تفسير سورة فصلت جزء2 لفضيلة ال
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
إثبات بشرية النبي ﷺ مع الخصوصية بالوحي والتوحيد
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة فصلت. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ2 إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾3 (فصلت: 6-8)
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ4 إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾5 (فصلت: 6) فالنبي ﷺ يأمره ربه عز وجل بأن يوجه خطابه لأولئك الذين. قالوا له فاعمل إننا عاملون
يبين لهم أنه لا يملك شيئًا من هدايتهم أعني من توفيقهم لأنَّ الذي بيده التوفيق والتسديد هو الله عز وجل وإنَّما يعلن النبي ﷺ أن مهمته مقتصرة على تبليغ الدعوة. وأما سوى ذلك من انتفاعهم بها أو عدم انتفاعهم بها فليس إليه
فقال: له ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ (فصلت: 6) ﴿أَنَّمَا﴾ أنا بشر مثلكم فهو بذلك يثبت ما يزعمون أنه طعن في الرسالة فأهل الشرك دومًا يقولون لا يصلح أن يكون الرسول من البشر فهو يقول ﴿أَنَّمَا﴾ أنا بشر مثلكم
. ولكن الفرق بيني وبينكم أنه يوحى إلي دونكم فالرسول يوحى إليه. وأما عموم البشر فإنَّه لا يوحى إليهم هذا الوحي الخاص وإنَّما يوحى إلى الأنبياء والرسل ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾. ولذلك لما شوَّش بعض أهل الشرك على الرسل والأنبياء
وقالوا ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾6 (إبراهيم: 10) ردت الرسل، قال لهم رسلهم ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾7 (إبراهيم: 11) نحن لا ننكر أننا بشر ولكننا نقول إن الله قد من علينا بما لم يمن عليكم إذ أوحى إلينا دونكم
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ (فصلت: 6) يوحى إليَّ أي: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الله عز وجل ﴿أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ (فصلت: 6) وقوله: أنما إلهكم إله واحد أنما هنا تفيد ما تفيده ﴿أَنَّمَا﴾ على المرجح عند أهل اللغة فتفيد أيضًا القصر
أنما إلهكم إله واحد مساوية ﴿أَنَّمَا﴾ إلهكم إله واحد وأيضًا جاء تأكيد هذا المعنى بكون الجملة اسمية وإلهكم معرف بالإضافة فإنما إلهكم إله واحد وجاء وصف الخبر بواحد فهو يدل على إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية
﴿يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ﴾ فاستقيموا إليه أي: إذا كان الأمر كذلك. وقد أوحى الله عز وجل إلي بأن أبلغكم أن إلهكم وهو الله إله واحد سبحانه وتعالى فاستقيموا إليه واستغفروه وجاءت التعدية بإلى
تضمين الاستقامة معنى التوجه والإخلاص لله
مع أنَّ الاستقامة قد تتعدى باللام فلم يقل فاستقيموا له. وقد جاء ﴿فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ﴾8 (التوبة: 7) قال هنا فاستقيموا إليه واستغفروه فقال: فاستقيموا إليه قال عدد من أهل العلم ووجه ذلك أن الاستقامة هنا تضمنت معنى التوجه
فمعنى فاستقيموا إليه أي: فتوجهوا إليه فاستقيموا إليه. يعني: توجهوا إليه كما قال الخليل إبراهيم ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾9 (الأنعام: 79) فتعدت الاستقامة بإلى لتضمنها معنى التوجه فاستقيموا إليه. يعني: توجهوا إليه
توجهوا إلى الله عز وجل توجهوا إليه وفي قوله. أيضًا فاستقيموا إليه دلالة على الغاية استقيموا ولتكن استقامتكم منتهاها الله عز وجل. فهذا فيه معنى الإخلاص
فاستقيموا إليه أي: حققوا الاستقامة بالتوجه إليه وقصده والإخلاص له عز وجل فعلم من ذلك أن الاستقامة لا تتحقق بدون الإخلاص فلا استقامة إلا بإخلاص فاستقيموا إليه
أي: سيروا على الصراط المستقيم بالتوجه إليه وقصده بتحقيق الإخلاص له عز وجل فاستقيموا إليه وقال بعض العلماء: ﴿أَنَّمَا﴾ تعدت الاستقامة بإلى لتضمنها معنى الإنابة فمعنى فاستقيموا إليه أي: أنيبوا إليه أنيبوا إليه من شرككم
فالرسول ﷺ يوجه خطابه لأولئك الناس الذين لم يعرفوا ولم يذوقوا حلاوة ولا طعم الإيمان ولا حلاوة تلك الرسالة الغراء المباركة ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ﴾ توجهوا إليه وأنيبوا إليه
واستغفروه وويل للمشركين أنيبوا إلى الله وتوجهوا إليه وأفردوه بالعبادة وأخلصوا له سبحانه وتعالى وفي قوله واستغفروه دليل على أن العبد وإن استقام فلا يسلم من تقصير
قرن الاستغفار بالاستقامة ل جبر التقصير البشري
في قوله واستغفروه بعد الأمر بالاستقامة دليل. والله أعلم على أن العبد مهما استقام فإنَّه لا يسلم من تقصير. وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام «استقيموا ولن تحصوا». يعني: لن تطيقوا
لن تبلغ منتهى منتهى الاستقامة. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام قال «سددوا وقاربوا» «سددوا وقاربوا» فقال: هنا فاستقيموا إليه واستغفروه أي: حاولوا الاستقامة ولكنك. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المستقيم لا تسلم من تقصير فماذا تصنع
يوجه إليك الأمر بالاستغفار واستغفروه واستغفروه من الشرك الأكبر والأصغر ومن عموم الذنوب والمعاصي ﴿فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ وويل للمشركين وعيد للمشركين
خبث العقيدة ومنع الزكاة والكفر بالآخرة
وَلَمْ يُقَلْ وَوَيْلٌ لَكُمْ وهم المخاطبون وهم مشركون إِنَّمَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِاسْمِ الشِّرْكِ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ للدلالة على أن هذا الويل الذي توعدهم الله عز وجل به ما ظلمهم الله فيه وإنَّما هو بسبب خُبْثِهِمْ وشِرْكِهِمْ الويل لكم بسبب شرككم وويل للمشركين
﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ جاء بعد ذكر الشرك ذكر منع الزكاة ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾. وذلك أنَّ من كانت عقيدته خبيثة
نتجت عنه الأعمال الخبيثة. كذلك فالعقيدة الصحيحة تنتج أعمالًا صحيحة والعقيدة السيئة الخبيثة تنتج أعمالًا خبيثة فالمؤمن يعمل الصالحات
والكافر المشرك يعمل الطالحات الذي لا يوقن بالدار الآخرة يفعل ما بدا له فيرتكب المحرمات ويترك الخيرات فناسب هذا والله أعلم أن يقول الله الذين لا يؤتون الزكاة فهم جمعوا بين خبث العقيدة وخبث العمل ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾. وقد اختلف المفسرون في معنى: قوله الذين لا يؤتون الزكاة. وذلك أنَّ سورة فصلت سورة مكية. وقد قال عدد من أهل العلم إن الزكاة ﴿أَنَّمَا﴾ فرضت بالمدينة ففسر بعض المفسرين الزكاة المذكورة في السورة الكريمة بزكاة النفس
فمعنى الذين لا يؤتون الزكاة على قولهم أي: الذين لا يزكون أنفسهم أي: لا يطهرون أنفسهم كقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾10 (الشمس: 9-10) ﴿فَٱلَّذِينَ لَا﴾ يؤتون الزكاة. يعني: لا يزكون أنفسهم ولا يطهرونها من الشرك وأبى ذلك بعض العلماء
وقالوا وإنَّما الزكاة هنا الصدقة الذين لا يؤتون الزكاة. يعني: الذين لا يتصدقون يمتنعون عن فعل الخير وقال آخرون: بل الزكاة هي الزكاة لأنَّ هذا هو الأشهر في استعمالها فالأشهر في استعمال الزكاة أن تكون بمعنى الزكاة المفروضة وهو الأقرب. ثم إن استعمال الإيتاء معها مناسب لذلك
الذين لا يؤتون فكلمة آت الزكاة تطلق على الزكاة المعروفة وهي الفريضة فيكون قوله الذين لا يؤتون الزكاة. يعني: الذين لا يؤدون الزكاة المفروضة الذين لا يؤدون الزكاة المفروضة. وهذا هو الصواب والله أعلم. وأما كون الزكاة
لم تفرض بمكة فالصحيح
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 6 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 6-8 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 6 ↩
- آية: ﴿أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 6 ↩
- آية: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 10 ↩
- آية: ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 11 ↩
- آية: ﴿فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 7 ↩
- آية: ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 79 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 9-10 ↩