل قصد مدين لما يعلم من أنها بعيدة عن مصر من جهة ولأن مدين منسوب إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيرى عندهم الخير أيما كان الأمر ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22)
أي: وحين أن توجه موسى عليه الصلاة والسلام جهة مدين ومدين قبيلة وسميت بها أو سمي بها المكان أيضًا يقال له: مدين وقد قال بعضهم
إنها بعيدة عن مصر مسيرة ثمانية أيام يعني: أنه سار هذه المدة وقال آخرون: ما هو أكثر من ذلك أي: أن موسى عليه الصلاة والسلام سار مدة طويلة حتى اختفى وابتعد عن فرعون وعن الملأ
ولما توجه تلقاء أي: جهة مدين ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) توجه إلى هذه الجهة وهو يسأل الله جل وعلا أن يهديه سواء السبيل إذ كانوا كما لا يخفى عليكم يسيرون في الفيافي ويسيرون في الصحراء وهي قفرة وليس فيها علامات ولا دلالات
وقد يضل الطريق فسأل الله جل وعلا أن يهديه سواء السبيل ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) وهذه هجرة من موسى عليه الصلاة والسلام من مصر إلى أرض مدين وقد سبقه إلى ذلك الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾14 (العنكبوت: 26)
وقال أيضًا ﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾15 (الصافات: 99) فنبي الله إبراهيم عليه السلام هاجر وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام وسورة القصص
في أواخرها حديث عن رجوع النبي ﷺ عليه وآله وسلم إلى بلدته بعد خروجه منها وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام رجع إلى مصر بعد أن خرج هاربًا عليه الصلاة والسلام منها أو بعد أن فر منها
ولذلك فسورة القصص فيها ذكر للمناسبة بين قصة موسى وقصة نبينا محمد صلوات الله وتسليماته عليه ﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾16 (القصص: 85) قال الله جل وعلا ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾17 (القصص: 22)
وعسى رجاء منه في ربه عز وجل فهو يرجو ربه ويطلب من ربه عز وجل أن يهديه سواء السبيل وهناك في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام وقال: ﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ فقطع
وهنا قال ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) فذكر موسى عليه الصلاة والسلام لغةً عسى وأما إبراهيم عليه السلام فإنَّه جزم قائلًا سيهدي قال بعض العلماء
ذلك لأنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان وقتئذ نبيًّا من الأنبياء وأما موسى عليه الصلاة والسلام فلم يكن قد بُعث عليه الصلاة والسلام بعد فلذلك كان هذا رجاء وأما إبراهيم عليه السلام فخروجه بوحي فهو موقن بأن الله جل وعلا سيهديه وأنه لن يضل بفضل الله عز وجل
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) والمراد بقوله سواء السبيل أي: ﴿عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى﴾ الطريق القويم وأن يهديني إلى طريق مدين فلا أخطئه وأن أصل إلى بغيتي وإلى هدفي
وأن لا يحدث لي ما يحدث لبعض الناس في أثناء سيرهم في الطرقات ﴿عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) الطريق المعتدل القويم دون أن أخطئ أو أن يكون المعنى ﴿عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) أعم من أن يقصد بذلك المكان الحسي وإنَّما المراد بسواء السبيل الصراط المستقيم
يعني: عسى ربي أن يدلني ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأن يهديني إلى الصدق وأن أسير على صراطه المستقيم وعلى المنهج القويم ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22) وهكذا فنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام
كان صاحب رجاء في الله وصاحب ثقة في الله سبحانه جل وعلا والله حفظه فسار هذه المدة والله عز وجل يحفظه ويكلأه بعنايته وهذه المدة تحتاج إلى جهد جهيد وإلى طعام وشراب وقوة وأمن وأمان وقد حفظ موسى عليه الصلاة والسلام وسلمه الله عز وجل إلى أن وصل إلى مدينة
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾18 (القصص: 23) ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾19 (القصص: 23) ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾20 (القصص: 23) ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾21 (القصص: 24)
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾22 (القصص: 23) أي: حين أن وصل نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام إلى ماء مدين ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) الورود هنا بمعنى الوصول ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) يعني: لما وصل إلى قبيلة مدين إلى ماء مدين ولمَّا ورد وهذا يعني: أنَّ الورود يأتي أحيانًا بمعنى الوصول
وأحيانًا يأتي بمعنى الدخول فليس كل من ورد الشيء أي: دخل فيه بل قد ترد الشيء أي: تصل إليه وإن لم تدخل ولذلك ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) هل هو دخل في الماء ولا وصل إلى ماء مدين وصل ماء مدين
ومنه قوله تعالى ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ فقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الجميع سيرد النار هل سيدخلون النار؟ أهل العلم يقولون ﴿أَنَّمَا﴾ يرون النار ويمرون على الصراط ويجوز أهل التقى بفضل الله سبحانه ويقع غيرهم في النار سلمنا الله وإياكم
أما في قوله تعالى في شأن فرعون وقومه ﴿فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾23 (هود: 98) فهنا من مراد بذلك الدخول لأنَّ فرعون وقومه الذين اتبعوه داخلون نار جهنم نسأل الله السلامة والعافية ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) أي: ولمَّا وصل إلى ماء مدين وذكر الماء هنا
لأن هؤلاء من أهل تلك القبائل كانوا يقطنون بجوار الماء فإذا أردت أن تعرف مسكن القوم نظرت إلى الماء، لأنهم لقلة الماء إذا وجدوا مكانا فيه بير أو فيه ماء اجتمعوا عنده وسكنوا بجواره
فلذلك يقال ماء كذا ماء قبيلة كذا ماء قبيلة كذا لماذا؟ أنهم يذهبون ويجتمعون ويسكنون بجوار البئر أو الماء الذي يستقون منه ويسقون مواشيهم بفضل الله عز وجل
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) وصل نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام إلى هذه القبيلة إلى هذا المكان إلى بلد مدين ورد ماء مدين ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ﴾24 (القصص: 23)
وجد عليه أمة الأمة هنا بمعنى ماذا؟ بمعنى الجماعة أي: وجد عليه جماعة مجموعة من الناس يسقون لما ورد ماء مدين وأيضًا وصل إلى مدين وإلى مكان اجتماعهم على الماء وهو ما يقصدونه ولا يتعدون عنه بل يتجهون إليه في كل يوم
إذ كلهم أو أغلبهم سيخرج من أجل أن يشرب ومن أجل أن يسقي أنعامه أو إبله أو غنمه المواشي عمومًا
قال ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: جماعة أو مجموعة من الناس وذلك لأنَّ الأمة كما تقدم مرارًا تأتي في القرآن الكريم بعدة معاني فمنها الجماعة من الناس ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾25 (النحل: 36) أي: في كل جماعة رسولًا أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت
وأحيانًا تأتي الأمة بمعنى الملة ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾26 (الأنبياء: 92) يعني: إن هذه ملتكم ملة واحدة وأحيانًا تأتي الأمة بمعنى المدة الزمنية ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾27 (يوسف: 45) يعني: بعد فترة من الزمن وأحيانًا تأتي الأمة
ويراد بها: العابد القانت الجامع لخصال الخير ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾28 (النحل: 120) هنا الأمة بمعنى المجموعة من الناس ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ (القصص: 23) ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (القصص: 23) يسقون ماذا؟
يحتمل يسقون أنفسهم يسقون أولادهم يسقون أنعامهم الأمر عام هم يشربون وكذلك يُقوِّمون بسقي الغنم أو بسقي المواشي ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (القصص: 23) ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾29 (القصص: 23) ووجد من دونهم امرأتين
قوله من دونهم قال بعض العلماء أي: أسفل منهم كأنهم كانوا في علو وهاتان مرأتان في مكان أسفل من مكانهم وقال آخرون: ووجد من دونهم أي: قبلهم يعني: وجد بئرًا والناس يسقون منه والناس مزدحمون على هذه البئر ووجد قبلهم امرأتين تذودان
وقوله: تذودان أي: تحبسان وتمنعان ومنهما جاء في حديث النبي «صلى الله عليه وسلم» «ليذادن عن حوضي رجال يوم القيامة» فمعنى ذلك أنهم يُمنعون عن حوض النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم فقوله: وجد من دونهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (القصص: 23) أي: تمنعان تمنعان ماذا؟
قال قتادة رحمة الله تمنعان الناس عن مواشيهما وهذا فيه نظر وإنَّما الصحيح الذي عليه أكثر المفسرين أن المعنى تمنعان الأنعام تمنعان المواشي عن الناس
يعني: تمنع المواشي التي معهما عن السقيا لئلا يزدحم بالناس وهما ليست قادرتين على الازدحام مع الناس
﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (القصص: 23) يعني: تمنعان المواشي لماذا؟ لأنَّهما لا تقدران على مجاورة الناس ومزاحمة الناس فهما ينتظران انصراف الناس وتخفف الناس حينئذ يذهبان بالمواشي من أجل السقيا لتكون ميسورة عليهما غير معسورة بفضل الله عز وجل
قال ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (القصص: 23) إذن معنى تذودان أي: تمنعان مواشيهما عن السقيا خوفًا من ازدحام الناس هذا من جهة ومن جهة أخرى خوفًا من اختلاطهما بالرجال
خوفًا من اختلاطهما بالرجال فهذا محتمل أيضًا فهاتان المرأتان كما وصف الله إحداهما ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآ30ءٍ﴾ (القصص: 25) فهما لا تحبان أن تكونا في وقت ازدحام الرجال كراهية الاختلاط
لا يحبان أن يكون مع الرجال في اختلاط فينتظران انصراف الرجال ثم بعد ذلك يتوجهان إلى هذا المعنى من أجل الشرب أو السقياء ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (القصص: 23)
فحينئذ أراد موسى عليه الصلاة والسلام أن يعرف الخبر وأن يعرف الخطر لعل هاتين المرأتين عندهما عجز عن شيء وعدم مقدرة وهو عليه الصلاة والسلام قد أوتي قوة
فهو يستطيع إعانتهما ومن المعروف أنَّ أهل الصلاة وأن أهل الخير عندهم ما يسمى بإغاثة الملهوف وهذا من شهامة الرجال وكذلك من فروسية الرجال إذا وجد الرجل امرأة ضعيفة أخذ بيدها بمعنى أنه أعانها ولم يخذلها
فقال: لهما موسى عليه الصلاة والسلام ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾31 (القصص: 23) مع أنَّه في هذا الوقت وقد وصل إلى هذا المكان أحوج ما يكون إلى أن يشرب أو يطعم وينام يعني: هذه المدة الطويلة التي سارها
وهو في هلع في الطريق ويترقب ويحذر من أن يكون فرعون أو الملأ يتبعونه ووصل إلى مكان آمن هو بحاجة إلى الراحة لكنَّه لمَّا رأى هذا الخطر لما رأى حال هاتين المرأتين لم يسكت عليه الصلاة والسلام
وهذا من شيء من رجال إذا رأى الرجل امرأة يظهر عليه أنها محتاجة وأنها مفتقرة إلى شيء فإنَّه حينئذ لا يخذلها وإنما يعينها قدر استطاعته ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ (القصص: 23)
﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ (القصص: 23) يعني: ما شأنكما أو ما مخطوبكما يعني: ما الحال التي أنتما عليها أو ما تطلبان ما مطلوبكما ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ (القصص: 23) بمعنى ما شأنكما أو ما مطلوبكما فيكون الخطب بمعنى المخطوب
وتأمَّل! العبارة إنها عبارة محددة موجزة ليس فيها إطناب في الكلام أو ليس فيها شيء لا يفيد وإنَّما كلام على قدر الحاجة ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ (القصص: 23) ما يحكي ويروي ومن أين أنتما وماذا ﴿أَنَّمَا﴾ يقول ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ (القصص: 23) ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآ32ءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾33 (القصص: 23) هكذا أجابتا
أجابت هاتان المرأتان بهذه الإجابة الشافية الكافية أجابتا قائلتين ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ (القصص: 23) نحن ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ (القصص: 23) يصدر يعني: يرجع الرعاء هم الرعاء
كما يقال قائم جمعه قيام على أحد الجموع كذلك الرعاء جمع راعٍ بمعنى الرعاة يعني: لن نسقي ولا نقوم بسقي الغنم حتى يرجع الرعاة فإذا رجع الرعاة وسقوا غنمهم فإننا نتجه إلى الماء من أجل أن نسقي ما لدينا من المواشي
قالت ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ (القصص: 23) هكذا القراءة وهناك قراءة أخرى وهي متواترة أيضًا حتى يصدر الرعاء حتى يُصدِر الرعاء فحتى يُصدِر يعني: حتى يُرجِع الرعاء طيب حتى يُصدِر من أصدره
جعلوا الآخر صادرة يعني: حتى يصدر الرعاء مواشيهم فعلى القراءة التي نقرأ بها من رواية حفص عن عاصم وهي رواية غيره أيضًا من عدد من القراء المعنى حتى يصدر الرعاء الرعاة مواشيهم حتى ترجع المواشي
وتأمَّل! الآية ولمَّا ورد فهناك ورود وهناك صدور ورد وصدر ورد يعني: ذهب وصدر يعني: رجع ارتوى وشرب وسقى غنمه وانصرف ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾
يعني: الذي يمنعنا من أن نخالط الناس وأن نكون بجوارهم وأن نسقي مثلهم في الوقت الذي يسقون فيه أننا نكره الاختلاط وأننا لا نتمكن من المزاحمة لذلك ننتظر حتى يرجع الرعاة وحتى يرجع مواشيهم وحينئذ نتمكن من السقي بفضل الله عز وجل
ثم قالت ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) وهذا من فقهما وموسى عليه الصلاة والسلام لم يسأل عن أبيهما
سيأتي الكلام فيه إن شاء الله طيب ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) لم يسألهما موسى عليه الصلاة والسلام ابتداء عن الأب
لكنهما كانت فطنتين ذكيتين أرادتا أن تثبتا له لأنَّهما خرجتا من بيوتهما أو من بيتهما إلا من أجل الضرورة ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ إذ قد يأتي سائل ويسأل إذا كنتم عاجزتين عن مخالطة الناس وعن السقيا في وجود الناس فما الذي حملكم على الخروج من بيتكما
خرجتما من البيت لماذا خرجتما من البيت وما أحوجكما إلى الخروج فقالت ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) يعني: اضطررنا إلى الخروج ولولا ذلك ما خرجنا
لو أنَّ أبانا كان على القوة وكان قادرًا متمكنًا من السقي كان سيأتي ويسقي ولن نخرج من البيت وكذلك في طيات ذلك لو كان لنا أخ كبير يقوى على ذلك لخرج الأخ وسقى ولبقينا في بيوتنا وهذا معناه:
أن المرأة ﴿أَنَّمَا﴾ خرجت من أجل الضرورة أو الحاجة فهي تعتذر وتبين عذرها وأنها ما خرجت إلا من أجل الحاجة فحينما كانت الحاجة ماسة لخروجها أو لخروجهما خرجتا وهما يسألان الله جل وعلا التوفيق والتسديد
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) هذا هو السبب لولا أن أبانا شيخ كبير ما خرجنا وهكذا هذه الجملة جملة زائدة بمعنى ماذا بمعنى أنها زيادة عن إجابة السؤال هو سأل سؤالًا محددًا ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ (القصص: 23)
قالت ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ (القصص: 23) لكن هذه الزيادة زيادة مفيدة يسميها العلماء بجواب الحكيم أن يسأل الإنسان سؤالًا فيجيب على السؤال ويزيد في الإجابة بما يحتاج إليه السائل أو ما يفيد السائل ولو لم يتعرض له السائل
وهذا مشهور في أحاديث النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» فمن ذلك حينما قال له أولئك الذين ركبوا البحر «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ» إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإنَّ توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ كان بإمكان أن يقول نعم
أفنتوضأ بماء البحر؟ لو قال: نعم ممكن يتأول على ماذا؟ أن الرسول عليه الصلاة والسلام رخَّص لهم في حالة الحاجة إن نحمل معنا القليل من الماء إذًا لو معكم الكثير من الماء العذب لا تتوضأ من ماء البحر ممكن يفهم هذا لو قال: نعم فقط. ثم إن من أشكل عليه شأن الماء
والأصل في الماء أنه طهور ماء نازل من السماء إيه مشكلة طهور؟ الذي يشكل عليه الماء ﴿إِلَّا﴾ يشكل عليه ميتة البحر من باب أولى؟ الميتة اللي في البحر هيكونها إزاي؟ إذا كان أصلًا الميتة في الأصل إنها محرمة
لكن هذه الميتة حلال هو يعرف من أين إذا كان الماء خفي عليه أمره لذلك أجاب النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ ميتته»
هم يقولون أنا توضأ بماء البحر وهو يجيب قائلًا «هو الطهور ماؤه» يعني: مش على أدكم فقط ليس لكم فحسب وليس في حالة الضرورة فحسب بل من شاء أن يتوضأ من ماء البحر ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت فليتوضأ
الحل ميتته وهم تكلموا عن الميتة لكن مدام يركبون البحر إذن سيحتاجون إليه وإذا أشكل عليهم الماء فسيشكل عليهم أمر الميتة من باب أولى هذا اسم جواب الحكيم
ومن ذلك لما رفعت امرأة ابنها كما في صحيح مسلم الحديث ابن عباس رضي الله عنهما رفعت ابنها في الحج وقالت يا رسول الله ألهذا حج يعني: لو إن رجل عنده معه ابنه طفل
فأحرم للابن وأخذ معه للحج حجه صحيح ولمَّا حجه صحيح؟ حجه صحيح لكن لا يجزئه عن حج الفريضة بمعنى لو أنَّ طفلًا حج وأدى المناسك مع والده وأحرم فحجه صحيح ولكن عليه إذا بلغ أن يحج حجة الإسلام الشاهد من ذلك أن المرأة لما رفعت الصبية وقالت يا رسول الله ألهذا حج؟
كان بإمكانه أن يقول نعم انتهت المسألة لكن قال «نعم ولك أجر» «ولك أجر»
ليه؟ من باب التشجيع ممكن الرجل يقول ويا عد اشتلبني وانطعمي وحركوا فقال: ولك أجر من باب الترغيب في هذا العمل فهذا يسمى بجواب الحكيم كما لو جاء سائل يسأل الشيخ مثلًا يسأل عالمه ويقول يا شيخ أنا عندي مشكل مثلًا وهو يسأله عن مسألة من المسائل يقول أنا فعلت كذا وكذا ويسأل عن حكم
ونسي أن يسأله عن الحكم الأهم لكن الشيخ لما سمع السؤال وجد في سؤاله شيئًا مهما هو غافل عنه فيقول: يا أخي بارك الله فيك أنت سألت عن هذا السؤال فإجابته كذا ولكن أهم من ذلك أن تسأل عن كذا وكذا فإنَّ هذه المسألة حكمها كذا وكذا
فهذا يكون من جواب حكيم وأحيانًا يسأل المفتي سؤالًا يسأل سؤالًا فيجيب بجواب غير السؤال الذي سئله لما يعلم من حاجة السائل إلى غير ما سأل أو يجيب بطريقة أخرى فالنبي عليه الصلاة والسلام لما سُئل ما يلبس المحرم من الثياب إلا المحرمات يلبسه من الثياب
ما يلبس المحرمات من الثياب كان المتوقع أنه يقول إيه المحرمات يلبس كذا وكذا وكذا طب هو الحلال اكتر ولا الحرام اكتر الحلال اكتر ده الممنوع اوليه يبقى لو قال: يلبس يلبس يلبس يلبس مش هينتهي
لكن قال لي «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات» الحديث. يبقى هو سُئل عما يلبس لكنه أجاب عما لا يلبس. ليه؟ لأنه محدود محصور. بما يجي واحد يقول لك يا شيخ إيه الحلال؟ انا أريد أكل طيب. إيه الأكل الحلال؟ طب ما الأكل الحلال كتير.
لكن يقول الحرام الميتة ولحم الخنزير الحرام كذا وكذا يحدد الحرام لأنَّ الحرام قليل هكذا يكون الجواب هنا قالت ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) فذكرت العذر؛ لأنَّهما ﴿أَنَّمَا﴾ خرجتا من أجل الحاجة والضرورة ولولا ذلك ما خرجتا وهذا يعني: أنَّ البيت مستقر المرأة والأمر كما قال الله جل وعلا لأزواج النبي «صلى الله عليه وسلم»
﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ﴾34 (الأحزاب: 33) فالمرأة ﴿أَنَّمَا﴾ تخرج من أجل الحاجة من أجل الضرورة لكن لا تكون ولاجة خراجة ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23)
أبونا من هو الذي عليه كثير من أهل التفسير ونسبه غير واحد إلى الجمهور أنه شعيب عليه الصلاة والسلام وقالوا هو النبي شعيب عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله إلى مدين الذي جاء ذكره في غير ما موضع من القرآن ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾35 (العنكبوت: 36)
فعلى ذلك أيضًا فيما سيأتي ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾36 (القصص: 25) فلما جاء هو قص عليه القصص ﴿قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾37 (القصص: 25) قالوا هو شعيب عليه الصلاة والسلام ونسب هذا القول يعني: عدد من المفسرين نسبوه إلى الجمهور أو إلى الأكثرين لكن الذي حرره عدد من أهل العلم كالطبري وابن كثير وابن تيمية وغيرهم رحمهم الله قالوا ليس هو شعيبًا عليه السلام ليس هو شعيب
﴿أَنَّمَا﴾ هو رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الله أعلم به ليس هناك دليل على أنه نبي من الأنبياء كل ما هنالك أن العامل المشترك كلمة مدين
طيب، مدين لم يكن في عصر في كل العصور فيها شعيب لا يلزم قد يكون هذا من نسل شعيب قد يكون هذا يعني: من أقارب الشعيب وقد يكون فلان أو فلان المهم هو رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لِمَ؟ لأننا إذا أردنا أن نجزم بأنه شعيب من النبي فلا بد من دليل صحيح وخبر قوي يدل على ذلك وليس ثمة خبر صحيح
يدل على ذلك كما ذكر الطبري رحمة الله ويدل على ذلك أيضًا أن الله عز وجل لما ذكر قصة مدين قصة شعيب عليه الصلاة والسلام وحذر شعيب عليه الصلاة والسلام
قومه من أن يقع لهم ما وقع لأتباع الأنبياء أو لأقوام الأنبياء السابقين حين لم يؤمنوا قال ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾38 (هود: 89) شعيب عليه السلام ويدعو قومه ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ﴾39 (هود: 52) الآيات ويا قوم ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ﴾
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89) يعني: هلكهم كم قريب طيب قوم لوط هلكوا إمتى هلكوا في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام طيب بين إبراهيم وموسى
عليه الصلاة والسلام فرق كبير فالآن شعيب عليه السلام كان قريبًا من عهد لوط ولوط عليه السلام كان في عهد إبراهيم عليه السلام وموسى كان بعيدًا عنهم في الزمان قال كثير من أهل التاريخ لا يقل ذلك عن أربعمائة سنة أربعمائة سنة لذلك جنح بعضهم وقال إن شعيبًا قد عمر
ومكث مدة طويلة وهذا يحتاج إلى دليل ولو كان في تعيينه خير أو فائدة خاصة لعينه الله عز وجل
يعني: لو كان في دليل قاطع أو كان في فائدة إن ربنا يبين إن شعيب كان ذكر شعيب لكن ما ذكر شعيب إذًا ما نحتاج إلى التكلف وأن نجزم أنه شعيب عليه الصلاة والسلام وهذا يحتاج إلى دليل والله أعلم الشاهد أنَّهما قالت ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: 23) ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾40 (القصص: 24) ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾41 (القصص: 24) فقال: رب ﴿إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾42 (القصص: 24)
﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ (القصص: 24) أي: فسقى من أجلهما يعني: ما ذهب إلى ماء مدين ولا ذهب من أجل السق إلا من أجل من أجل هاتين المرأتين من أجل أن يسعفهمًا وأن يقضي لهما حاجتهما
وقد جاء من طريق عمر بن ميمون «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه بسند صحيح كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله أن موسى عليه الصلاة والسلام وجدهم بعد أن سقوا لأنفسهم أي: الناس بعد أن سقى الناس لأنفسهم وضعوا صخرة على فم البئر
لا يرفعها إلا عشرة من الرجال فذهب إليها موسى عليه الصلاة والسلام ورفعها وحده وهذا ثبت «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه سنة صحيحة فرفعها وحده وهذا ما يقال من قبله نفسه وإنَّما يكون مأخوذا من النبي «صلى الله عليه وسلم» إذًا نعرف «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» اللهم إلا ما جاء عنه من ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ في صحف التوراة
والرسول يقول «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب» فإنَّ كان عن بني إسرائيل فلا يصدق ولا يكذب وإن كان عن النبي «صلى الله عليه وسلم» فلا جرم في قبول بل يلزم قبول الشاهد من ذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام رفعها ثم وضع فيها ذنوبا وضع دلوا لكن دلو متين فخرج بهذا الدلو فكفاهما
كفى رعي الغنم يعني: الغنم التي كانت للمرأتين كفاهما هذا الذنوب الذي سقاه لهما أو الذي أخرجه من البئر موسى عليه الصلاة والسلام أو أخرجه موسى عليه الصلاة والسلام من البئر ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ (القصص: 24) ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ (القصص: 24)
ثم تولى أبلغ من ولّى يعني: ذهب بقوة إلى الظل يعني: معناه من تنظر منهما شيئًا فسقى لهم ثم تولى خلاص اطمئن لأنَّهما قد تم لهما مرادهما وقد قضيت حاجتهما إذن لا مجال للكلام ولا مجال للحديث إن صرف عنهما عليه الصلاة والسلام ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ (القصص: 24)
استظل تحت شجرة يستظل عليه الصلاة والسلام على قول الأكثرين ﴿تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ﴾: ربي ﴿إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 24) انظر إلى شهامة الرجل موسى عليه الصلاة والسلام وقتئذ لا شك أنه ذو حاجة لو كان غيره في هذا المقام لقال أنا سأسقي لكم ولكن أريد أجره
أريد شيئًا أو أريد عطاءً نوالًا ما فكر في ذلك ولا طلب ذلك هما وجد موسى عليه الصلاة والسلام المرأتين ووجد لهما حاجة قضى حاجتهما دون أن يلتفت إلى أجر وإنَّما سأل الإعانة من الله سبحانه وتعالى فقال: ربي ﴿إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 24)
إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ هذا فيه إثبات أن موسى عليه الصلاة والسلام يعترف بسابق فضل الله عليه يا ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ إذن فيه اعتراف الإنسان بحاله وسابق فضل الله عز وجل
وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن هذا أيضًا إن من طرق الدعاء أن يدعو الإنسان ذاكرًا سابق فضل الله عليه ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾43 (القصص: 17) وأيضًا أن يعترف بحاله وأن يسأل الله جل وعلا ذاكرًا ضعفه ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾44 (الأنبياء: 83)
فالشكوى إلى الله جل وعلا لا بأس بها ﴿أَنَّمَا﴾ الشكوى الممنوعة شكوى الله شكوى الله أما الشكوى إلى الله فلا بأس قال يعقوب عليه السلام ﴿إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾45 (يوسف: 86) ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾46 (القصص: 24) يعني: يا رب أنت أنزلت إلي خيرًا كثيرًا وأنا فقير إلى مثله
﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ طب هو أنزل الخير يبقى فقير إلى نفس الخير ولا إلى خير مثله إلى خير مثله إذن معنى الآية ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ﴾ وأنعمت على من خير فقير إلى مثله
يعني: كما أكرمت أريد دوام إكرامك وكما أعطيتني أريد دوام عطائك وقال بعض العلماء المراد بالخير في الآية الطعام فقد كان محتاجًا إليه والخير يأتي في القرآن بمعاني منه المال ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾47 (العاديات: 8) ما معنى الخير؟ المال
وكذلك ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾48 (الدخان: 37) الخيرية هنا بمعنى القوة يعني: أهم أقوى على قول بعض العلماء قالوا الخير هنا الطعام يا رب أنا مفتقر إلى قليل من الطعام محتاج إليه ليقوى صلبي وليشتد عظمي ولأستطيع مواصلة طاعتك
﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾49 (القصص: 24) سأل الله ولم يسأل المرأتين وطلب من الله ولم يطلب من المرأتين فأتاه الفرج من الله ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآ50ءٍ﴾ (القصص: 25)
فجاءته بفاء التعقيب والسرعة يعني: ما يعسر على الله جل وعلا وقال ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 24) أنا محتاج إلى نوالك إلى عطائك إلى خير مثله فخيرك قد عمني وفضلك قد غمرني ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ51 لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25)
﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) وهناك استحياء وهناك حياء والاستحياء فيه زيادة في المبنى وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى أي: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) بالغ بلغ أعلى المراتب
فلذلك جاء التعبير باستحياء ليس حياء فقط وإنَّما استحياء حياء ذلك وهي تطلب الحياء أيضًا ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) وقال بعضهم: جاء التعبير بقوله استحياء دون أن يقال تمشي على خجل لأنَّ الخجل وطر أما الحياء فهي صفة
تلزم من يتصف بها والمعنى أن الحياء وضح عليها فالحياء صفة ملازمة لها في مشيتها وفي غير ذلك ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) أي: مشيتها حال كونها حيية
تمشي حاله كونها ذات حياء وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنها سترت وجهها بيدها أو أنها غطت وجهها ليست بسلفع وليست خراجة ولا ولاجة ليست بسلفع التي ترد الكلام وترفع الصوت وما إلى ذلك من المرأة المشاغبة ليست بسلفع ولا خراجة ولا ولاجة
﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25) وبعضهم يقرأ على استحياء قالت
يعني: قولها كان على استحياء يعني: الصوت ضعيف ما هو صوت المرأة يعني: وليست أيضًا تتكلم كلامًا فيه شيء من الميوعة وما إلى ذلك لكن الصواب والله أعلم أن قوله على استحياء يتعلق بالمشية ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25) قالت ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ﴾ (القصص: 25)
وبدأت بالجملة الاسمية والمفتتحة بإن التي تفيد التأكيد وهذا من بابه إدخال المسرة عليه فكأن موسى عليه الصلاة والسلام تظهر عليه علامات الفاقة علامات الضعف
أو الأرق أو التعب أو الإرهاق مما هو عليه الصلاة والسلام فأرادت أن تؤكد الخبر وأن تدخل المسرة عليه ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25) ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ﴾ (القصص: 25) إذن؟ ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25)
﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ﴾ (القصص: 25) يعني: ما أتيت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ نفسي ﴿أَنَّمَا﴾ جئت بطلب من والدي ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25) ليجزيك أجر تنصب على المفعول المطلق لبيان نوعية الأجر أي: ليجزيك أو نوعية الجزاء هذا الجزاء هو أجر لما سقيتنا
قال بعض العلماء وما كان يريد أخذ أجر منهم لكنه وافق على الذهاب ليرى هذا الوالد ليرى هذا الرجل وليتعرف عليه كذا قال بعض العلماء ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾52 (القصص: 25) فلما جاءه وصل إليه
والظاهر كما هو معروف أنَّه سيكرمه وهذا الأمر المتعارف عليه جاءت إسرائيليات في مثل ذلك أنه عرض عليه الطعام رفض خشية أن يكون أجرا على ما سقى وإنَّما قال هذا شأننا مع كل ضيف لكن هذه من الإسرائيليات ولا نحتاج إليها والله أعلم على كل
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25) ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾53 (القصص: 25) يعني: كأن هذا الوالد قال له ما خبر قال بعض العلماء وسبب ذلك أن المرأتين لما رجعتا إلى أبيهما مبكرتين وأنعامهما حفل
شربه شرب تمام يعني: اكتمل الشرب ورجع مبكرًا فقال: الأب ماذا جرى؟ رجعتما مبكرًا وفي نفس الوقت ما شاء الله سقيتما فأخبرته بالخبر
فطلب أن يرى هذا الشخص المبارك الذي ما طلب أجرا ولا نوالًا وقضى لهم حاجتهما بهذه الطريقة ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾54 (القصص: 25) ونكمل إن شاء الله تعالى تفسير هذه الآية مع ما يتلوها من آيات في الدرس المقبل إن شاء الله هذا والله أعلم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 20 ↩
- آية: ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 20 ↩
- آية: ﴿فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 20 ↩
- آية: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 21 ↩
- آية: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 22 ↩
- آية: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: يس 20 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 20 ↩
- آية: ﴿وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 6 ↩
- آية: ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 20 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 21 ↩
- آية: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 21 ↩
- آية: ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 22 ↩
- آية: ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 26 ↩
- آية: ﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 99 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 85 ↩
- آية: ﴿عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 22 ↩
- آية: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 98 ↩
- آية: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 36 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 92 ↩
- آية: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 45 ↩
- آية: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 120 ↩
- آية: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
- آية: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 33 ↩
- آية: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 36 ↩
- آية: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 89 ↩
- آية: ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 52 ↩
- آية: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 17 ↩
- آية: ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 83 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 86 ↩
- آية: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: العاديات 8 ↩
- آية: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 37 ↩
- آية: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الدخان
- تفسير سورة الصافات
- تفسير سورة الطلاق
- تفسير سورة العنكبوت
- تفسير سورة القصص
- تفسير سورة هود