مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

وسطية الرسول «صلى الله عليه وسلم» خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

الخطب المنبرية · الدرس 7 من 16 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾

... ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا

أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم» وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة

يا أيها الإخوة الكرام ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله وعونه وتوفيقه بهذه السلسلة هكذا كان النبي «صلى الله عليه وسلم»

أو إن شئت فقل: وقفات مع قول الله جل ذكره ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾3 (الأحزاب: 21) ونحن اليوم يا أيها الإخوة الكرام على موعد مع وسطية رسول الله «صلى الله عليه وسلم» واعتداله في الأمور كلها

كيف كان «صلى الله عليه وسلم» معتدلًا في أموره كلها لا يعرف منه ولا عنه تقصير ولا تفريط كما لا يعرف منه ولا عنه إفراط أو غلو صلوات الله وتسليماته عليه

هذه الوسطية التي عاشها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في حياته كلها منذ أن بعثه الله جل وعلا وجعله نبيًّا ﴿أَنَّمَا﴾ هي منبثقة من الرسالة التي يحملها وهي رسالة الإسلام رسالة العدل والوسطية قال الله جل وعلا وكذلك جعلناكم أمة وسطاً

لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا فهي أمة وسطية هي أمة الخيار وهي أمة العدل فهي أفضل الأمم وهي أعدلها بفضل الله عز وجل وهكذا كان نبينا «صلى الله عليه وسلم» وهكذا أرشد الأمة جميعًا

فإذا رأى من بعض أصحابه جنوحًا إلى ما فيه شطط أو غلو أو تطرف فإنَّه عليه الصلاة والسلام يمنعه من ذلك ويحجزه عن ذلك حتى يعود إلى رشده وهذا هو عين الاستقامة التي أمر الله بها فقال: ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟﴾

فاستقم كما أمرت أي: لا تستقم كما تهوى لا تستقم كما تشتهي وإنَّما استقم كما أمرك الله عز وجل وليستقم من تاب معك إلى الله عز وجل ولا تطغوا لا يكن منكم طغيان لأنَّ الاستقامة اعتدال ليس فيه إفراط ولا تفريط ولم لا؟

وصراط الله صراط مستقيم دعانا إليه وأمرنا بسلوكه وأرشدنا إليه وأمرنا أن نسأله الهداية إليه فقال: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾

وقال: ﴿يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ فالرسول عليه الصلاة والسلام سار ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ معتدل

هذا الدين تُراعَ فيه أمورٌ كثيرة تُراعى فيه مصالحُ الدنيا والآخرة ومصالحُ العباد والبلاد ومصالحُ النفوس ومصالحُ الأفراد والمجتمعات

ففيه رباط بين العبد وربه كيف تكون صلتك بربك كما أنَّ في ديننا ما يعلمنا إياه ديننا من معرفة صلتنا بعقولنا وكذلك نتعلم كيف تكون صلتنا بأجسامنا كيف تكون صلتنا بدنيانا كيف تكون صلتنا بمجتمعنا كيف تكون صلتنا بأهالينا وبأقاربنا وبمن كان بعيدًا عنا

كل ذلك في هذه الشريعة السمحة التي أرسل الله بها نبيه محمد صلوات الله وتسليماته عليه

وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام النموذج الفريد الكبير العظيم الذي يُهتدى به ويُقتفى أثره ويُسار على منواله ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾

فكان عليه الصلاة والسلام لا يدع مناسبة من المناسبات فيها تذكير بهذا الأصل الأصيل إلا ودل الأمة عليه وحث الأمة عليه الصلاة والسلام ففي حجته العظيمة حجة الوداع حينما أمر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأن يأتيه بحصى من أجل أن يرمي بها الجمرة

جمرة العقبة فأتاه بحصى هي أمثال الخَذْف كما عند النسائي وابن ماجة وغيرهما فأخذها الرسول عليه الصلاة والسلام في يده

وجعل ينفضهن، ثم قال: «بأمثال هذه فارموا» ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين4 النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام يعلم الأمة أن القضية ليست قضية حجارة كبيرة أو صغيرة بقدر ما يؤدى بها الغرض فتلك الحصاة الصغيرة تؤدي الغرض

فلا ينبغي أن يغالي الإنسان في هذا الأمر، ولِمَ لا؟ والدين كله قائم على ذلك فلسنا كاليهود الذين جفوا وقصروا وفرطوا في حق الأنبياء والمرسلين فرموا عيسى بن مريم عليه السلام وادعوا أنه ولد زنا وقتلوا الأنبياء والمرسلين وسفكوا الدماء ولسنا كالنصارى

الذين غلوا فزعموا أن عيسى ابن الله أو أنه الله ﴿أَنَّمَا﴾ نحن نتوسط ونقتصد فنقول آمنا برسل الله وآمنا بأنبياء الله ولا نغالي ولا نفرِّط فنقول الله واحد لا شريك له وله رسل وله أنبياء

كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ اليهود إذا أصاب أحدهم نجاسة في ثوبه قرضها بالمقراض أو قصها وقطعها والآخرون ربما صلوا بالنجاسات أما نحن إذا أصابنا شيء من ذلك فإننا نغسل الثوب ونطهره ولا نقطعه ولا نمزقه لأنه دين التيسير

دين التيسير ودين رفع الحرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وكما قال الله جل وعلا ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ وكما قال الله عز وجل ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ فربنا سبحانه رفع عنا الحرج ويسر لنا الأمور وسهلها بفضل الله سبحانه وتعالى

نبينا صلوات الله وتسليماته عليه حينما كان يراه بعض أصحابه ممن أقبل على الله واجتهد في الطاعة وعرف قدر الآخرة وحقارة الدنيا كان يرى الرسول عليه الصلاة والسلام في حالة بين الناس فيقول: لعل للرسول عبادات سرية

ولعل الرسول يفعل في سرّه ما لا يراه الناس جهارًا فلا شك أن هذا الرسول له عمل آخر وله اجتهادات أخرى لأنَّ الدنيا زائلة ولأن الدنيا فانية فأتى ثلاثة رهط إلى بعض بيوت أزواج النبي «صلى الله عليه وسلم» كما تعرفون وكما هو في حديث أنس رضي الله عنه عند الشيخين

فلما أخبروا عن عبادة النبي «صلى الله عليه وسلم» كأنهم تقالوها رأوها قليلة أهذه عبادة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أهذه همة رسول الله ثم اعتذروا للرسول عليه الصلاة والسلام

أنهم يحبونه، وأنهم يعظمونه، وأنهم يقدرونه فقالوا: وأين نحن من رسول الله؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقال أحدهم أما أنا فأصوم ولا أفطر أصوم أبدًا لا أفطر وقال الآخر أنا أصلي الليل كله وقال الآخر أنا لا أتزوج النساء

فسمع النبي «صلى الله عليه وسلم» مقالة أولئك النفر فخرج عليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا نعم قال: «أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له»

لا تحسبوا ولا تظنوا أنني إذ غفر الله لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر أي: له عليه الصلاة والسلام أن هذا سيجعله يقصر في طاعة الله كلا بل هو أتقى الناس لله وأخشى الناس لله قال: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» صلوات الله وتسليماته عليه

كان إذا رأى بعض زوجاته رضي الله عنهن وقد اجتهدت غاية الاجتهاد الذي لا يطاق يذكرها كذلك بهذا الأمر فحينما دخل فوجد حبلًا ممدودًا بين الساريتين بين العمودين قال ما هذا الحبل؟

قالوا هذا حبل لزينب إذا فترت أو كسلت تعلقت به أي: إن زينب رضي الله عنها لا تزال تصلي بالليل فإذا وجدت في نفسها شيئًا من الكسل تعلقت بالحبل حتى لا تجلس ولا تقعد إنها همة لكن الرسول أرشدها وعلَّمها قال لا

«حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» هكذا يعلمنا عليه الصلاة والسلام

ولما بلغ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يصلي الليل كله ويصوم الدهر كله ويقرأ القرآن كله في ليلة فلما رأى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: ولقيني رسول الله فقال: لي عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فلا تفعل

فإنَّك إذا فعلت هَجَمَتْ له العين ونَفِهَتِ النفس فإنَّ لعينك عليك حقًا وفي لفظ فإنَّ لنفسك عليك حقًا فأعطِ كل ذي حق حقًّا يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام

فإنَّك إذا فعلت ذلك هَجَمَتِ العين ونَفِهَتِ النفس إذا مكثت هكذا تقوم الليل كله وتقرأ القرآن كله في ليلة فإنَّ عينك ستصاب بالأذى وحينئذ ستضعف يومًا ما عن طاعة الله ونفهت النفس النفس ستمل وستكل لماذا يعلمنا الرسول «صلى الله عليه وسلم» ذلك الأمر ذلكم أن الله خلقنا بشرًا ولم يجعلنا من الملائكة

فلنا طاقات ولنا قدرات فالإنسان إذا غالى وبلغ مبلغًا لا يطيقه دومًا عساه أن يقصر يومًا من الأيام لذلك عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في نهاية حياته وهو الفاضل الزاهد التقي رضي الله عنه قال يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم

لأنه كان يحرص على أن يحافظ على ما وعد رسول الله «صلى الله عليه وسلم» به وما بين له أنه سيقوم به

لذلك لا تجد مغالياً من المغالين إلا وتراه في آخر أمره من المقصرين تراه في أول أمره من المجتهدين حتى إن الناس يتعجبون منه ومن نشاطه لكن النشاط ينقلب إلى كسل لِمَ؟ لأنه لم يأخذ بسنة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حق المأخذ ثم

إذا غالى في باب قصّر في أبواب لأنَّ الإسلام شمل الحياة كلها فإذا قصر في باب أو إذًا غال في باب قصر في باب إذا غالى في باب العبادة قصَّر في جانب المعاملة إذا غالى في باب العبادات قصَّر في جانب الأخلاق وهكذا إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا وإن لزورك عليك حقًا

ولذلك أقر النبي «صلى الله عليه وسلم» صنيع سلمان الفارسي رضي الله عنه لِمَ؟ لأنه عاقل لأنه استقى علمه من مشكاة النبوة الصحابة فضلاء

الصحابة أفاضل أكارم لكن بعضهم أعلى درجة من بعض في العلم وهذا ما وقع لسلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما كما أخرج أثرهما البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال آخى النبي «صلى الله عليه وسلم»

بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما فزار سلمان الفارسي أبا الدرداء يومًا، فرأى امرأته متبذِّلة

رأى سلمان الفارسي رضي الله عنه أمَّ الدرداء رضي الله عنها على حال رثَّة ليست تلك الحالة التي يليق بالمرأة أن تكون بها في وجود زوجها وحياته فسألها عن ذلك معلِّمًا مرشدًا فقالت له إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا وهذه الجملة وراءها ما وراءها

لكنه الحياء الذي يملكها رضي الله عنه عنها

ثم إن أبا الدرداء جاء بطعام ليقدمه لسلمان وقال له كل فإني صائم فقال سلمان رضي الله عنه: ما أنا بآكل حتى تأكل هكذا التعبير لا يقول ما أنا بآكل يعني: لا يكون مني أكل وهذا أبلغ في النفي كما يعرفه أهل البلاغة ما أنا بآكل حتى تأكل

فأكل أبو الدرداء مع سلمان رضي الله عنه ثم ناما فلما جاء الليل قام أبو الدرداء ليصلي فقال له سلمان نم ثم أراد أن يقوم بعد ذلك فقال له نم فلما كان آخر الليل قال سلمان لأبي الدرداء الآن قم

فقاما فصليا ثم صليا الفجر فقال: سلمان رضي الله عنه لأبي الدرداء رضي الله عنه إن لنفسك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا فأعطِ كل ذي حق حقًّا

فلما أصبح أتى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وفي لفظ أتى أبو الدرداء إلى الرسول ليسأله ماذا صنع سلمان معه جعله يفطر في هذا اليوم الذي كان صائمًا فيه وينام في الوقت الذي كان قائمًا أو يريد أن يقوم فيه

فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: صدق سلمان أي: سلمان رضي الله عنه صدق وأصاب وجه الحقيقة هذا هو الدين الإسلامي فديننا لا إفراط فيه ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء

وَمَا مِنْ أَمْرٍ يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْغَتَانِ: نَزْغَةٌ إِلَى الْغُلُوِّ وَالْإِفْرَاطِ

ونزغةٌ إلى التفريط والجفاء فيأتي الشيطان الإنسان من أحد الجانبين فربما قال له: إنت لا بد أن تبذل أكثر وأنت همتك أعلى ولا بد أن تفعل وتفعل فيزيد شيئًا ليس من هدي رسول الله «صلى الله عليه وسلم»

وعلى الجانب الآخر يقول له ترخص الإسلام دين الرحمة ودين السلام ودين اليسر والرب غفور والرب كريم فيترخص ويسترسل في الرخص حتى يتفسَّخ من دين الله عز وجل لا نريد هذا ولا ذلك لا نريد ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: افعل ما شئت في دنياك وافعل ما شئت في دينك والدين متاح والدين فيه الحرية المطلقة

هذا عين الخطأ لأنَّ الإسلام له ضوابط وله قيود ليس فيه تفسخ ولسنا من هؤلاء الذين يقول إن الإسلام دين فيه التشدد وفيه التعسر كلا بل إن الدين يسر «وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» كما قال الرسول «صلى الله عليه وسلم» أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله

وحده لا شريك له وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارِك على محمدٍ «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد أما بعد فيا عباد الله

حينما نتكلم عن وسطية رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فإننا نريد بذلك أن نُبين للأمة جميعًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام هكذا كان يسير وهكذا كان يأمر غيره من اتباعه ومن أمته صلوات الله وتسليماته عليه فإذا وجدنا طريقًا مخالفًا لذلك يسلكه بعض الناس من تقصيرٍ أو تفريطٍ أو غلوٍ أو إفراطٍ

فإنَّ الإسلام منه براء وإن الرسول عليه الصلاة والسلام منه براء وليس هذا من دين الله في شيء وليس هذا من هدي رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في شيء وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»5

فإسلامنا ليس فيه تنطع والله عز وجل قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾ وقال ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ فديننا يدعو إلى عدم الغلو بفضل من الله وإنعام رسولنا عليه الصلاة والسلام

فقال: عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع إذا قام أحدكم من الليل قام يصلي من الليل عبادة عظيمة عبادة فاضلة قلَّ من يقوم بها من الناس نسأل الله أن لا يحرمنا إياها

لكن القرآن استعجم على لسانه يأتي ليقرأ القرآن لا يدري ماذا يقرأ فما الفائدة من قيامه هل أراد الله أن يعذبنا لم يرد الله تعذيبنا ربنا ما أراد تعذيبنا ﴿أَنَّمَا﴾ أراد تهذيبنا وتربيتنا فإذا استعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع

لينم حتى يذهب عنه النعاس حتى يتمكن من العبادة الصحيحة وقال عليه الصلاة والسلام إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنَّ أحدكم إذا قام أو صلى وهو ناعس لعله يأتي ليستغفر فيسب نفسه أو كما قال عليه الصلاة والسلام

ربما قام ليدعو الله وهو نائم فلا يدري بما يدعو فربما سب نفسه أو دعا على نفسه وهو لا يشعر هكذا يعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام كان الرسول يكون في مهنة أهله في خدمة أهله «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ» خرج إلى الصلاة عليه الصلاة والسلام جهاد جاهد الرسول

صلاة صلى صيام صام معاملات تعامل أخلاق كان أعظم الناس خلقا وأحسن الناس خلقا عليه الصلاة والسلام بل الأخلاق الإيجابية الحسنة لا ينبغي أن يُغالَى فيها إذن

كل خلق محمود قد يكون هناك شطط يتكلفه يريد الشيطان أن يجعل صاحبه فيه حتى يصرفه عن الحق المستقيم فمثلا الكرم خلق عظيم أن تكون كريمًا لا أن تكون مبذِّرًا أو مسرفًا ففرق بين الخلقين

كذلك أن تكون حَيِيًّا، هذا مطلوب لكن لا تكون جبانًا ففرق بين الحياء والجبن كذلك فالإنسان يكون عزيزًا لكنه لا يكون متكبرًا الإنسان يكون متواضعًا لكنه لا يكون مُهينًا لنفسه

هكذا يُعلِّمنا ديننا بفضل الله عز وجل فخير الأمور أوساطها علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الدين فلا رهبانية في الإسلام إنسان يتعامل في بيته مسلم يتعامل في بيته ويتعامل في خارج بيته يتعامل في وظيفته يتعامل في المتجر يتعامل مع أقاربه يتعامل مع أولاده يتعامل مع زوجته

يتعامل مع الناس كلهم بهذا الخلق النبيل إنها الوسطية التي نحتاج إليها جميعًا كثير من الشباب اليوم

يتفسخ يترك الطاعة جملة وتفصيلًا إلا ما رحم الله بدعوة الدين دين يسير وربك رب قلوب ربك رب قلوب وهو كذلك رب كل شيء هو الذي أمرك بالصلاة هو الذي أمر من معه المال بالزكاة وما كلفنا الله إلا ما نطيق ﴿إِلَّا﴾ ترى

أن الذي لا يقدر أن يصلي قائمًا يصلي قاعدًا والذي لا يقدر أن يصلي قاعدًا يصلي على جنبه ﴿إِلَّا﴾ ترى أن الزكاة ﴿أَنَّمَا﴾ تجب على صاحب المال إذا حال الحول وبلغ النصاب ﴿إِلَّا﴾ ترى

الذي لا يقدر على الصيام فإنَّه يفطر وله رخصة الفطر ﴿إِلَّا﴾ ترى أن الحج لا يجب إلا على المستطيع ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقولوا لي بالله عليكم ما التكليف الذي في الإسلام لا يقدر الناس عليه

ما التكليف في الإسلام الذي لا يقدر الناس عليه الله قال ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فإذا رأيت شخصًا يتمسك بكتاب الله وبسنة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ويقيم الفرائض ويترك المحرمات فلا ترمه بالتشدد لأنَّ هذا ليس بتشدد

﴿أَنَّمَا﴾ هو تعدٍ لحرية فوضوية هو يمتثل ما أمره الله به وما نهاه الله عنه فهي الوسطية التي سار عليها رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام فتمسكوا بها وسيروا عليها

نسأل الله أن يثبتنا على دينه وكما قال حذيفة رضي الله عنه يا معشر القراء استقيموا فإنكم إن سبقتم سبقًا بعيدًا وإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا وقد وعد الله المستقيمين فقال: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟

وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ اللهم اجعلنا من المستقيمين على دينك اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان الرجيم اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان الرجيم اللهم إنا نعوذ بك أن يتخبطنا الشيطان عند الممات

اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والفوز بالجنة والنجاة من النار

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ونسألك القصد في الفقر والغنى ونسألك الرضا بعد القضاء ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار

اللهم لا تحرمنا فضلك بسوء ما عندنا أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه اللهم أصلح أحوالنا اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والمحن والإحن

يا ذا الجلال والإكرام اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ أصلح ولاة أمورنا ودلهم عليك وأرشدهم إلى اتباعك يا ذا الجلال والإكرام تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  4. حديث: «بأمثال هذه فارموا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» — نسبة الشيخ: النسائي وابن ماجة ↩
  5. حديث: «هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون» — الذكر في الدرس: النبي صلى الله عليه وسلم. نسبة الشيخ: الإمام مسلم ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة