مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

دروس من الإسراء والمعراج

خطب · الدرس 160 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وثبوت الإسراء والمعراج في القرآن والتواتر
  2. استهلال التسبيح في الإسراء والمعجزات مما تحار فيه العقول
  3. حكم تخصيص ليلة 27 رجب ولطيفة الوصل بين خاتمة
  4. الرحلة بين المسجدين وفرضية الصلاة كمعراج للأرواح
  5. درس الأخذ بالأسباب في البراق وإمامة الأنبياء في بيت
  6. كمال أدب النبي في الملأ الأعلى ومكانة المسجد الأقصى
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وثبوت الإسراء والمعراج في القرآن والتواتر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة يا أيها الإخوة الكرام والمعراج وجليل ويتكلم فيه المتكلمون فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ فيه حقًّا ومنهم من يتكلم بلا علم ونسأل الله، أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح إنَّ الله جل وعلا قد أنزل سورة مباركة وسميت هذه السورة بسورة الإسراء أو بسورة بني إسرائيل قال الله جل وعلا في صدرها ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ5 لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾67 (الإسراء: 1)

فهذا إثبات واضح وجليل من الرب العلي سبحانه وبحمده، أن الإسراء حق. وقد وقع لرسول الله محمد ﷺ فلا وجه لإنكاره. وأما المعراج فإنَّ الله قد قال. ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ﴾8 (النجم: 13-18) وجماهير أهل العلم المراد بذلك ما وقع للرسول ﷺ في رحلة المعراج ثم إن الأحاديث النبوية قد بلغت مبلغ التواتر عند كثير من المحققين وسواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن التواتر لفظي أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن التواتر معنوي فإنَّه حجة في ذلك لا ينبغي لأحد أن يجحده أو أن ينكره هذا ما تدل عليه الأدلة من كتاب الله، ومن سنة الصادق رسول الله ﷺ

استهلال التسبيح في الإسراء والمعجزات مما تحار فيه العقول

ولذلك يقال لمن أنكر الإسراء أو المعراج والحديث في المعراج أكثر؛ لأنه لم يرد صريحًا بلفظه لكنه جاء بمعناه ودلت عليه سنة الصادق رسول الله ﷺ يقال له: إن الأحاديث في ذلك كثيرة ومتواترة وثابتة في أعلى درجات الصحة وإن كان يستبعد أن يقع هذا، فهذا أمر جد خطير لأنَّ الله لا يعجزه شيء في السماوات، ولا في الأرض لذلك استفتح الله السورة باستفتاح جليل.

فقال ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا﴾ (الإسراء: 1) فبدأ بقوله سبحانه، وفي القرآن الكريم سبع سور، سورة الإسراء هي السورة الوحيدة التي ابتدأها الله بقوله: ﴿سُبْحَـٰنَ﴾ سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه مصدر أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه اسم مصدر وقول ينبئ عن التنزيه أي: نحن ننزِّه الله عن النقائص والعجز فنقر بأن ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، فأسرى بنبيه ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس سبحان الذي ﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 1) ليلًا، وكذلك فقوله: سبحانه إنسان حين يشاهد عجائب أو يسمع عنها فإنَّه يقول: سبحان الله فقولك سبحان الله يتضمن معنى، يتضمن إبعاد النقص عن الله ويتضمن كذلك أن لله آيات عجيبة وعظيمة وهو العظيم سبحانه جل وعلا.

يا أيها الإخوة الكرام، إن الشرع الحنيف قد يأتي بما تحار فيه العقول، لكنه لا يأتي بما تحيله العقول. وهذه قاعدة ينبغي أن تتدبر وأن تتأمل مهما قرأت السنة ونظرت في أحاديث رسول الله ﷺ فإنك لن تجد ما يخالف العقول لأنَّ الذي خلق العقل هو الذي أنزل القرآن سبحانه جل وعلا الذي خلق فهو الذي أنزل السحاب وأجرى السحاب وهو الذي أنزل الكتاب وهو الذي خلق العقول، وهو الذي أوصل إلينا المنقول فلا تناقض بين هذا وذاك عجائب هذه بعض خلقه يجعلها للأنبياء والمرسلين لتدل على أنهم صادقون لكنَّها ليست مستحيلة.

ولذلك ما من معجزة من المعجزات أو آية من الآيات أيد الله بها نبيًّا أو رسولًا إلا وهي داخلة في حدود الممكنات وليست من المستحيلات. لكن الخلق يعجزون عنها ليدل ذلك على أن الرسول ﴿أَنَّمَا﴾ جاء من عند الله وأنه لا يتصرف من تلقاء نفسه، يا أيها الإخوة الكرام، فيتكرر علينا مثل ذلك من الترهات والشبهات وأمثال ذلك فنحن لدينا ثقة في قدرة الله جل وعلا فإذا كانت النصوص ثابتة فإننا نسمع ونطيع ونقر وإننا نصدق الله ونصدق رسوله ﷺ بعد هذا هناك أمور تتعلق بالإسراء والمعراج.

حكم تخصيص ليلة 27 رجب ولطيفة الوصل بين خاتمة

وقال الناس كلهم، أن فلانًا أعطى دينارا. وقال الآخر إن فلانًا أعطى جنيهًا وقاطع بغض النظر عن المعطى اقرر بذنه كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب وهو أحد ومنهم من قال. بل كان في السابع والعشرين من شهر ربيع ﴿وَقِيلَ﴾ في السابع عشر من شهر رمضان ﴿وَقِيلَ﴾ في ربيع الآخر هناك اختلافات في تحديد الموعد هذا إن دل فإنما يدل على أن الليلة التي أسرى الله فيها لم يُقصد أن تكون ليلة تختص بعبادة معينة وإنما أن تكون في تلك الليلة آيات يستفيد منها الناس في كل وقت وفي كل زمان لذلك لا نخص هذه الليلة بعبادة، ولا نخص يومها بعبادة وإنما نتخذ من سنا الآيات التي وقعت فيها نبراسًا لنا نستضيء به في حياتنا.

نسأل الله أن يلهمنا رشدنا كثير من الناس لا يميز بين الدروس والفوائد وبين مجرد الاحتفاء والاحتفال أو دون أن يعرف سبب الحدث وما وراءه ونسأل الله، أن يرزقنا الحكمة وإن المتأمل في هذه الآية الجليلة، آية الإسراء والمعراج، ليرى آيات عظيمة ودلائل كبيرة تدل على صدق رسول الله ﷺ ونصر الله له، وعلى أنَّ هناك أمورًا عظيمة مقصودة جدير بالمسلمين أن يتعلموها فاللهم علِّمنا ما ينفعنا.

يا أيها الإخوة الكرام، إنك حينما تتأمل سورة الإسراء تجد فيها عجائب، آخر سورة النحل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾9 (النحل: 128) ثم افتتح الله سورة الإسراء ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا﴾ (الإسراء: 1)، وكأن رب العزة في خاتمة سورة النحل وفاتحة سورة الإسراء أن الله لن يترك نبيه، فهو معه معيةً فلئن كان الرسول ﷺ قد فقد من كان يعينه أو يؤازره وينتصر له كما كان من خديجة رضي الله عنها زوجه وكما كان من عمه أبي طالب ولئن كان الرسول ﷺ قد أعرض عنه المشركون وكذب به هؤلاء وهو الصادق المصدوق.

فإنَّ الله لن يخذل رسوله محمدًا ﷺ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟﴾10 (النحل: 128). ولذلك. تأمَّل! آية سبحان الذي أسرى بعبده، أسرى بعبده ليلًا وبيَّن أن يقول: أسرى بعبده فأسرى أي: أسرى الله بعبده فما كان للرسول أن يتحرك من مكة إلى بيت المقدس لولا أن الله حرَّك أمره وهو الذي نصره وهو الذي أيده وهو الذي أوصله إلى هذه المراتب السنية والمقامات العليه صلى الله عليه وآله وسلم والتعبير عنه بعبده كما قرر العلماء فيه فائدتان الأولى أن الإسراء كان حقًّا بجسده وروحه ولو كان الإسراء بالروح فقط ما كان هناك تكذيب من المشركين لأنه لو قال إنه رأى في المنام أنه ذهب إلى بيت المقدس وصلَّى فيه وأنه صعد إلى السماوات ما كانوا ليكذِّبوه لأنَّ باب الرؤيا واسع وإنَّما الذي يكذب أن يقول الإنسان أنه صنع ذلك في اليقظة وأنه تحرك بجسده، ومَنْ يقدر على ذلك؟ إنها قدرة الله المطلقة سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ الأقصى ورد فيها ذكر القرآن فإذا قرأت سورة الإسراء تجد أن الله صرح بذكر القرآن فيها أكثر من غيرها في القرآن كله فقد وصل التصريح فيها إلى إحدى عشرة مرة.

وهذا لا يوجد في غيرها من سور القرآن الطويلة والقصيرة، وكأنَّه يقال لنا الإسراء آية وهناك آية أعظم وأجل ﴿إِلَّا﴾ ترون القرآن الكريم؟ خذوه فإنه سبب سعادتكم في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بالكتاب والسنة ووقفات يسيرة وموجزة مع بعض ما يتعلق بهذه الرحلة. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح من ذلك.

الرحلة بين المسجدين وفرضية الصلاة كمعراج للأرواح

يا أيها الإخوة الكرام، تأمَّل ذلك الإسراء، من أين إلى أين؟ ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى﴾ ماذا؟ رحلتنا من المساجد إلى المساجد أقصد بذلك مساجد. لكن التعلق بالمساجد كلها مطلوب. وقد قال الرسول «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ»، وفي لفظ في المساجد. بل إن تعجب فهذه الشعيرة الجليلة العظيمة، شعيرة الصلاة التي تُفرض في هذا المقام العلي، وفي تلك المرتبة العالية التي يصل إليها نبينا محمد ﷺ وتفرض عليه الصلاة أول ما تفرض خمسين صلاة ثم يطلب التخفيف لتصير الصلوات خمسًا في العمل ولتكون خمسين في الأجر.

نسأل الله الثواب ونسأل الله الإعانة والتوفيق إن الصحابة الكرام رضي الله عنهم قد وصفهم أعداؤهم. وهذا عجيب كما يقولون الحق، حديث جابر رضي الله عنه في غزوة غزاها أصحاب النبي ﷺ بينهم وبين المشركين، أصحاب النبي الكريم ﷺ يريدون أن يقتلوا المسلمين غِرَّةً وأن يستأصلوا شأفتهم على غفلة فمتى يجدون ذلك؟ الصلاة، يقصدون صلاة العصر هي أحب إليهم من أولادهم الله أكبر من قال هذا الكلام قاله المشركون قالوه فيمن؟ في رسول الله ﷺ أن صلاتنا أحب إلينا من أموالنا ومن أولادنا ﴿وَمَا يَنۢبَغِى﴾ لنا أن نكون عليه مع هذه الصلاة التي هي معراج في قلب العبد جل وعلا والصلاة المطلوبة هي الصلاة ذات الأركان المعروفة والتي يقوم بها العبد والتي يحرك بها العبد جسده وأعضاءه وتجمع بين العقل الذي يفكر فيما يقرأ أو يسمع وتجمع بين القلب الحي الذي يخشع فمن أقبل على الله في صلاته بقلبه وعقله وجوارحه فتلكم هي الصلاة المطلوبة وكما قيل: فالمصلي حين يصلي يتفكر في صفة الله وفي صفة نفسه فعلم، أن صفته الفقر وأن صفته الحاجة وأن صفة ربه الغنى والعظمة فأراد أن يتصل وهو ضعيف بالقوي وأن يتصل وهو محتاج به، ومن لجأ إلى الله فإليه الملجأ والمفزع أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

درس الأخذ بالأسباب في البراق وإمامة الأنبياء في بيت

أمَّا بعدُ:

آية جليلة لرسولنا ﷺ، فإنها مع ذلك لم تخل من الأخذ بالأسباب لتتعلم الأمة ذلك ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الرسول ﷺ قد ركب البراق ولو شاء الله، أن يوصله إلى ما وصل إليه لأوصله بلا براق. لكن الله جل وعلا هيأ الأسباب ثم لما وصل الرسول الكريم ﷺ إلى المسجد الأقصى إذا به يربط هذا البراق في الحلقة التي كان يربط بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليتعلم الناس الأخذ بالأسباب والتوجه إلى رب الأسباب سبحانه جل وعلا.

يا أيها الإخوة الكرام، في رحلة المعراج دليل واضح وبرهان ساطع على قدر رسول الله ﷺ عند ربه جل وعلا يصلي بالأنبياء والمرسلين إمامًا ويصعد إلى هذا المكان العالي الرفيع وما ذلك إلا لقدره الجليل عند ربه العظيم سبحانه جل وعلا. وقد وصف الله نبيه ﷺ فقال وما أحسن ما قال ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾11 (النجم: 17)

كمال أدب النبي في الملأ الأعلى ومكانة المسجد الأقصى

تأمَّل الذي يصل إلى هذا المكان فيما يتعلق بأدبه. فقال ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ ما زاغ بصره ولا التفت عنه صلوات الله وتسليماته عليه، يا أيها الإخوة الكرام، هذه الرحلة الجليلة تذكرنا بموقع المسجد الأقصى من قلوب المسلمين ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا﴾12 (الإسراء: 1) فكان المسجد الأقصى غاية الإسراء، وكان المسجد الأقصى منطلق المعراج ليعرف المسلمون قدره اللهم احفظ علينا قدسنا واحفظ علينا حرماتنا ورده إلينا ردًّا جميلًا.

يا أيها الإخوة الكرام، في هذه الرحلة مواقف جليلة ودروس عظيمة يعتبر بها من اعتبر. نسأل الله أن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾13 (الفرقان: 74) اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 1 ↩
  6. آية: ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 1 ↩
  7. آية: ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 1 ↩
  8. آية: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ۝ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ۝ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ ۝ إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ۝ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ۝ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 13-18 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 128 ↩
  10. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 128 ↩
  11. آية: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 17 ↩
  12. آية: ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 1 ↩
  13. آية: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 74 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة