مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

أبواب الخير كثيرة فاغتنموها

خطب · الدرس 4 من 342 · 24 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. صدقات مفاصل البدن وسعة أبواب الخير في شريعة الإسلام
  2. مفتاح الإخلاص لله وتحويل عادات أهل اليقظة إلى عبادات
  3. مفتاحا الاتباع والعلم وحسرة ابن عمر وتنافس الفقراء على الأجور
  4. مفتاح علو الهمة ومبادرة أبي بكر الصديق لكافة خصال
  5. تفصيل الصدقات النبوية بين ذكر اللسان ونفع الخلق وإغاثة
  6. التحذير من محبطات الأعمال وران الذنوب ووصية المداومة على الخيرات
التفريغ النصي الكامل للدرس

صدقات مفاصل البدن وسعة أبواب الخير في شريعة الإسلام

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 70-71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار ورزقنا الإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أبواب الخير كثيرة فاغتنموها أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت عليه الشمس، فقيل: يا رسول الله، من أين لنا صدقة نتصدق بها»

فقال ﷺ: «إن أبواب الخير لكثيرة، التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك». النبي ﷺ في هذا الحديث الشريف يبين أن كل نفس من بني آدم عليها صدقات بقدر ما فيها من الأعضاء والمفاصل. وقد جاء في رواية الإمام مسلم أن كل إنسان من بني آدم ركب على ستين وثلاثمائة مفصل، وبالتالي فإنَّ على كل مسلم منا أن يتصدق لله جل وعلا في كل يوم بثلاثمائة وستين صدقة. فلما أخبر الرسول الأكرم صلوات ربي وتسليماته عليه أصحابه بذلك، فأجابهم الرسول ﷺ بالإجابة الشافية الكافية التي تدل على اتساع أبواب الخير في رسالة الإسلام العظيمة، فكله خير وما فيه ﴿أَنَّمَا﴾ هو دعوة للخير وترك للشر.

فقال عليه الصلاة والسلام: «إن أبواب الخير لكثيرة». إن أبواب الخير لكثيرة، ثم ذكر النبي صلوات ربي وتسليماته عليه بعض الأمثلة التي تندرج تحت أبواب الخير؛ وإلا فإنَّ أبواب الخير لا تنحصر، وهذا من فضل الله جل وعلا. نسأل الله أن يجعلنا ممن يفعلون الخير ويستبقون في فعل الخيرات ويسارعون في فعل الخيرات.

مفتاح الإخلاص لله وتحويل عادات أهل اليقظة إلى عبادات

وقد قال الله جل وعلا: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾5 (الحج: 77). وقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾6 (البقرة: 148). وأثنى الله على المؤمنين فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾7 (المؤمنون: 61). نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه.

فقال: فإنَّ أبواب الخير كثيرة، فأبواب الخير بفضل الله عز وجل كثيرة، وهذا من لطف الله بعباده وتيسيره لهم. فإنَّ العبد منا قد يعجز عن بعض أبواب الخير ويوفق لأبواب أخرى، فتجد بعضنا نشيطًا في الصيام وتجد بعضنا نشيطًا في الذكر وقراءة القرآن وتجد بعضنا نشيطًا في صلة الأرحام وزيارة المرضى وما إلى ذلك، وهي أبواب كثيرة.

لكن ينبغي للمسلم أن لا يترك الحد الأهم وهو أن يحافظ على الفرائض ثم يستكثر من النوافل ما استطاع إلى ذلك سبيله. نسأل الله الإعانة والتوفيق. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن أبواب الخير لكثيرة». ولذلك جاء عند ابن ماجه في حديث أنس رضي الله عنه: «إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن الناس ناسًا مغاليق للشر ومفاتيح للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، فهناك أبواب للخير.

وهذه الأبواب تحتاج إلى مفاتيح، ومفتاحها الأول الإخلاص لله رب العالمين، أن تخلص العمل لله؛ لأنَّ العمل إذا لم يكن صاحبه مخلصًا فيه لله فإنَّه يذهب سدى ويذهب هباءً منثورًا. فإنَّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغى به وجهه، فأول المفاتيح وأعظم المفاتيح وأجل المفاتيح أن تخلص لله رب العالمين.

بل إن من بركات الإخلاص أن تتحول العادات إلى عبادات وأن تتحول المباحات إلى قربات، فيكون الأمر المباح في أصله ينقلب إلى مشروع أو مستحب. ﴿إِلَّا﴾ ترون، يا أيها الإخوة الكرام أن المشي في أصله مباح، لكن الذي يمشي إلى الصلاة يتقرب بذلك إلى الله، يؤجر على كل خطوة يخطوها إلى المسجد، فمع أنَّ المشي في أصله حلال ومباح ليس بواجب ولا بحرام، لكنه انقلب إلى طاعة لأنه صار وسيلة إلى الطاعة، وعلى العكس فمن مشى وسعى إلى الحرام وإلى ارتكاب المعصية.

فإنَّ مشيه يكون وبالًا عليه، نسأل السلامة والعافية. ولذلك قال أهل العلم: «أهل اليقظة عاداتهم عبادات، وأهل الغفلة عباداتهم عادات.» فأهل اليقظة الذين يتيقظون ولديهم علم ومعرفة بالله رب العالمين يحولون المباحات إلى قربات. ولذلك قال معاذ بن جبل رضي الله عنه إمام العلماء، قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه كما في الصحيح، قال له: أما أنا فأنام وأقوم وأحتسب في نومتي كما أحتسب في قومتي، أي: أنا حينما أنام أنوي بنومي أنني أتقوى على طاعة الله وأنني بهذا النوم سأتمكن من القيام لأداء الصلاة من قيام الليل وصلاة الفجر وما إلى ذلك من القربات، فهو يحتسب على الله.

مفتاحا الاتباع والعلم وحسرة ابن عمر وتنافس الفقراء على الأجور

اتباع هدي ﷺ فإنَّ العبد قد يتقرب بعبادات كثيرة بيد أنها لا تكون مقبولة وما ذلك إلا لأنه لم يوافق فيما صنعه ما أمر به الرسول أو ما بينه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. ولذلك جاء عن النبي المصطفى ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، أي: مردود عليه غير مقبول. وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد،» أي: مرفوض. ولذا قال الله: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ﴾8 (الملك: 2). قالوا: وحسن العمل بالإخلاص واتباع النبي الكريم ﷺ وهذا يدعونا إلى المفتاح الثالث وهو العلم؛ لأنَّ العبد ﴿أَنَّمَا﴾ يعرف أن هذا من أبواب الخير عن طريق العلم، من أين لك أن تعرف أن هذا باب من أبواب الخير وأن هذا العمل الذي تعمله يريده الله عز وجل منك ﴿أَنَّمَا﴾ تعرف ذلك عن طريق العلم الصحيح، ولذا قال الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾9 (النحل: 43). وكم يفوت الناس من الخير بسبب الجهل، فالإنسان الذي يعلم بابًا من أبواب الخير لا يدركه ولا يُقوِّم به.

وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو ممن هو في الفضل والمكانة والاتباع أتم فيما يمكن برسول الله ﷺ لم يكن يعرف فضل اتباع الجنازة، فلما بلغه الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وسأل عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعرف فضل اتباع الجنازة، قال: «لقد فرَّطنا في قراريط كثيرة»، ما كان يعلم أن الذي يتبع جنازة له قراط، وأن الذي يصلي عليها ويتبعها له قراطان، فلما علم ذلك تأسف على ما فاته وقال: «لقد فرَّطنا في قراريط كثيرة». وهذا فضل اتباع أهل العلم الذين يدلون الناس ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ببصيرة. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43). إذن هذه مفاتيح لأبواب الخير: الإخلاص والاتباع وترك الابتداع والعلم الشرعي، ثم الهمة العالية. وهذا هو المفتاح الرابع: أن تتذكر ثواب الآخرة وأن متاع الدنيا زائل، فما يفوتك من الدنيا ليفوت، وأما يفوتك من الآخرة فإنَّه لا عوض له؛ لأنَّ ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾10 (الزخرف: 35).

نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه. ولذلك كان يتحسر أهل العلم والفضل على ما يفوتهم من طاعة الله عز وجل ومن الحسنات وإن قلت:؛ لأنَّ العبد يحتاج إلى الكثير والقليل من الحسنات. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾11 (الزلزلة: 7). ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾12 (الزلزلة: 8). وإنك لتتعجب أنه جاء في رواية أبي ذر رضي الله عنه نفسه في رواية الإمام مسلم حينما جاء الفقراء إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يشكون إليه ما يجدون من الأغنياء، هل يشكون فقرأً هل يشكون مالًا نقصهم هل يشكون رزقًاً فاتهم ﴿أَنَّمَا﴾ يقولون: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، الأغنياء ذهبوا بالأجور، «يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي» «وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ» ولهم فضول من أموال يتصدقون بها، وفي رواية أبي هريرة يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال الرسول: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟»

إن فقراء الصحابة حزنوا، ما الذي حزنوا عليه حزنوا على أن الأغنياء معهم أموال يتصدقون بها وهم يحرمون من تلك الصدقات. فلئن فاتك من الدنيا ما يفوتك فلا يفوتنك من الآخرة شيء يقربك إلى الله عز وجل فلئن كنت في الدنيا لست ذا مال فكن في الآخرة ذا منزلة عند الله الكبير المتعال. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

مفتاح علو الهمة ومبادرة أبي بكر الصديق لكافة خصال

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، من مفاتيح أبواب الخير العظيمة الهمة العالية: أن تكون صاحب همة؛ لأنك تطمح إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وتتذكر دومًا قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾13 (البقرة: 110). وتتذكر قوله عز وجل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ (الزلزلة: 7). ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ (الزلزلة: 8). لذلك حينما تقرأ في سير الأئمة الأعلام من الصحابة ومن تبعهم بإحسان تجد الخير الكثير الذي كانوا يُقوِّمون به، حتى أن عددًا منهم يقولون في ترجمته: لو قيل له إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا، لو قيل له إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي تفتح له أبواب الجنة الثمانية، حينما يسأله الرسول الأسئلة المعروفة المشهورة التي تُحفظونها: «من أصبح منكم اليوم صائماً» «من أطعم منكم اليوم مسكينًا» «من تبع منكم اليوم جنازة» «من عاد منكم اليوم مريضاً» والصديق يجيب: أنا أنا. وكأني بالرسول عليه الصلاة والسلام، لو ردد وذكر كثيرًا من أبواب الخيرات سيكون الجواب من أبي بكر: أنا؛ لأنه يقولها وهو يعرف قدرها، لأنه ما سمع شيئًا من الرسول إلا بادر إلى أتباعه قدر استطاعته، رضي الله عنه.

ما أحوجنا إلى أن نكون كذلك، نستبق في فعل الخيرات ونرجو من الله الإعانة والتوفيق. ولذلك قال الرسول الكريم: «احرص على ما ينفعك». إن الذي يعينك على ذلك ﴿إِلَّا﴾ تبدد وقتك وألا تبدد جهدك، كن صاحب تركيز وكن صاحب همة وصاحب هدف، فلا تضع وقتك فيما لا فائدة من ورائه. والله أثنى على المؤمنين: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾14 (المؤمنون: 3). «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»، أي: لا تكون عاجزًا.

ولذلك كان من دعاء الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: «وأعوذ بك من العجز والكسل»، فنعوذ بالله من العجز والكسل.

تفصيل الصدقات النبوية بين ذكر اللسان ونفع الخلق وإغاثة

ثم إن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه بعد أن قال: «إن أبواب الخير لكثيرة» ضرب أمثلة، فقال: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، أن تقول: سبحان الله، أن تقول: الحمد لله، أن تقول: الله أكبر، أن تقول: لا إله إلا الله، فكل هذه صدقات تتصدق بها عن نفسك وتشكر الله على ما أنعم عليك من هذا البدن الذي تمشي به وتسير وتأكل وتجرب بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

ومن ضن بالليل أن يكابده وبالمال أن ينفقه فلا يبخل فليقل: سبحان الله وبحمده، عبادة يسيرة ليست بالثقيلة، أن تكثر من ذكر الله، لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله. ثم قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل الأعمال الصالحة، ولذا قال الله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾15 (آل عمران: 104). وهذه دعوة عامة، ثم خصص فقال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، مع مراعاة ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال: وتميط الأذى عن الطريق، بأن تزيل حجرًا أو عظمًا أو شوكًا من الطريق فإنَّها صدقة تتصدق بها عن نفسك. بل أن تكف نفسك عن الشرع وتكف الناس عن شرك وأذاك فهذه صدقة تتصدق بها على نفسك. قال: وتسمع الأصم، هذا الأصم الذي لا يسمع لكنك تعلمت الإشارات فتشير إليه وتحاول أن توصل إليه المعلومة فلك بذلك صدقة. وتهدي الأعمى، تهديه إلى الطريق لك بذلك صدقة. وتدل المستدل على حاجته، فهي صدقة. وبين الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أيضًا:

وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، رزقك الله ساقين ورزقك الله قوة في البدن، حتى تقضِ له حاجة فهذه صدقة. وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، تحمل له متاعًا أو تعينه على ركوب دابته فهي صدقة كذلك. «فهذا كله صدقة منك على نفسك». وانظر رحمك الله أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام حينما ضرب الأمثلة نوعًا فذكر أبوابًا من أبواب الخير هي بين المخلوق والخالق ليس للمخلوق الآخر بذلك صلة، ليس لمخلوق آخر بذلك صلة: من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل، هذا لله ليس لأحد فيه مدخل. وأما إماطة الأذى عن الطريق وإعانة الناس.

فهذا فيه تقديم الخير للغير، وهذا معناه: أن أبواب الخير على نوعين: نوع يكون خاصًّا بينك وبين الله، ونوع تنتد به يدك يد المساعدة إلى المخلوقين. ومن ساعد المخلوقين وقدم لهم المعونة فإنَّ الله هو الذي يعينه وهو الذي يعطيه، ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾16 (البقرة: 212).

التحذير من محبطات الأعمال وران الذنوب ووصية المداومة على الخيرات

يا أيها الإخوة الكرام، أخيرًا مما ينبغي لك أن تراعيه في مفاتيح أبواب الخير: ﴿إِلَّا﴾ تحبط عملك، فقد تعمل الخير لكنك تحبط عملك، ومحبطات الأعمال كثيرة تقدم بيانها في بعض المواضع.

ومن ذلك أيضًا أن تحافظ على الخيرات بأن تواظب عليها وأن تثبت عليها، يا عبدالله «لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ» كان يقوم الليل فترك قيام الليل. وكذلك أن تترك المعاصي والسيئات؛ لأنَّها حواجز تحجزك عن الخيرات، فالذي يفعل الحسنة يبيض وجهه وقلبه بفضل الله، والذي يفعل سيئة ينكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا علت على قلبه وكثرت كان الران وهو الذي يحجبك عن طاعة الله رب الأرض والسماوات.

يا أيها الإخوة الكرام، إن الآخرة عظيمة وما علينا إلا أن نعمل صالحًا وأن نأخذ بالأسباب وأن نستعين بالملك الوهاب، ثم بعد ذلك ننتظر الجزاء ممن يرزق بغير حساب وهو الله الكريم سبحانه. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها، أنت خيرُ مَن زكَّاها. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا. وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا واجعله الوارث منَّا واجعل ثأرنا على ظالمينا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا». اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك. اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم احفظنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح ولاة أمرنا ووفقهم لما فيه خير العباد والبلاد يا ذا الجلال والإكرام. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
  5. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 77 ↩
  6. آية: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 148 ↩
  7. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 61 ↩
  8. آية: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 2 ↩
  9. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 43 ↩
  10. آية: ﴿وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 35 ↩
  11. آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7 ↩
  12. آية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 8 ↩
  13. آية: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 110 ↩
  14. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 3 ↩
  15. آية: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 104 ↩
  16. آية: ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 212 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة