مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القمر جزء 4 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 137 من 376 · 18 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بتفسير سورة القمر، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾2 (القمر: 18) ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾3 (القمر: 19) ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾4 (القمر: 20) ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾5 (القمر: 21) ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾6 (القمر: 22).

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 18). تقدّم يا أيها الإخوة الكرام أن سورة القمر حدّثنا الله جل وعلا فيها عن تكذيب الأمم السابقة لرسل الله جل وعلا قال: ﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾7 (القمر: 3). ففي صدر السورة الكريمة الحديث عن تكذيب المشركين لرسول الله محمد «صلى الله عليه وسلم»، كما أنَّ فيها حديثًا عن اتّباعهم الأهواء، فهذا موضوع رئيس ومقصود كبير في السورة الكريمة. لذلك لما ذكر الله بعض الأمم السابقة صدّر الحديث عنها بالتكذيب فقال: كذّبت، كذّبت، كذّبت، لأنَّ الموضوع الرئيس هو الحديث عن التكذيب وأن التكذيب سببٌ في الهلاك، فقال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾.

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ وكذلك بعدها قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾8 (القمر: 23) لكنه في قوم نوح قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾9 (القمر: 9) لأنَّ نوح عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وقومه لا تشتهر نسبتهم إلى آباء أو أجداد، بخلاف ما جاء بعد نوح عليه السلام فإنَّه يُذكر فيقال عاد وثمود وما إلى ذلك. قال الله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ فكيف كان عذابي؟ كيف كان تعذيبي وكيف كان إنذاري وتهديدي وتخويفي لهم؟

وكما تقدّم فمن عجائب الله سبحانه وتعالى ودلائل قدرته طريقة التعذيب التي عذّب بها تلك الأمم: كيف أهلك هؤلاء بالغرق، وكيف أهلك هؤلاء بالصيحة، وكيف أهلك هؤلاء بالصاعقة، فربّك على كل شيء قدير، وهو ما ظلمهم: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ﴾10 (العنكبوت: 40). ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾.

وعاد كما ذكر الله عنها: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾11 (فصلت: 15). فالله أعطى عادًا قوة كبيرة، فكانت عاد معروفة بالقوة والسطوة حتى وصل بهم الأمر إلى أن قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. ونسي أولئك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾12 (فصلت: 15). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ (القمر: 19).

والسورة الكريمة لا تذكر لنا ما جرى بين هود عليه السلام وعاد، وإلا فقد فصّل الله ذلك في مواضع أخرى من القرآن الكريم، وهناك سورة في القرآن تُسمّى بسورة هود عليه السلام، لأنَّ المقام هنا حديث عن التكذيب وعاقبة التكذيب. فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ والريح الصرصر هي الريح شديدة البرودة، فهي ريح باردة شديدة البرودة تقتلع كل ما يقابلها.

والرسول عليه الصلاة والسلام قد قال كما في الصحيحين: «نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبور». فهذه الريح التي سلّطها الله على عاد تُسمّى ريح الدبور، وهي ريح مهلكة. أما النبي عليه الصلاة والسلام في يوم الأحزاب كانت الريح تُسمّى بريح الصبا، وكانت سببًا في نصر الله للنبي «صلى الله عليه وسلم» حينما أحاط المشركون بالرسول عليه الصلاة والسلام، وقد حفر النبي «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه الخندق، والمشركون يريدون القضاء على المسلمين وعلى رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام. وطال مكثهم، جاءت ريحٌ شديدة اقتلعت خيام المشركين فاضطرّوا للانصراف. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾13 (الأحزاب: 9). فربّك على كل شيء قدير.

الريح كانت سببًا في نصر الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وهنا الريح سبب في هلاك عاد ونصرة هود عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدة البرودة ﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ في يوم شؤم عليهم لأنه يوم هلاكهم ويوم دمارهم، وهذا قد استمرّ فترة من الفترات.

وهذا ما قال الله سبحانه وتعالى في قوله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ﴾14 (الحاقة: 4) ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾15 (الحاقة: 5) ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾16 (الحاقة: 6) وجعل العتوّ لها. قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾17 (الحاقة: 7) ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ﴾18 (الحاقة: 8) يعني: لا ترى لهم من بقاء، ليس لهم أثر، ذهبوا. قال الله سبحانه وتعالى هنا: ﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ وقال هناك: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾19 (فصلت: 16). فالله سبحانه وتعالى قال أيامًا نحسات وقال إنها ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ﴾، إذن قوله «في يوم نحس» ليس المقصود به أنه يوم واحد، وإنَّما المقصود باليوم أيام، وإنَّما المقصود أيضًا باليوم الزمان، أي: في زمان شؤم عليهم فهو زمن شؤم عليهم.

فإنْ قال قائل: وكيف يوصف اليوم بالنحس؟ أليس قد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام — بل كما جاء في الحديث القدسي: «لا تسبّوا الدهر، فأنا الدهر، بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار»؟ لا يجوز لأحد أن يسبّ الدهر. والله عز وجل قال: ﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ﴾ فنقول أولًا: من الذي قال إنه يوم نحس هو الله سبحانه وتعالى، إذن هذا كلام الله والله يحكم بما يشاء، وليس فيه مظنّة ما يكون من انحراف لدى الناس. لأنَّ الذي يسبّ الدهر يقصد بذلك الاعتراض على تقدير الله سبحانه وتعالى، فهو يسبّ الزمان أو يسبّ الليل أو يسبّ النهار فيسبّ ليلة أو نهاره أو زمانه، فهذا يسبّ الدهر، وهو في الحقيقة الدهر ليس بيده شيء، ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يقلّب الدهر هو من؟ هو الله، فمن سبّ الدهر فكأنَّما سبّ الله عز وجل.

أما الله سبحانه فهو يبيّن لنا حقيقة هذا اليوم. ولذلك قال أهل العلم: إذا قال الإنسان في اليوم شيئًا ليس من قبيل السبّ ولكن ما كان من قبيل الإخبار عن الحال لا التسخّط على الأقدار فإنَّ هذا ليس بداخل في المنهي عنه. فمثلًا لو قلت: اليوم حار، أو اليوم بارد، وأنت لا تسبّ الدهر بذلك ﴿أَنَّمَا﴾ تقصد بذلك الإخبار عن اليوم: إن اليوم ده يوم حدث فيه كذا أو جرى فيه كذا من باب الإخبار، فهذا لا شيء فيه بإذن الله تعالى. قال الله: ﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ وهكذا النحس: النحس في أن يلحق بالعبد غضب الله ومقت الله عز وجل وأن يكون العبد من العصاة، نسأل الله السلامة والعافية.

قال: ﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ دام عليهم هذه الفترة. تصوّر ريح صرصر شديد البرد عاتية ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ هذه الريح لا تنقطع. ماذا جرى؟ وهم طوال معروفون بالطول ومعروفون بالضخامة وبالقوة. قال: ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ﴾ ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ (القمر: 20) تنزع الناس يعني: تقلع الناس، تقلعه من رأسه، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ، يعني: أن هذه الريح من شدّتها تخلع الرأس فإذا بهذا الرأس يندقّ في الأرض وتذهب هباءً منثورًا، نسأل الله السلامة والعافية. تصوّر كذا ريح تقطع الرأس خالصًا، يعني: كأنها أحدّ من السيف.

ولذلك إذا كان السيف يقال له: الحسام فيقال للسيف صارم وبتّار وحسام، فالله قال عن تلك الأيام حسومًا فهي قاطعة قطعتهم وأنهتهم وأنهكتهم ودمّرتهم. قال: ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أي: انقطع من أصوله، هذا العجز: عجز النخل الذي انقطع من أصله فلم يعد له أساس ولم يعد له أصل. قال هناك: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ﴾ أين هم؟ أين أثرهم؟ أين عتادهم؟ أين قوّتهم؟ أين ضخامتهم؟ أين قولهم ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؟ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.

وكما تقدّم ففي سورة الأحقاف بيّن الله جل جلاله أن هذا تمّ لهم بعد الإملاء، بعد أن منع الله عنهم الأمطار لفترة وخرجوا جميعًا واجتمعوا وهم يتمنّون أو يرجون نزول الأمطار، وقد جاءت ريح في السماء وهم ينتظرون المطر يريدون أن يشربوا يريدون أن يسقوا يريدون أن يزرعوا، فلما وجدوا غمامًا في السماء قالوا: هذا غمام وهذه سحب الأمطار ستنزل، هيا بنا من معه وعاء فليخرج به، من معه إناء فليخرج به حتى نجمع المياه حتى لا تذهب علينا المياه، فخرجوا وتعرّضوا للهواء. فإذ بهذه الريح لا تنزل عليهم أو بهذه الغمامة لا تنزل بالمطر ولا تنزل بالماء ﴿أَنَّمَا﴾ تنزل عليهم بالنيران، نسأل الله السلامة والعافية. ولذلك ربنا قال: ﴿بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾20 (الأحقاف: 24) ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ﴾21 (الأحقاف: 25). وهذا عجيب أيضًا أن يهلكهم الله ويبقي المساكن، يعني: تلاقي المسكن سليم، المسكن موجود، الآثار باقية، ولكن أين أصحابها؟ بنوها وتركوها، أهلكهم الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾.

هكذا ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ كيف كان عذابي، هذا فيه دليل على عظمة قدرة الله جل وعلا إنه على كل شيء قدير، وأن الكافر مهما بلغ في كفره والمتكبّر مهما بلغ في تكبّره فالله قادر على أن يقصمه وعلى أن يأخذه.

قال: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 22) أيضًا تكرّرت الآية. والله لقد يسّرنا القرآن للذكر، قرآن يُتلى يفهمه الإنسان، إذا تأمّلت القرآن وقرأت آيات القرآن ستفهم كثيرًا من القرآن الكريم. لا تقول إنني لديّ ثقافة قليلة وليست لديّ إلا معلومات ضئيلة: اقرأ القرآن ستجد أنك تفهم كثيرًا من القرآن بفضل الله، لأنَّ القرآن ميسّر: ميسّر للتلاوة، ميسّر للفهم، ميسّر للتدبّر، ميسّر ليُعمل به، ميسّر ليُتداوى به، ميسّر ليُتحاكم إليه، ميسّر مبارك بفضل الله سبحانه وتعالى، ميسّر ليُتذكّر به. ولذلك ربنا قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾.

فالقرآن ميسّر لنتذكّر، لا لنغفل عنه، لا لنحيد عنه، وإنَّما لنتذكّر به ولنعمل به. ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ هذا فيه تحضيض وتشجيع وترغيب: هل من مدّكر؟ هل من شخص يتذكّر؟ هل من شخص يتدبّر؟ هل من شخص يعتبر بما في القرآن الكريم؟ وكثير من المسلمين — ويا للأسف — يحيدون عن القرآن الكريم فتراهم لا يقرؤون القرآن إلا قليلًا، وإذا قرأوا لم يتدبّروا، وإذا تدبّروا لم يعملوا إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، مع أنَّ الله قال: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29).

ووالله يا عباد الله إن الذي يقرأ القرآن ويتدبّر فيه يجد من البركة ما لا يستطيع اللسان أن يصفه وما لا يستطيع الإنسان أن يحدّه. وأنت جرّب نفسك، جرّب نفسك على سبيل التحقيق لا على سبيل التجربة، لكن انظر إلى حالك تجد أنك في الأيام التي تقرأ فيها القرآن بثبات وتقرأه بتدبّر ترى من البركة ما لا تعلم قدره بفضل الله سبحانه وتعالى. وكم في بعض الأحوال يقول الشخص: اليوم عندي مشكلات كثيرة وعندي هموم عديدة فسأكتفي من القراءات بقدر يسير، سأقرأ حزبًا أو جزءًا أو عددًا قليلًا ولا يتجاوز هذه القراءة، فيمرّ اليوم عليه وقد ازدحمت عليه المشكلات. ويأتي في اليوم الآخر فيقول: حتى وإن كنت مشغولًا سأقرأ وأجتهد، فسبحان الله يفتح له الوقت تفتيحًا، تجد بركة عجيبة، الأمور التي كانت ضائقة أمامها التي كان فيها إشكالات كثيرة حُلّت، تيسّرت الأمور، وجد بركة في وقته، بركة في عمله، بركة في ماله، بركة في من يتعامل معهم بفضل من الله وإنعام، لأنَّ هذا ما وصف الله به القرآن: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29). فما أحوجنا يا أيها الإخوة الكرام إلى العودة إلى القرآن الكريم بصدق وبأمانة، أن يراجع الإنسان نفسه: كيف حالي مع القرآن الكريم؟ كم أفتح من القرآن؟ كم أقرأ من القرآن الكريم؟ وكم أقرأ بعناية وتأمّل؟ افتح رسالة الله إليه واقرأ صفحة تلو الصفحة تلو الصفحة تلو الصفحة.

فضلًا عن أنك تؤجر وتثاب من الله، يفتح الله لك من الخيرات ما الله به عليم. ثم إن في القرآن دواء قلبك. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ فإذا كنت تشكو من أمراض وتشكو من أدواء وتشكو من آفات فعليك بالقرآن الكريم، فأنت إذا أقبلت على القرآن شفى الله قلبك وهدى الله نفسك ويسّر الله لك أمرك، فحُلّت المشكلات وشعرت بالسعادة وأي سعادة. وهذا الذي قاله أولئك: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف» يعني: معنا من السعادة ما لا يصل إليه أحد، لكنهم لا يشعرون، لأنَّ صاحب القرآن في سعادة حقيقية شريطة أن يتّقي الله في هذا القرآن الكريم وأن يعمل به قدر استطاعته. لذلك كان الصحب الكرام لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلّموها ويعملوا بما فيها، فتعلّموا الإيمان وتعلّموا القرآن وعملوا بالقرآن.

نسأل الله أن يعلّمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علّمنا وأن يزيدنا علمًا، ونكمل إن شاء الله في الدرس المقبل. هذا والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 18 ↩
  3. آية: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 19 ↩
  4. آية: ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 20 ↩
  5. آية: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 21 ↩
  6. آية: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 22 ↩
  7. آية: ﴿وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 3 ↩
  8. آية: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 23 ↩
  9. آية: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 9 ↩
  10. آية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 40 ↩
  11. آية: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 15 ↩
  12. آية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 15 ↩
  13. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 9 ↩
  14. آية: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 4 ↩
  15. آية: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 5 ↩
  16. آية: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 6 ↩
  17. آية: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 7 ↩
  18. آية: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 8 ↩
  19. آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 16 ↩
  20. آية: ﴿بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحقاف 24 ↩
  21. آية: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحقاف 25 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة