مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

كيف كان الرسول في العشر الأواخر من شهر رمضان؟ خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

الخطب المنبرية · الدرس 6 من 16 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

بسم الله، الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا، ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾

﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70)

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71)

أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار

كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله سبحانه وتعالى بهذه السلسلة هكذا كان النبي «صلى الله عليه وسلم» أو إن شئت فقل: وقفات مع قول الله جل ذكره

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾5 (الأحزاب: 21) أتحدث إليكم اليوم يا أيها الإخوة الكرام عن بعض أحوال النبي «صلى الله عليه وسلم» في شهر رمضان وفي العشر الأواخر من هذا الشهر سبق لنا أن تحدثنا في بعض المقامات

عن بعض أحوال النبي «صلى الله عليه وسلم» في هذا الشهر المبارك أعني شهر رمضان وحديث اليوم أيضًا عن بعض تلكم الأحوال التي كانت واضحة جلية من فعله وحاله صلوات الله وتسليماته عليه

ولا سيّما في هذه الأيام العشر الأواخر نسأل الله أن يعيننا على طاعته وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن لا يحرمنا الخير كله كان النبي «صلى الله عليه وسلم»

كما يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما أخرج الشيخان في صحيحيهما قال ابن عباس رضي الله عنهما «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»

وكان يلقاه جبريل كل ليلة فيدارسه القرآن فلرسول الله «صلى الله عليه وسلم» «حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» أجود بالخير من الريح المرسلة صلوات الله وتسليماته عليه هذه صفة كانت واضحةً جليَّةً من أمره صلوات الله وتسليماته عليه دوماً

وفي شهر رمضان على وجه الخصوص وهي ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ أجود الناس «صلى الله عليه وسلم» قد شهد له كثير من الصحابة

رضي الله عنه عنهم مصرّحين بهذه العبارة كان رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أجود الناس فورد ذلك عن ابن عباس وورد ذلك عن أنس وورد عن غيرهما من أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم»

ومن لم يصرِّح بذلك، لو أنَّه أُذِن له بالتصريح أو تكلم لما نطق بغير ذلك لأنَّ الأمر واضحٌ جليٌّ في حاله صلوات الله وتسليماته عليه إن النبي «صلى الله عليه وسلم»

قد أوتي خصلة الكرم وخصلة الجود فكانت عطاءً من الله عز وجل له فعرف بذلك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصير نبيًّا فكيف بعد أن صار نبيًّا رسولًا؟ ﴿إِلَّا﴾ تذكرون قول خديجة رضي الله عنها لنبينا «صلى الله عليه وسلم» حينما قال لها زملوني زملوني

وأخبرها بالخبر، فقالت له: أبشر والله ما يخزيك الله أبدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ «وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» وكل ذلك من خصال الجود والكرم

تقول له: ما يخزيك الله أبدًا إنَّك لتصل الرحم وتحمل الكل الشخص الذي يكون كَلًّا على غيره لا يجد عملًا ولا يجد ما ينفقه على نفسه فإنَّه يحمله وتكسب المعدوم، الذي ليس معه شيء فهو يعطيه صلى الله عليه وآله وسلم وتقري الضيف

إكرام الضيف، «وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» أي: على مصائب الدهر صلوات الله وتسليماته عليه فإذا كان هذا الوصف قد وُصِف به ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصير نبيًّا

فكيف بعد أن صار نبيًّا رسولًا؟ بعد أن أُنزل عليه القرآن، والله من أسمائه الكريم والقرآن من أوصافه الكريم فماذا سيكون من الرسول الذي أنزل عليه القرآن الكريم

﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾6 (الواقعة: 77) والله جل وعلا رب العرش الكريم فهو الكريم سبحانه وتعالى وكذلك ملائكته جبريل عليه السلام رسول كريم ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾7 (التكوير: 19) فجبريل كريم ونزل من عند الرب الكريم بالقرآن الكريم فماذا سيكون من الرسول إلا الكرم صلوات الله وتسليماته عليه

فكان أجود الناس «صلى الله عليه وسلم»، عبارة ليس فيها مبالغة ليس فيها إطراء ليس فيها زيادة عن الحد كان أجود الناس أي: بلا منازعة فإذا كان قد ضرب المثل بحاتم فأين هو من كرم الرسول عليه الصلاة والسلام؟

إذا كان قد ضرب المثل في الكرم بفلان أو بفلان فأين كرمهم من كرم رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعطي عطاءَ مَنْ لا يخاف الفقر

الشخص فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ قد يفتح الله له من كنوز الدنيا فيعطي الناس لكنه يُعِدُّ حساباته فإذا أعطى ألفًا فهو يعلم أن عنده ألفًا أخرى بل آلاف وإذا أعطى مليوناً فإنَّه يعلم أن عنده مثل ذلك وأكثر

لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعطي عطاءَ مَنْ لا يخاف الفقر يعطي ولا ينتظر سوى ذلك لأنه لا يخاف فقرًا لأنه واثق بالله ويعلم أن الله يُغنيه من فضله ألم يقل الله الكريم له ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾8 (الضحى: 6) ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾9 (الضحى: 7) ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾10 (الضحى: 8)

صلوات الله وتسليماته عليه. لذلك يقول أنس رضي الله عنه كما في صحيح الإمام مسلم: ما سُئل النبي «صلى الله عليه وسلم» على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ما كان يقول: لا «صلى الله عليه وسلم»

أتاه رجل فأعطاه «صلى الله عليه وسلم» إبلًا بين الجبلين إبلًا كثيرةً تملأ ما بين الجبلين فقال لقومه: أسلموا، أسلموا فإنني أتيتكم من عند محمد وهو يعطي عطاءَ مَنْ لا يخاف الفقر من لا يخاف الفقر «صلى الله عليه وسلم»

وقد صرَّح نبينا «صلى الله عليه وسلم» بذلك فقال: كما في صحيح الإمام البخاري قال صلى الله عليه وآله وسلم والله لو كان لي مثل أُحُدٍ ذهبًا لسرَّني ألَّا تمرَّ عليَّ ثلاث ليالٍ وعندي منه شيءٌ إلا شيئًا أرصده لدَيْنٍ

لو كان عندي مثل جبل أحد من الذهب لا أفرح ولا أسر أن يبقى معي هذا الجبل من الذهب لمدة ثلاثة أيام لا أريد شيئًا من ذلك إلا الشيء الذي أُبقيه من أجل سداد دَيْن لو كان عليه دَيْن، صلوات الله وتسليماته عليه ما أحوجنا إلى تعلم الجود والكرم إن أمتنا بحاجة إلى هذا

إلى أن يشعر بعضنا ببعض إلى أن لا يتخلى بعضنا عن بعض وإلا فمن للأرامل ومن لليتامى ومن للمحتاجين ومن للفقراء ومن للمساكين ومن للمرضى الذين لا يقدرون على عمل ولا مال لهم إذا لم يَعُدِ الفاضلُ الذي معه على من ليس معه فماذا يكون الأمر إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه

حينما رآه الناس وقد أقبل عليهم في المدينة النبوية انجفل الناس إليه كما قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه كما عند الترمذي وغيره فكنت ممن انجفل إليه، قال: فلما استثبتُّ من وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب

وعبد الله بن سلام كما لا يخفى عليكم كان حبرًا من أحبار اليهود لكن رأى الرسول عليه الصلاة والسلام فوجد في عينيه وفي وجهه ما يدل على صدقه هذا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتكلم، قال: فكان أول ما تكلم أن قال يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس

أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام هذا أول ما تكلم في المدينة صلوات الله وتسليماته عليه والعجيب أنه أمرهم بأربعة أشياء ثلاثة منها تتعلق بالمعاملة مع الناس

وواحدة منها تتعلق بمعاملة العبد مع ربه سبحانه وتعالى فالذي يتصل بالله سبحانه وتعالى من ذلك أعني العبادة الخالصة وإلا فالإحسان إلى الناس عبادة لله عز وجل أيضًا كما لا يخفى العبادة المتوجهة إلى الله سبحانه لا إلى الخلق صلوا بالليل والناس نيام

لكن أفشِ السلام هذا تعامل مع الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام هذه الثلاثة تتعلق بالمعاملة بين الناس هذا يعني: أنَّ ديننا دين عظيم وأنه لا يأمرنا بأن نعبد الله جل وعلا بصلاة وصيام

فحسب، وإنما أن نحسن التعامل مع الناس وأن نحسن إلى الناس ولذا ليس من عجب أن قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام «﴿أَنَّمَا﴾ بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق» «صلى الله عليه وسلم» النبي «صلى الله عليه وسلم»

كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ مع النبي «صلى الله عليه وسلم» ومعه الناس مقبلًا من حنين، فَعَلِقَ رسولَ الله «صلى الله عليه وسلم» الأعرابُ

حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ، إلى شجرة فخُطِفَ رداؤه يعني: علِق رسولَ الله الأعرابُ يسألونه ويطلبون منه يا رسول الله، أعطِنا، يا رسول الله، أعطِنا من كثرة الزحام عليه اضطروه إلى شجرة فعلقت بردائه «صلى الله عليه وسلم» فقام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «أعطوني ردائي»

أعطوني ردائي فلو كان لي عدد هذه العِضَاه نَعَمًا، أي: من الإبل، لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه الكريم بمعنى الكلمة عليه الصلاة والسلام

لذا كان يستعيذ بالله من الجبن ومن البخل

والجبن والبخل أخوان فالجبان بخيل والبخيل جبان ولا ترى جبانًا إلا رأيته بخيلًا ولا ترى بخيلًا إلا رأيته جبانًا وقد كان الرسول يقول اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك من الجبن وأعوذ بك من البخل بل كان يقرن بينهما ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بك من الجبن والبخل بلا فاصل صلوات الله وتسليماته عليه

كان أجود الناس «صلى الله عليه وسلم» فتعلم منه كن جواداً كن كريمًا فكلما مَنَّ الله عليك بمالٍ ليكن للفقراء والمساكين في هذا المال نصيب. صحيح أنَّ هناك ما هو واجب وهناك ما هو مستحب فهناك الزكاة الواجبة التي تجب على من بلغ ماله نصابًا وحال عليه الحول

أو على الزروع والثمار عند الحصاد وكذلك زكاة الفطر كما علمنا النبي «صلى الله عليه وسلم» كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه عند أبي داود وابن ماجة فرض رسول الله «صلى الله عليه وسلم» زكاة الفطر

ولماذا فرضها قال ابن عباس رضي الله عنهما فرض رسول الله «صلى الله عليه وسلم» زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعْمَةً للمساكين

فمن أدَّاها قبل الصلاة، أي صلاة العيد، فهي زكاة مقبولة ومن أدَّاها بعد ذلك فهي صدقة من الصدقات وقال وكان ابن عمر رضي الله عنه يعطيها الذين يقبلونها وكانوا يعطونها قبل العيد بيوم أو يومين هذه زكاة فريضة واجبة

لكن الجود أكبر من ذلك؛ أن تعطي الزكاة طيِّبةً بها نفسُك وأن تزيد وأن تعطي بزيادة وألَّا تحرم الناس من الخير الذي أعطاك الله إياه وأنت على يقين وثقة بقول الله جل ذكره ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾11 (سبأ: 39) كان «صلى الله عليه وسلم» أجود الناس

«وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ». إذًا أحيانًا الإنسان يزداد في العطاء

في وقت أكثر من وقت وهكذا الإنسان هذا أمر يبينه الله ويبينه الرسول عليه الصلاة والسلام وواقع الناس شاهد بذلك فلكل عمل شِرَّةٌ فالإنسان في بعض الأحيان تكون عنده هِمَّة وعنده قدرة وعنده طاقة وعنده من الإمكانات ما لا يُتاح له في وقت آخر

ففي شهر رمضان، وقد صُفِّدت الشياطين، وفُتحت أبواب الجنان، وغُلِّقت أبواب النيران الناس بحاجة إلى ازدياد من الخير وإلى ازدياد من الإحسان فكان عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في شهر رمضان

«حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» وتعبير ابن عباس رضي الله عنهما «حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» مهم وفيه فائدة لطيفة وهي أن الصاحب الجيد والجليس الصالح عونٌ لك على فعل الخيرات قرِّبوا بين الصفوف، رحمكم الله، رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام

أنت إذا كنت مُجالِسًا للصالحين ولأفاضل الناس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم ماذا يكون من شأنك؟ تراه يقول لك فلان مسكين وفلان يحتاج فلان ستُجرى له عملية مَنَّ الله عليَّ بمالٍ فأعطيتُه إياه فحينئذ تغار منه تتنافس معه تقدم الخير لأنك تجالس الصالحين

لكنك إذا جالست أهل الدنيا قال لك: أنا أجمع كذا وسأبني كذا وأريد كذا وأنت ما معك؟ وأنت لا تنظر إلى نفسك ولا إلى أولادك يعاتبك ويعاتبك ويعاتبك في أمور الدنيا فتنسى الصدقة وتنسى الخير وتنسى أمر الآخرة إلا من رحم الله جل وعلا

فكان النبي «صلى الله عليه وسلم» وهو المعلم أجود ما يكون «حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» مع أنَّه المعلم عليه الصلاة والسلام، مع أنَّه المربي لكن حين يلقى جبريل يزداد جوده «صلى الله عليه وسلم»

وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن استفاد بعض العلماء من ذلك أن مدارسة القرآن بالليل لها مزية خاصة ولذلك أهل القرآن عليهم أن يكون لهم حظ من الليل في رمضان وفي غير رمضان هكذا يعلمنا الشرع الحنيف

وربنا سبحانه وتعالى قد بيَّن لنا أن هذه القراءة التي تكون في الليل قال ﴿هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ لأنَّ القلب يتوافق مع اللسان فالذي يقرأ القرآن يعي ما يقول ويحفظه بإذن الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾12 (المزمل: 6) لذلك لصلاة الليل طعم

ولصلاة الليل لذة ليس في رمضان فحسب فقيام الليل في العام كله وإنَّما الذي يختص به شهر رمضان صلاة الجماعة مما يكون من التراويح وإلا فإنَّ الصلاة بالليل مشروعة ومستحبة في العام كله نسأل الله ألَّا يحرمنا فضله

فلرسول الله «صلى الله عليه وسلم» «حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» أجود بالخير من الريح المرسلة تصور معي الريح المرسلة الريح التي تسير لا تتوقف

والريح المرسلة تعم كل الأماكن بالخير فهي تسير يمينًا وتسير يسارًا وتفيد من أمامها وتفيد من خلفها وتأتي من كل الجوانب هكذا كان وصف الرسول عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان نسأل الله الكريم من فضله أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

يصدق في الرسول عليه الصلاة والسلام بل وأعظم من هذا الذي قاله القائل تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوْ أَنَّهُ … ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهُ

تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ صلوات الله وتسليماته عليه

الأمر يحتاج إلى مجاهدة المال عزيز على النفوس والله قال ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾13 (العاديات: 8) والخير هو المال على قول كثير من المفسرين وربنا سبحانه وتعالى قال أيضًا: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ فالناس يقبلون على المال بكثرة لكن جاهد نفسك

لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ … الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ فالمشقة لا بد منها لكن من جاهد نفسه صارت نفسه سخية صارت نفسه طيعة بفضل الله سبحانه وتعالى

أما الحال الثانية من حال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وهو يتعلق بالعشر الأواخر إذ كان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها صلوات الله وتسليماته عليه فكان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجدَّ وشدَّ المئزر صلى الله عليه وعلى آله وسلم

قالوا إن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد وردت في ذلك بعض الروايات لكن هذا معروف عند أهل العلم قالوا: كانت الأيام الأولى من شهر رمضان أو إن شئت فقل العشرون من شهر رمضان كان النبي عليه الصلاة والسلام في الأيام العشرين من شهر رمضان يخلط الليل بصلاة ونوم

فإذا جاء العشر الأواخر أخلصها للقيام وللصلاة وللذكر ولإحيائها فلم يكن فيها حظٌ لنومٍ منه عليه الصلاة والسلام هكذا قال كثيرٌ من أهل العلم في معنى: إحياء الليل وإن قال بعضهم: أحيا أكثر الليل صلوات الله وتسليماته عليه

كلمة جميلة وتعبير عظيم: «وأحيا ليله» الله أكبر أنت قد تحيي ليلك وقد تُميت ليلك انظر إلى حال ليل الناس

كثير من الشباب، كيف يقضون ليلهم؟ ماذا يصنعون في ليلهم؟ وفي نهارهم صفحات تفتح وتواصل عبر التواصل الاجتماعي أو شبكات الإنترنت وما إلى ذلك يصافح هذا ويكلم تلك ويراسل هذا وينظر إلى هذا ويفعل ويفعل هذا ليل يُقضى، أين إحياء الليل؟

ما أجمل أن تعرف أنَّ هناك من يحيي ليله وهناك من يُميت ليله

فرق كبير بين من يصفُّ قدميه بين يدي ربه يسأل الله رحمته ويخاف عذابه يطلب ما عند الله وهو خائف من الله يتقرب إلى الله بالصلاة وبالذكر وبالدعاء وقراءة القرآن والاستغفار والانكسار وهو قائل اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني هكذا يقول

مع انكساره، لذلك ربنا لما ذكر الأسحار في القرآن ذكر الصالحين وقيامهم وذكر المستغفرين بالأسحار

والمستغفرين بالأسحار عباد الله، صلوا لله وقاموا ليلهم وتقربوا بطاعتهم ثم استغفروا ربهم عز وجل فماذا يصنع من جنى على نفسه بالمعاصي وأسرف على نفسه يا أيها الإخوة الكرام في العشر الأواخر ليلةٌ هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ وهي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال الرسول عليه الصلاة والسلام واسمع العبارة

جملة طالما سمعتها لكنك بحاجة إلى تأمُّلها يقول: «من حُرِم خيرها فقد حُرِم»

والله لو أنَّ أموال الدنيا ذهبت منك فإنَّه يمكن تعويضها وإن ليلةً من هذه الليالي إذا فاتت فما عساك أن تدرك غيرها وإذا كنا نقول إن رمضان سينقضي عنا، فنحن سننقضي عنه نعيش العام ولا ندري أنعيش عامًا آخر؟ فلعلك تموت قبل رمضان آخر

فيأتي رمضان ولست في رمضان جاء رمضان وذهب فلان فأقبل على الله سبحانه وتعالى بالطاعة إن هذه النفحات الربانية التي يمنحنا الله عز وجل إياها ﴿أَنَّمَا﴾ يراد منها أن يزداد المحسن أن يزداد المحسن في الطاعة ليزداد أجره وأن يستدرك المفرط

وأن يستدرك المقصر ما فاته، لعل الله أن يرحمه اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم وفقنا لقيام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ واجعلنا ممن يقومها إيمانًا واحتسابًا

يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح أحوالنا واحفظ بلادنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  6. آية: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 77 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: التكوير 19 ↩
  8. آية: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 6 ↩
  9. آية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 7 ↩
  10. آية: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 8 ↩
  11. آية: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: سبأ 39 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 6 ↩
  13. آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: العاديات 8 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة