المجلس الثامن - شرح وتقريب تحفة الأريب - (بدءا من كلمة أزر - أزز)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
الأزر قوة وإعانة لا ضعف
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع المجلس الثامن مجالس التعليق على تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الأندلسي رحمة الله تعالى2 وكنا قد توقفنا في اللقاء السابق عند كلمة أزارا وعرفنا أن هذه المادة تدل على معنى الإعانة والتقوية والإحاطة. ومن ذلك كلمة الإزار لأنه يشد ظهر المتزر به ويعينه شده على العمل والحمل ونحو ذلك وذكرنا أن ابن الأعرابي ذكر في هذه الكلمة ما يفهم منه أنها يُستعمل استعمال الأضداد فتأتي بمعنى التقوية وتأتي بمعنى الضعف.
فقال بعضهم: في قوله ﴿ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى﴾3 قالوا أشدد به ضعفي. لكن القول الأول أشهر وهو، أن المراد بالأزر القوة، ومنه من ذكر في معاني الأزر المساواة. ولذلك جاء في تفسير آية سورة الفتح فآزره قال بعضهم، يعني: سواه في الطول فيقال آزر الشيء غيره أي: سواه. لكن أيضًا الأشهر في ذلك، أن مادة الأزر تدل على معنى الإعانة والتقوية والإحاطة هذا أبرز وأشهر ما تعود إليه الكلم من المعاني وبقي لنا في الحديث عن هذه الكلمة أمران أشرت إليهما في آخر الدرس السابق وهما تعرض له أبو حيان بقوله وزنه فاعل لقولهم يؤازر فما وزن آزر هذه مسألة. والمسألة الثانية ما يتعلق بآزر الذي جاء ذكره في سورة الأنعام في قول الله جل ذكره ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾4.
وزن آزر بين فاعل وأفعل
أما المسألة الأولى وهي مسألة وزن آزر فهنا قال أبو حيان وزنه فاعل إذ هو جعل آزر على وزن فاعل لقولهم يؤازر ويقصد بقوله آزر ليس، يعني: الكلام في آزر الذي في سورة الأنعام ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه اسم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ والأسماء الأعجمية لا ينظر إلى اشتقاقها وقررنا هذه القاعدة ونقلنا أقوالا لأهل العلم في ذلك. لكن الكلام عن كلمة آزر بصفة عامة.
ومن ذلك ما جاء في آية سورة الفتح ﴿فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ﴾5. فقالوا آزره، يعني: فأعلَّه على وزن فأعلَّه لقولهم يؤازر، يعني: في المضارع يقولون يؤازر. لكن أبا حيان في البحر المحيط قال خلاف ذلك6. فقال: هناك فآزره على وزن أفعله وقول مجاهد وغيره آزره فأعلَّه خطأ هذا في البحر المحيط يقول إن قول مجاهد وغيره.
إن آزره على وزن فأعلَّه خطأ لأنه لم يسمع في مضارعه إلا يؤذر، يعني: يقول إن مضارع آزر يؤذر ويفعل ﴿أَنَّمَا﴾ تكون مضارعا لأفعل. وأما فاعل فمضارعها يفاعل، يعني: أنت حينما تقول كاتبه. إذن تقول المضارع يكاتب شارك يشارك ففعل في الماضي يكون مضارعها يفاعل. لكن هو يقول المعروف في المضارع يؤذر قال لأنه لم يسمع في مضارعه إلا يؤازر على وزن يكرم.
وهذا أيضًا قرره السمين الحلبي في الدر المصون7. فقال: فآزره العامة على المد، يعني: عامة القراء على المد وهو على أفعل وغلطوا من قال إنه فاعل كمجاهد وغيره بأنه لم يسمع في مضارعه يؤذر. بل يؤذر فهذا يعني: أنَّ أبا حيان في البحر المحيط خالف كلامه الذي ذكره في تحفة الأريب وتبع السمين الحلبي وهو تلميذ أبي حيان تابع شيخه فيما ذكره في البحر المحيط وذكره السمين في الدر المصون.
لكن الألوسي أراد أن يحج من الخلاف في هذه المسألة فذكر أنه تعقب بأن هذه الشهادة نفي غير مسموعة، يعني: دعوى أنه لم يسمع يؤازر هذه شهادة. لكن الإحاطة بلسان العرب هذا ليس باليسير، يعني: أن يدعي أحد أن هذا غير مسموع، ولم يسمع هذا ليس بالهيّن قال على أنه يجوز أن يكون ورد من بأبين، يعني: إذا كان فاعل يأتي المضارع منها على يفاعل وأفعل يأتي المضارع منها على يفعل فلا مانع أن يأتي أحد البابين في الماضي وأن يأتي الماء الثاني منه في المضارع فيكون لأحدهم الماضي وللآخر المضارع، يعني: هذا معروف في لغة العرب والأمر في ذلك يسير قال ومثله كثير قال يجوز أن يكون ورد من بأبين واستغني بأحدهما عن الآخر بمعنى أن آزر فاعل وأفعل المضارع يؤذر ويؤازر.
لكن استغني بأحدهما عن الآخر قال ومثله كثير مع أنَّ السرقسطي نقله عن المازني لكنه قال يقال آزر الشيء غيره أي: سواه وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ قصدت بذلك التعليق على كلام أبي حيان فيمكنك، أن تعلق على هذا الذي ذكره أبو حيان خالفه في البحر المحيط، وكذلك تابعه السمين الحلبي. أما المسألة الثانية وهي الأهم في نظري فهي ما يتعلق بشأن آزر الذي ورد ذكره في آية سورة الأنعام ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾8 فآزر هذا من هو
آزر أبو إبراهيم لا وصف ولا صنم
هل هو اسم أم وصف هذه مسألة وإذا كان اسما أو وصفا فلمن هذا الاسم أو لمن هذا الوصف هل هو أبو إبراهيم عليه السلام أم أنه عمه أم أنه اسم للصنم كل هذا ذكره المفسرون وتعرضوا له. يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى اختلف أهل العلم في المعني بآزر وما هو اسم أم صفة إذن اختلفوا في آزر وهل هو اسم أو صفة
وإن كان اسما فمن المسمى به
فقال بعضهم: هو اسم أبيه ثم ذكر من قال بذلك. ثم قال ﴿وَقِيلَ﴾ لم يكن بأبيه ﴿أَنَّمَا﴾ هو صنم. وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم، يعني: هو وصف وليس اسم بقول آخر ومعناه: معوج كأنه تأول أنه عابه بزيغه وعوجاجه عن الحق أو الضال لذلك بعضهم فسر الآية وإذ قال إبراهيم لأبيه الضال ففسر آزر بالضال، يعني: جعله وصفا، ولم يجعله اسما هذا قول آخر.
ثم قال الطبري رحمه الله، فأولى القولين بالصواب منهما عندي قول من قاله واسم أبيه لأنَّ الله تعالى أخبر أنه أبوه، يعني: حينما تقرأ الآية ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾ ظاهر الآية، أن آزر أبوه هذا أقرب ما ينصرف إلى الذهن يقول الطبري رحمه الله، فأولى القولين بالصواب منهما عندي قول من قاله واسم أبيه لأنَّ الله تعالى أخبر أنه أبوه وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعت، يعني: الذي زعم قائله أنه وصف.
تارح وآزر بين اللقب والتعريب
فإنْ قال قائل، يعني: الإمام الطبري يورد إشكالًا ويجيب عن هذا الإشكال أو يورد سؤالًا ويجيب عنه. فإنْ قال قائل. وهذه يسميها العلماء بالفنقلات، يعني: تجد المفسّرون يقولون. فإن قال. فإنَّ قيل فيقولون الفنقلات. فإن قال. فإنَّ قيل هذا مشهور لدى كثير من المفسرين. فإنْ قال قائل. فإنَّ أهل الأنساب ﴿أَنَّمَا﴾ ينسبون إبراهيم إلى تارح هكذا على وزن فاعل والذي ذكره الزبيدي في تاج العروس بالمناسبة في تارح هنا قال تارخ بالخاء المعجمة ﴿وَقِيلَ﴾ بالمهملة على وزن هاجر9 يقصد على وزن فاعل.
لكن لأنَّ هاجر لا يختلف في طريقة نطقها فقاس عليها يبقى أنت حينما تقرأ بعض كتب التفاسير أو بعض كتب التفسير وبعض كتب التاريخ تجد بعضهم يقول تارح وبعضهم يقول تارخ. فهذا وارد هذا وارد يقول الطبري. فإنْ قال قائل. فإنَّ أهل الأنساب ﴿أَنَّمَا﴾ ينسبون إبراهيم إلى تارح فكيف يكون آزر اسما له والمعروف به من الاسم تارح قيل له هذا جواب الطبري غير محال أن يكون له اسمان كما كان لكثير من الناس في دهرنا هذا وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم وجائز أن يكون لقبا والله تعالى أعلم.
إذن الطبري رحمه الله، اختار أن آزر هو أبو إبراهيم عليه السلام. فإنَّ ورد إشكال معروف عند النسابين، وعند أهل الأنساب أن والد إبراهيم عليه السلام يقال له: تارح أو تارخ فكيف الجواب عن ذلك فأجاب بجوابين الجواب الأول أن يكون له اسمان آزر وتارح وذكر القرآن أحدهما والأمر الثاني: أن آزر لقب إبا اسم تارح ولقبه آزر فذكره القرآن باللقب ومما يشهد لكون آزر اسما أو علمًا وليس وصفا أنَّ هناك قراءة متواترة في آزر وهي القراءة بالضم وإذ قال إبراهيم لأبيه آزروا، يعني: القراءة التي يقرأ بها جمهور القراء العشرة يقرؤون وإذ قال إبراهيم لأبيه آزروا على أن آزر بدل من قوله لأبيه.
لكن قرأ يعقوب من القراء العشرة أو أحد القراء الثلاثة الذين يتممون العشرة، يعني: يزدون على السبعة فتتم بهم العشرة وهي متواترة على قول الجمهور يقرأ هكذا وإذ قال إبراهيم لأبيه آزرو فما معنى آزرو أو ما موقعها الإعراب أي: يا آزرو فتكون مبنية على الضم لأنَّها منادة حذف حرف النداء والتقدير يا آزر يقول الألوسي واستدل بذلك على العالمية، يعني: بقراءة يعقوب بناء على أنه لا يحذف حرف النداء إلا من الأعلام وحذفه من الصفات شاذ أي: يا آزر، يعني: حذف حرف النداء من الأوصاف هذا شاذ.
لكن حذف حرف النداء ﴿أَنَّمَا﴾ يكون مع العلم فلذلك يكون هذا دلالة على أن آزر علم وليس وصفا بمعنى الضال أو المعوج أو ما أشبه ذلك كما ذكر أيضًا ذكر ابن عاشور قال الزجاج لا خلاف بين النسابين في أن اسم أبي إبراهيم تارح وعبارة الزجاج في كتابه معاني القرآن وإعرابه وليس بين النسابين خلاف والذي في القرآن ذكر10 وليس بين النسابين خلاف في أن اسم أبي إبراهيم تارح.
ثم قال الزجاج والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر هذا كلام الزجاج في كتابه11. لكن قال هنا ابن عاشور قال الزجاج لا خلاف بين النسابين في أن اسم أبي إبراهيم تارح وتبعه محمد بن الحسن الجويني الشافعي في تفسير النكت، وفي كلامهما نظر لأنَّ الاختلاف المنفي ﴿أَنَّمَا﴾ هو في أن آزر اسم لأبي إبراهيم اسمًا، ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغةً أخرى غير لغةً قومه.
وقال والذي يظهر لي هذا كلام ابن عاشور أن تارح لقب في بلد غربة بلقب آزر باسم البلد الذي جاء منه، يعني: رجح ابن عاشور أيضًا ويوافق الإمام الطبري رحمه الله، في أن آزر هو أبو إبراهيم لكنه جعله لقبا له يبقى هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: والد إبراهيم عليه السلام له اسمان تارح وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾:. بل آزر هو لقب لتارح.
وثم اتجاه آخر وهو، أن آزر تعريب لتارح. يعني: تارح حينما عرب باللغة العربية قيل له آزر. وحينئذ لا إشكال من الأصل. وقد وجدت ذلك قديمًا في كلام سابق للسمين الحلبي. فالسمين حينما تكلم عن مادة آزر، قال في جملة يسيرة لكنَّها تفيدنا جدًّا قال قيل اسمه تارح، يعني: آزر فعرب فعرب فصار آزر، يعني: أن آزر تعريب لكلمة تارح باللغة العربية آزر هو نفس تارح ليس اسما آخر ولا لقبا ﴿أَنَّمَا﴾ هو نفس الاسم أو هو الاسم نفسه، ومن المعاصرين من قال بهذا القول قال الدكتور جبل وفي دراسة حديثة، يعني: هناك دراسة حديثة، أن آزر يمكن أن يكون تعريب تارح.
وهذا كما لفت النظر إلي ذكره السمين سابقًا قال يمكن أن يكون تعريب تارح التي في سفر التكوين، ولا يمكن أن نميل عما ذكره القرآن إلى كلام الذين ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾، يعني: كأنه يشير يقول من نصدق رب العباد قال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾. فهذا أولى من أن نقول إن النسابين يقولون كذا وكذا.
وقد جاء في الحديث الشريف الصحيح «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة»12 لأنَّ بعضهم يقول هو عمه ويقول الإنسان لعمه يعبر عنه بالأب. لكن نقول هذا عندما توجد القرينة ثم في الحديث «يلقى إبراهيم أباه». فهذا من باب الإخبار عنه والحديث في البخاري قال. أما التاريخ فحسبنا منه شهادة يوسابيوس المتوفى ثلاثمائة وأربعين من الميلاد أبي التاريخ الديني عندهم ومؤلف التاريخ الكنسي الثمين، يعني: عندهم، أن أبا إبراهيم كان اسمه آزر أو آذر، يعني: بلغتهم وهي بعينها آذر التي ذكرها القرآن الكريم.
فيتضح لنا أن آزر هو اسم والد إبراهيم عليه السلام وهو على ذلك ممنوع من الصرف للعالمية والعجمة، يعني: منع من الصرف ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾ على قراءة الجمهور الذين يقرؤون هكذا آزر بالفتح لماذا للعالمية، يعني: لأنه علم ولأنه اسم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ للعالمية والعجمة هذا ما يتعلق بهذه المادة مادة آزر.
لكن كما تقدم، أن كلامهم في أصل الاشتقاق وأنها مشتقة من كلمة كذا وكذا، يعني: يرد عليه بأن الأسماء الأعجمية لا يدخلها الاشتقاق في العربية لأنَّ الاشتقاق العربي ﴿أَنَّمَا﴾ يدخل الأسماء العربية طيب
الإصر ثقل وعهد من الحبس
بعد ذلك ننتقل إلى كلمة أخرى أو إلى الكلمة التي تليها وهي كلمة إصرا قال أبو حيان رحمة الله تعالى الإصر الثقل والعهد13 الإصر الثقل والعهد عندنا كلمة إصر جاءت في القرآن الكريم كلمة الإصر في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾14. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾15 فجاءت كلمة إصرا في القرآن الكريم وجاءت كلمة إصري. وهذا في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا﴾16 قال: فقد جاء في القرآن إصرا وجاء إصري والموضع الثالث في سورة الأعراف في قول الله جل ذكره ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾17 ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾18.
فهذا هو الموضع الثالث. إذن هذه المواضع التي ورد فيها ذكر مادة الإصر في القرآن الكريم. وقد اتفقنا على أننا حينما ندرس كلمة مما يحسن بنا أن نراعيه، أن نتعرف على موارد أو مواضع ورود الكلمة في القرآن الكريم لأننا حينما نفهم معنى المفردة سنتعرف على معانيها في المواضع التي وردت فيها في القرآن الكريم فيفيدنا ذلك في أكثر من سورة، وفي أكثر من إيه بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وقوله: في سورة الأعراف ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قرأ ابن عامر ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ على الجمع، يعني: عندنا ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
إذ ورد في القرآن 'إصرًا' بلفظ 'إصري' و'إصرهم'، وفي قراءة ابن عامر 'آصارهم' فما معنى هذه المادة؟ قال أبو حيان: 'الثقل' و'العهد'. إذًا، لا تحمل علينا 'إصرا'، يعني: ثقلًا بأن يكون عبءًا شاقًا لا نقوى على تحمله. قالوا من التكاليف، وكذلك في قول ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ لذلك قال السمين ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ أي: ثقل ما كانوا كلفوه أي: من الأمم السابقة من أنهم كانوا إذًا أصابتهم نجاسة قرضوا في أيديهم كانت أو ثيابهم أو غير ذلك، يعني: كان إذًا أصابت النجاسة ثوب من الثياب فإنَّهم يؤمرون بقرض وقطع هذا المكان.
لكن خفف وهو المراد بقوله ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾19 طيب أصل مادة الإصر بمعنى عقد الشيء وحبسه بقهره يبقى عقد الشيء وحبسه، هذا هو معنى الإصر، أصل مادة أصر. ومنه قولهم المأصر والمأصر، وهو محبس السفينة. فقول ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾، أي: الأمور التي تثبتهم وتقيدهم عن الخيرات وعن الوصول إلى الثواب.
ولذلك فالإصر العهد المؤكد. هذا العهد يحبسه عن، أن يخلفه، وكذلك إذًا نقض العهد كان بذلك قد أوقع نفسه في ضيق فقيل للعهد إصر من هذا المعنى. ولأن الإصر ثقل يجب أن يتحمل، يعني: حينما أخذ عليك عهدا أخذ عليك إصرا، يعني: هذا يجب عليك، أن تلزمه وأن لا تفرضه وأن تحافظ عليه وأن تتحمله فلذلك قيل للعهد إصر.
لكن التعبير القرآني عبر بالإصر وهو مناسب للمقام ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾20، يعني: هذه الأعباء والتكاليف التي تثبتنا عن فعل ما أمرنا به لأنك حينما تكلف بما فوق الطوق أو الطاقة تعجز عن أدائه فحينئذ لا تستمر على الطاعة. بل ربما ثبط الإنسان وضعفت همته فكان هذا مناسبًا للتعبير القرآني قال. فأما قولهم.
إن العهد الثقيل إصر فهو من هذا. ولذلك العرب تقول ما تأصرني على فلان آصرة، يعني: ما تعطفني عليه قرابة قال. فأما قولهم. إن العهد الثقيل إصر فهو من هذا لأنَّ العهد والقرابة لهما إصر ينبغي أن يتحمل. إذن عرفنا أن معنى الإصر في الأصليدل على مادة الحبس ويدل على عقد الشيء فأطلق على العهد الإصر لأنه ينبغي أن يتحمل ولأن الإنسان إذا نقضه يكون بذلك قد أودى نفسه وأهلكها وثبت نفسه وقيدها عن فعل الخيرات وعن الوصول إلى الثواب لأنَّ نقض العهد مذموم وصاحبه مذموم هذا بالنسبة لمادة الإصر وهي كما تقدم ﴿أَنَّمَا﴾ جاءت في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم ثم بعد ذلك كلمة أسر وأنت حينما تنظر إلى كلمة أسرى تجد أسرى وأسرى بينهما تقارب في النطق وإذا كان بينهما تقارب في النطق فبينهما تقارب في.
الأسر حبس وخلق مشدود الأعضاء
المعنى. ولذلك الذي يدرس في علوم اللغة ويدرس في اللغويات واللسانيات يتعرف على كثير من ذلك فيعرف الكلمة ويعرف ما يقاربها في المخرج. بل إنه يتعرف على الكلم من خلال كل حرف لأنَّ كل حرف له مدلول، يعني: حرف الصاد حرف السين حرف الجين هناك دلالات لهذه الحروف ولهذه الكلمات. لكن نحن ابتداء حينما نسمع آسارا بينهما تقارب.
إذن هناك تقارب في أصل. المعنى قال هنا أسر أسرهم خلقهم. إذن فسر أسر بالخلق ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. فقال: أسرهم خلقهم. لكن في الحقيقة حينما ننظر إلى مادة أسر نجد أنها جاءت في القرآن الكريم على موارد أخرى فجاء في القرآن الكريم الأسرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ﴾21 وجاء أيضًا في القرآن الكريم ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فجاء سار وجاء أسر وهنا قال أسرهم.
لكن أبا حيان اقتصر على كلمة أسرهم بمعنى خلقهم قال خلقهم أسرهم خلقهم إذا رجعنا إلى أصل المادة وهي مادة أسر نجد أن ابن فارس قال الهمزة والسين والراء أصل واحد وقياس مضطرد وهو الحبس وهو الإمساك من ذلك الأسير22 منذ قليل ونحن نتكلم عن الأصل ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه يفيد أيضًا معنى الحبس. ومن ذلك أنه يثبت عن فعل الخيرات حينما ينقض هذا العهد هنا الأسر يدل على معنى الحبس والإمساك، ومنه الإسار وهو القد السير الذي يقد من جلد وغيره تشد به أو يؤسر به القتل، يعني: حينما يكون هناك أسير يقيد بقيد فيقال له: إسار هذا السير الذي يقيد به الأسير يقال له: إسار فلذلك قال الراغب الأسر الشد بالقيد من قولهم أسرت القتب وسمي الأسير بذلك23 ثم قيل لكل مأخوذ ومقيد وإن لم يكن مشدودة ذلك، يعني: صار كل من يقيد وكل من يؤخذ يقال له: أسير مع أنَّ أصل مادة أسير أسرى معنى أنه استعمل هذا السير في تقييده مع أنَّه قد يقيده بغير الإسار.
وقد يأخذه دون أن يقيده بهذا القيد. لكن صار الأسير يطلق على كل مقيد سواء كان بإسار أم كان بغيره ﴿وَقِيلَ﴾ في جمعه أسار وأسار وأسرى، وعندنا في القرآن الكريم ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾24 في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾25. إذن عندنا في القرآن أسيرا، وأيضًا أسارا وأسرا والكلمة التي ذكرها أسرهم طب الآية التي معنا ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾ قالوا أي: خلقهم.
وهذا قاله ابن قتيبة أيضًا في غريب القرآن. فقال: وشددنا أسرهم أي: خلقهم يقال امرأة حسنة الأسر امرأة حسنة الأسر26، يعني: حسنة الخلق كأنها أسرت أي: شدت وكذلك قال السمين الحلبي في قول وشددنا أسرهم قال قوينا خلقهم وسمي الخلق أسرا لشد بعضه بعضا، يعني: قد يقول قائل ما علاقة كلمة الخلق بالأسر تقول الأسر معناه: الحبس فلماذا أطلق على الخلق الأسر
لأن الله سبحانه وتعالى، خلقنا وخلق لنا أعضاء وجعل هذه الأعضاء متماسكة. فهذا التركيب في خلقنا، ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ سماه الله عز وجل بالأسر لما لأنَّ خلقنا مشدود بعضه إلى بعض. ولذلك قال ابن عاشور أيضًا والمعنى أحكمنا ربط أجزاء أجسامهم أحكمنا ربط أجزاء أجسامهم لا تجد الجسم مفكك اليد متماسكة، وكذلك القدم متماسكة والرأس بين الأعضاء تماسك فلذلك قيل أسرهم قال أحكمنا ربط أجزاء أجسامهم فكانت مشدودًا بعضها إلى بعض.
وقال الهروي وسمي الخلق أسرا لأنَّ بعضه مشدود إلى بعض وبعضهم جعل قوله سبحانه وتعالى، وشددنا أسرهم قالوا شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وبعضهم جعل أصل المادة وشددنا أسرهم تدل على أن الله سبحانه وتعالى، حفظ الإنسان فجعله يمسك بنفسه وبمفاصله. فقالوا أراد شد المصرين لا تسترخيان قبل الإرادة، يعني: أن الواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يمسك نفسه عن قضاء الحاجة أمسكها.
فهذا من معاني قوله وشددنا أسرهم بأن يمسك الإنسان عضلاته فلا تسترخي فإذا أراد أن يجري بولا أجراه وإذا أراد أن يمسك نفسه أمسكه. فهذا من شد الأسر الذي أنعم الله سبحانه وتعالى، علينا. ولذلك إذا كان الإنسان غير قادر على مسك أعضائه أو على حبس بوله أو غائطه فإنَّه يعد مريضًا يهرول إلى الطبيب حتى يداويه، ومن نعمة الله سبحانه وتعالى، على العباد أن جعلهم متماسكين في أعضائهم ويتمكنون من حفظ أنفسهم فحينما يريدون قضاء الحاجة يذهبون ثم بعد ذلك يكون.
الأمر يسيرًا عليكم بفضل الله سبحانه وتعالى. كل هذا يدور حول هذه الكلمة.
ولذلك قال الراغب في الآية إشارة إلى حكمته تعالى في تراكيب الإنسان المأمور بتأمَّل!ها وتدبرها في قوله تعالى، ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وقال بعضهم: رجل مأسور أصابه أسر كأنه سد منفذ بوله والأسر في البول كالحصر في الغائط
الأز إزعاج الشياطين بالوسوسة
ثم بعد ذلك ذكر كلمة أخرى وهي كلمة أززة قال أززة تأزهم تدفعهم وتزعجهم تدفعهم وتزعجهم.
وهذه الكلمة وردت في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾27 وهذا هو الموضع الوحيد أو المنفرد الذي جاءت فيه هذه الآية الكريمة أو الذي جاءت فيه هذه المادة مادة الأز قال تدفعهم وتزعجهم وأصل المادة يدل على هذا فأصل مادة الأز يدل على التحرك والتحريك والإزعاج قال أبو عبيد الأز ضم الشيء إلى الشيء.
وقال الخليل الأز غليان القدر، ومنه الأزيز. ولذلك جاء في الحديث أن ﷺ «كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء» صلوات الله وتسليماته عليه فكان يظهر منه ذلك ﷺ لصدر أو لجوف أزيز كأزيز مرجل، يعني: هذه الحركة. وهذا الصوت الذي يجري عند الغليان صلوات الله وتسليماته عليه وأصل المادة يدل على هذا لذلك يقال مجلس الأزز، يعني: ضيق كثير الزحام وأصل المادة كما يقول الدكتور جبل يدل على ازدحام الأشياء وتضاغطها لقلة الفراغ بينها، يعني: يضغط بعضه على بعض دون أن يوجد بينهما فراغ حينما تكون الأشياء متعاقبة فتمتلئ دون أن يكون بينها فراغ فحينئذ يقال لها: أززا ويلزم ذلك حركة التموج فيكون هناك تموج والاضطراب كالناس في البيت والمجلس وأزيز القدر صوت حركة احتباس ما فيها، يعني: كأنه يحدث احتباس فحينئذ تحدث الحركة إذ يتمدد بالغليان ويتطلب ويتدافع ليخرج ليفور فيرده محيطها وغطاؤها.
وهذا تضايق وازدحام، ومن معنى ذلك الأززة بمعنى التهيج والإغراء والحث فلذلك معنى قوله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ معناه تدفعهم بالوسوسة التي تهيج على المعاصي والشهوات وتحرك إليها نعوذ بالله من ذلك فالتعبير القرآن جاء تأزهم أزة، يعني: أن الشيطان يزعجهم ويحركهم ويجعلهم يضطربون فيتركون طاعة ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وجاء التأكيد بالمصدر المؤكد تأزهم أزة، يعني: تزعجهم إزعاجة.
نسأل الله السلامة ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- تعليق: من مجالس التعليق على تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الأندلسي رحمة الله تعالى — كتاب: «تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب». الذكر في الدرس: تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب. ↩
- آية: ﴿ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: طه 31 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 74 ↩
- آية: ﴿فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 29 ↩
- تعليق: لكن أبا حيان في البحر المحيط قال خلاف ذلك. — كتاب: «البحر المحيط». الذكر في الدرس: البحر المحيط. ↩
- تعليق: وهذا أيضًا قرره السمين الحلبي في الدر المصون. — كتاب: «الدر المصون». الذكر في الدرس: الدر المصون. ↩
- آية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — الأنعام: 74 ↩
- تعليق: والذي ذكره الزبيدي في تاج العروس بالمناسبة في تارح هنا قال تارخ بالخاء المعجمة ﴿وَقِيلَ﴾ بالمهملة على وزن هاجر — كتاب: «تاج العروس». الذكر في الدرس: تاج العروس. ↩
- تعليق: وعبارة الزجاج في كتاب معاني القرآن وإعرابه وليس بين النسابين خلاف والذي في القرآن ذكر — كتاب: «معاني القرآن وإعرابه». الذكر في الدرس: معاني القرآن وإعرابه. ↩
- تعليق: ثم قال الزجاج والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر هذا كلام الزجاج في كتابه. — قول: «الذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر». الذكر في الدرس: الزجاج. نسبة الشيخ: معاني القرآن وإعرابه. ↩
- حديث: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة» — نسبة الشيخ: البخاري ↩
- تعليق: بعد ذلك ننتقل إلى كلمة أخرى أو إلى الكلمة التي تليها وهي كلمة إصرا قال أبو حيان رحمة الله تعالى الإصر الثقل والعهد — قول: «الإصر الثقل والعهد». الذكر في الدرس: أبو حيان. ↩
- آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩
- آية: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ — البقرة: 286 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 81 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 157 ↩
- آية: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 157 ↩
- آية: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩
- آية: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ — البقرة: 286 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 70 ↩
- تعليق: قال الهمزة والسين والراء أصل واحد وقياس مضطرد وهو الحبس وهو الإمساك من ذلك الأسير — قول: «الهمزة والسين والراء أصل واحد وقياس مضطرد وهو الحبس». الذكر في الدرس: ابن فارس. ↩
- تعليق: فلذلك قال الراغب الأسر الشد بالقيد من قولهم أسرت القتب وسمي الأسير بذلك — قول: «الأسر الشد بالقيد». الذكر في الدرس: الراغب. ↩
- آية: ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ — الإنسان: 8 ↩
- آية: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ — الإنسان: 8 ↩
- تعليق: فقال: وشددنا أسرهم أي: خلقهم يقال امرأة حسنة الأسر امرأة حسنة الأسر — قول: «وشددنا أسرهم أي خلقهم». الذكر في الدرس: ابن قتيبة. نسبة الشيخ: غريب القرآن. ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 83 ↩
من سلسلة: شرح وتقريب تحفة الأريب (21 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة
- تفسير سورة آل عمران
- تفسير سورة الأعراف
- تفسير سورة الأنعام
- تفسير سورة الأنفال
- تفسير سورة الفتح