تفسير سورة النمل جزء2 لفضيلة ا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- سوء عذاب منكري المعاد وخسرانهم وتزيين سوء العمل بين القدر وسعي الشيطان
- تلقي النبي ﷺ للقرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ والفروق اللغوية بين لدن وعند
- مسير موسى بزوجه وإيناس النار لطلب القبس والهدى وأدب استئناس الأهل
- دخول الزوجة في مسمى الأهل قطعًا ودحض مزاعم إخراج أمهات المؤمنين من آل البيت
- بركة نداء الوادي الأيمن وتنزيه الرب وإثبات تكليم الله الحقيقي لكليمه موسى
- اصطفاء موسى بالرسالة وبلاغة ضمير الشأن في إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
- معجزة اهتزاز العصا كأنها جان والجمع بين أوصافها وتولِّي موسى بالخوف الجبلي
التفريغ النصي الكامل للدرس
سوء عذاب منكري المعاد وخسرانهم وتزيين سوء العمل بين القدر وسعي الشيطان
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فهذا هو الدرس الثاني في تفسير سورة النمل. وقد توقف الحديث في الدرس الماضي عند قول الله سبحانه. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾2 (النمل: 4) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾3 (النمل: 5) ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾4 (النمل: 6) قال جل وعلا
الإيقان بالآخرة من صفات المؤمنين لأنَّهم يوقنون بالآخرة ويقرون بما فيها بما جاء مثبتًا في كتاب الله وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ
أما أهل الكفر والطغيان فهم لا يقرون بالآخرة لا يقرون بالآخرة فما حالهم وما وصفهم قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ لا يؤمنون بالآخرة وهم الكفار ذكر صفة بارزة من صفاتهم زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ لا يؤمنون بالآخرة أي: بالدار الآخرة
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أي: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ الْقَبِيحَةَ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ أَعْمَالَهُمْ لَهُ وَصْفٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرٌ أَعْمَالَهُمْ الْقَبِيحَةَ أو أَعْمَالَهُمْ الْمَذْمُومَةَ الْمَقِيْتَةَ زَيَّنَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُم
أن يريه الحق حقًّا وأن يرزقه اتباعه وأن يريه الباطل باطلًا وأن يرزقه اجتنابه فإذا رأى العبد الحق باطلًا ً أو رأى الباطل حقًّا. فإنَّ هذا من تزيين الشيء عليه واختلاط الأمر عليه. نسأل الله السلامة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (النمل: 4). وقد تقدم أنه قد جاء في بعض المواضع أن المزين لهم هو الشيطان ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾5 (النمل: 24) وتقدم الجمع. كذلك لا تعارض بين الأمرين
في بعض المواضع المزين الذي زين لهم ذلك هو الشيطان وفي الآية التي معنا إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ. والمراد به الله جل وعلا زينا لهم أعمالهم هذه ذل على الله - تبارك وتعالى لا تعارض
إذ يقال إن المزين حقيقة هو الله جل وعلا لكن الشيطان سبب في ذلك فهم اتخذوا الشيطان سبيلًا وسبباً ومنهجاً فمن أجل ذلك وقعوا فيما وقعوا فيه؛ وإلا فتزيين الشيطان وعصيان العصاة وكفر الكفار وفجور الفجار كل ذلك لا يكون إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: فهم في عمه وفي تردد وفي تحير فهم يترددون وهم يتحيرون هكذا يشكون في الأمر لا يدركون أهم على صواب أم على خطأ هذا في بعض الأحيان وفي بعض الأحيان يجزمون بأن الباطل حق وأن الحق باطل ونسأل الله السلامة
وسبب ذلك عدم الإيمان باليوم الآخر. وهذا. يعني: أن العقيدة الصحيحة تؤثر على أصحابها كما أنَّ العقيدة الفاسدة تؤثر على أصحابها صاحب الاعتقاد الحق يفهم حقًّا بفضل الله ومن أجل ذلك يعمل حقًّا وصاحب الاعتقاد الفاسد يعمل خبيثًا ويظن أنه على صواب
فمبتدأ الأمر وأصله وقائده الاعتقاد الصحيح إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ. فهذا ثمرة لعدم الإيمان باليوم الآخر. وأما ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ باليوم الآخر فإنَّه يبصر الحقائق ويضع الأمر في مواضعها ويطيع الله ويطيع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهكذا
فالإيمان باليوم الآخر سبب في فعل الخيرات وترك المنكرات كما أنَّ عدم الإيمان باليوم الآخر سبب في الضلال والفساد إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (النمل: 5) أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ
قال كثير من أهل التفسير سوء العذاب هنا في الدنيا يتمثل في أمور منها القتل. ومنها الأسر ومنها غير ذلك فأولئك ﴿ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ﴾ أي: لهم العذاب السيء أي: الذي يسوؤهم والذي يشينهم الذي يقضي عليهم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾
فهم في الدنيا في عذابٍ سيءٍ أن يسيئهم من القتل والتشريد ومن الجوع والقحط وما إلى ذلك. أي: أن الله عز وجل يبتليهم في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل وما إلى ذلك أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ هذا عذابٌ في الدنيا. وهذا عذابٌ في الآخرة
﴿وَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ هكذا «هم» التي هي ضمير فصل تدل على تأكيد هذا الأمر وتقرره أي: هم لا غيرهم الأخسرون هم أخسر الناس وقوله: الأخسرون على وزن الأخسر على وزن أفعل التفضيل. فيقال فلان خاسر وفلان أخسر فلان ضال وفلان أضل فلان عالم وفلان أعلم
فهناك خاسرون وهؤلاء أخسرون فالذي لا يؤمن بالدار الآخرة كافر بالله العظيم فهم الأخسرون أنهم يدخلون النار ولا يخرجون منها. وقد يصاب بعض الناس بشيء من الخسران كعصاة الموحدين ممن قضى عليهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ بعذابه على قدر ذنوبهم أو يعذبون ما يعذبون
وقال ﴿وَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾. ثم قال جل وعلا. وهنا قال الأخسرون وذكر أهل الإيمان فوصفهم بالفلاح فأهل الإيمان هم المفلحون وأهل الكفر هم الأخسرون ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ وإنك يا رسول الله
لتلقى القرآن أي: لتلقن القرآن يقال تلقى فلان كذا. إذا كان هذا شيئًا إذا كان هذا شيئًا حسيا فإنَّه يلقنه إذا كان هذا شيئًا حسيا أن تقول تلقى هذا الشيء الذي تراه وتحسه. يعني: أنك تعطيه إياه. وأما إذا كان أمرًا غير محسوس فتلقيه بمعنى تلقينه
تقول تلقى مني هذا الكلام هل سيتلقاه منك بأن يأخذه في يده لن يأخذ هذا الكلام في يده وإنَّما يتلقنه ويحفظه عنه. وأما إذا قلت: تلقى مني هذا الشيء. يعني: خذ مني هذا الشيء. وهنا قوله وإنك لتلقى القرآن أي: لتلقن القرآن
أي: الله جل وعلا هو الذي يلقنك القرآن وهو الذي يوصل إليك هذا الكتاب عن طريق جبريل عليه السلام فتسمعه من جبريل. وقد سمعه جبريل من الرب الكريم سبحانه وتعالى وإنك لتلقى القرآن هذا الكتاب العظيم مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وهو الله سبحانه وتعالى أي: أنت يا رسول الله
تتلقى هذا القرآن وتلقن هذا الكتاب من الله ذي الجلال الموصوف بأنه حكيم عليم سبحانه وتعالى فأبشر فأنت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ المبين
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: 6) فذكر الله جل وعلا اسمين من أسمائه وهما الحكيم والعليم. وأما الحكيم فإمَّا أنه مأخوذ من المحكم. يعني: الله عز وجل هو الحكيم أي: المحكم
تلقي النبي ﷺ للقرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ والفروق اللغوية بين لدن وعند
والمحكم أي: المتقن فالله جل وعلا متقن لكل شيء ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْ6ءٍ﴾ (النمل: 88). فالله جل وعلا من أسمائه الحكيم ومن أوصافه الحكمة والحكمة فهو جل وعلا حكيم محكم متقن سبحانه وتعالى وكذلك الحكيم أي: الذي له الحكمة
أي: الذي يحكم بما يشاء سبحانه وتعالى فله الحكمة وله الحكم هو حكيم عز وجل له الحكمة وله الحكم له الحكمة يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها وكذلك هو سبحانه له الحكم
الحكم جل وعلا وعلى ذلك فقوله: له الحكم أيضًا يشمل أمرين له الحكم الكوني القدري وله الحكم الشرعي. يعني: الحكم الكوني ما قدره الله عز وجل وما شاء الله أن يكون كان ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فالله جل وعلا له الحكم
حكم على فلان بأن يعيش كذا وكذا من السنوات وحكم على فلان أن يموت وقت كذا وكذا. فهذا حكم الله يُسمَّى هذا حكمًا كونيا حكمًا قدريا حكم قدره الله قضاه الله جل وعلا
وهناك الحكم الشرعي الذي يشرعه الله جل وعلا ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾7 (الممتحنة: 10) بعد أن ذكر ما يتعلق بهجرة النساء وكذلك حكم النساء الكافرات قال ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. فهذا حكم شرعي فالله جل وعلا هو الحكيم
الموصوف بالعلم سبحانه جل وعلا وهو علم لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان فعلم الله عز وجل لم يسبق بجهل. يعني: نحن نتعلم بعد أن كنا جهالاً
﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾8 (النحل: 78) رب العباد جل وعلا عليم سبحانه وبحمده وكذلك لا ينس شيئًا في كتابه ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾9 (طه: 52) وقال ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾10 (مريم: 64)
قال ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾11 (النمل: 6) تتلقن هذا القرآن تلقاه تلقنه من لدن رب عزيز جليل كريم موصوف بأنه حكيم عليم حكيم سبحانه وتعالى إذ جعلك رسولًا له حكيم في شرعه حكيم في قدره عليم جل وعلا بالذي يرسله إليك وبالذي ينزله عليك
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: 6). وهنا تقدم الحكم أو تقدم اسمه الحكيم على اسمه العليم وفي كثير من المواضع القرآنية يتقدم العلم على الحكم عليم حكيم لكن هنا تقدمت الحكمة على العلم أو تقدم اسمه الحكيم على اسمه العليم ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: 6). وهذا مناسب لتشريعات القرآن الكريم أي: وإنك لتلقى هذا القرآن هذا الكتاب الذي يكذبونك فيه أو الذي لا يقرون لك به
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾12 (الأنعام: 33) يعني: هم يجحدون هذا الكتاب ولا يقرون به فهو حكيم فبدأ سبحانه باسمه الحكيم لبيان أن هذا القرآن جاء بالحكمة وما فيه حكمة. ثم قال العليم أي: هو حكيم وفي الوقت ذاته عليم سبحانه وتعالى وأيضًا فقوله: وإنك لتلقى القرآن
فالذي يتلقى من غيره معناه: أنه يعلم فقوله: وإنك لتلقى القرآن تدل على العلم. ثم جاء ذكر الحكمة ثم صرح بعد ذلك بالعلم وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وهكذا في المواضع
التي يحتاج إلى السؤال عن الحكمة فيها يقدم اسمه الحكيم كما جرى في قصة زوج إبراهيم عليه السلام ومجيء الملائكة وتبشيرهم إياهم أو تبشيرهم زوج إبراهيم عليه السلام بمجيء إسحاق حينما بشرت بذلك ﴿فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾13 (الذاريات: 29)
﴿قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾14 (الذاريات: 30) لأنَّها تعجب. وهذا يستدعي ذكر الحكمة فجاء تقديم الحكمة وقال ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، والله تعالى أعلم.﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: 6) وَلَدُنْ بِمَعْنَى عِنْدَ إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فُرُوقًا
لا تقوم غيرها من الألفاظ بمثل هذا اللفظ الذي يتلفظ به في غالب الأحوال وبعضهم يمنع من ذلك أصله. يعني: أن يقوم لفظ بقيام لفظ أو بلفظ آخر من كل وجه نعم هذا يكون من ذا بالتقريب. يعني: تقول كلمة كذا بمعنى كذا تقول جاء بمعنى أتى لكن في فرق من جاء أو أتى عمل وفعل بينهما فرق
أن لدن يُستعمل في زيادة القرب. وهذا معروف في اللغة ونص عليه غير واحد منهم فلدن تكون في الأقرب ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ يدل ذلك على قرب النبي ﷺ عليه وآله وسلم من ربه
وكذلك من. حيث اللغة فلدن مبنية. وأما عند فإنَّها معربة وكذلك لدن تأتي لابتداء الغاية ولا تجيء إلا لذلك. وأما عند تأتي لابتداء الغاية وتأتي لنهايتها وتأتي لغير ذلك فبينهما فروق فمثلًا تقول
جلست عنده فجلست عنده انتهى جلوسك عند فلان لا يصح أن تقول جلست لدنه
لتدخل لدنه في غير ابتداء الغاية. وهذا فرق من فروقها. كذلك إلى غيرها من الفروق التي ذكرها أهل العلم قال الله ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ والنبي ﷺ فسمع القرآن من جبريل عليه السلام وسمعه جبريل من رب العباد سبحانه وتعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ وكأن هذه الآية. والله أعلم
تمهيد للآيات التي تأتي بعده. يعني: بعد أن بين الله جل وعلا أن الله الحكيم العليم سبحانه وبحمده هو الذي يلقن النبي ﷺ عليه وآله وسلم القرآن وهو موصوف بالحكمة والعلم
فأخبره الله جل وعلا ببعض الأخبار السابقة التي لم يكن لرسول الله ﷺ أن يعلِّمها لولا أن الله عز وجل علَّمه إياها
كما قال ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾. يعني: لولا أن الله علمك ولولا أن الله عز وجل بين لك هذا القصص ما عرفته. ولذلك. أيضًا قال سبحانه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾. وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ وإذا كنت تتلقى القرآن من عند الله من لدن الحكيم العليم فاسمع يا رسول الله ما يقصه عليك ربك من أخبار الرسل والأنبياء السابقين لتأخذ من ذلك الدروس وليستفيد من ذلك أتباعك إذ في قصص الأنبياء عبرة وفي قصص الأنبياء عظات وفوائد
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ما كان حديثًا يفترى. فقال الله جل وعلا بعدها ﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾15 (النمل: 7) فبعد أن بيَّن الله جل وعلا أن القرآن من لدنه من عنده جل وعلا
ذكر للرسول ﷺ بعض الأمور السابقة التي لم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا ذكر الله جل وعلا طرفًا من قصة الكريم موسى عليه السلام. وقد تقدم ذكر كثير مما يتعلق بها قريبًا في بدايات سورة الشعراء وأنتم ترون يا أيها الإخوة الكرام الاشتراك بين السورتين في أمور كثيرة
فسورة النمل سورة مكية وإخبار النبي ﷺ بما وقع لموسى عليه السلام وما وقع من اليهود تمهيد وتوطئة. لما سيكون من أمر الرسول ﷺ حينما يهاجر من مكة إلى المدينة إذ سيواجه أقوامًا آخرين وهم اليهود. يعني: اليهود سيكونون هؤلاء في المدينة لكن أيضًا جاء التمهيد لذلك بذكرهم في مكة تعرف يا رسول الله على سمات اليهود تعرف على أحوالهم على أخبارهم كيف كان تعاملهم مع أنبيائهم. وأما في السور المدنية فازداد التفصيل. ولذلك إذا قرأنا سورة البقرة نرى أخبارا كثيرة وتفاصيل عديدة ذكرها الله عز وجل من أخبار اليهود. وهذا مناسب للمقام الذي فيه الرسول ﷺ إذ كان بالمدينة النبوية
قال إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا إذ كما تقدم مرارًا يرى كثير من أهل التفسير أنها منصوبة بفعل مقدر تقديره أذكر إذ قال موسى لأهله أي: أذكر أذكر يا رسول الله حين قال موسى لأهله إني آنست نارا إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا
وأهله هنا عندنا أو على قول كثيرين من أهل العلم زوجه إذ قال موسى لأهله أي: قال لمن لزوجه وقال آخرون: لزوجه ومن كان معهم لكن الأول أشهر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾
إني آنست ناراً. يعني: أبصرت نارًا إني أبصرت نارًا على بُعد وسيأتينا منها الأنس. ولذلك حسنًا أو هذا من فوائد التعبير بقوله آنست. يعني: أن هذه النار ستؤنسنا
لأنهم في وقت برد وكذلك يأتيهم الظلام والليل والطريق بعيد من مدينة إلى مصر كما قال الكثيرون فعلى ذلك الفترة والمسافة كبيرة وطويلة فيأتيهم الليل ويحتاجون. كذلك إلى ما يستدفئون به فقال: إني آنست ناراً
أي: أبصرت ﴿نَارًا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ سآتيكم منها بخبر. يعني: سآتيكم منها بخبر يخبرنا عن الطريق
ويدلني على الطريق يقول لي امشي هكذا أو امشي هكذا فحينئذ يأتيهم بالخبر بخبر من رجل ثقة ونحو ذلك. وهذا. يعني: نعم
مسير موسى بزوجه وإيناس النار لطلب القبس والهدى وأدب استئناس الأهل
طيب. طيب ماشي. ازاكم الله خير. نسأل الله أن يفرج كربهم. قال ﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. إذًا بخبر هذا الخبر عن طريق هذا المخبر سيعرف كيف كيف يسير لأنَّ لا يضل الطريق. ﴿أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾.
أتيكم بشهاب قبس. يعني: بشعلة من نار تكون على فتيلة أو تكون على عود لعلكم تستدفئون. يعني: إمَّا أن آتي بخبر فأتعرف لكم عن الطريق الذي أصل به إليكم أو الذي أصل به معكم إلى ما نصبوا إليه من الوصول إلى المكان المراد ﴿أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
﴿أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ كجذوة من نار كما جاء في الآية الأخرى أو جذوة من نار لعلكم تصطلون أي: لعلكم تستدفئون يأتي بشعلة نار هذه الشعلة من النار الشهاب يضيء لهم الطريق. وقد قال بعضهم: ما يكون به النور وفيه نار يقال له: الشهاب. يعني: يجمع بين النور والبياض قال بعضهم: ويكون أبيض يقال له: شهاب وأصل إطلاقه كما قال بعضهم: على النجم أصل إطلاق الشهاب على النجم. ثم أطلق. كذلك على النار أو على النور الأبيض. يعني: آتيكم بهذه النار التي نستدفئ بها والتي نبصر بها فنستطيع الوصول إلى ما نريد قال ﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. وهنا قراءتان ﴿أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ ﴿أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. يعني: هناك قراءتان متواترتان القراءة الأولى قال ﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ شهاب قبس بتنوين شهاب والقراءة الثانية بلا تنوين بشهاب قبس على الإضافة بشهاب قبس يكون القبس وصف
شهاب قبس. يعني: مقبوس مأخوذ يبقى يأخذ جذوة شعلة من نار كلام واضح طب بشهاب قبس على الإضافة أي: بشهاب من قبس. يعني: نوعه أنه من القبس لعلكم تصطلون أي: لعلكم تستدفئون
وفي هذا. أيضًا درس وهو أن موسى عليه السلام ما ترك امرأته وانصرف مباشرةً وإنما أعلمها بالذي يريد أن يصنعه. وهذا لا يقدح في الرجل فبعض الناس مثلًا يرى من المهانة أن يخبر زوجه بالمكان الذي يذهب إليه ويرى أنَّ هذا مما لا يليق بالمرأة أن تسأل عنه زوجها
. إذا أخبر الرجل امرأته بالمكان الذي يذهب إليه وبالشيء الذي ينويه أو ينوي أن يفعل. فهذا ليس قادحا فيه ولا في مكانته لكن في بعض الأحيان يكون من الحكمة عدم الإخبار
فالأمور تقدر بقدرها فإذا كان من الحسن ومن اللائق أن يكتم الزوج عن زوجته شيئًا من باب أن لا يضرها أو من باب أن لا يخبرها بخبر يتعبها والرجل يصبر أكثر من المرأة فربما لو أخبرها بخبر شديد لم تتحمل هي فحينئذ يأتي الأمر. كذلك ويكون ستره أولى من نشره
قال لعل ﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ هكذا قال سآتيكم وفي آية القصص قال لعل آتيكم فهنا قال سآتيكم. وهنا قال لعل وسآتيكم أقوى
لأن سآتيكم تأتي مع التحقيق. يعني: سآتي بكذا. وأما لعل كأنه يرجو فإذا قوي رجاء الشخص جزم فقال: سآتي. وقد يأتي. وقد لا يأتي لكن إذا كان الأمر عنده ملتبسًا يقوله
فلعل هذه مراحل مر بها موسى عليه السلام فحينما اقترب أكثر وأكثر بان له الأمر وأنه سيأتي بفضل الله عز وجل بشيء ينفعهم سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وقوله: أو
﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ أو هذه هل يلزم منها ﴿إِلَّا﴾ يأتي إلا بواحد؟ الجواب لا، قد يأتي بالاتنين. يعني: ممكن يسمع الأخبار ويعرف الطريق يعرف الطريق وأيضًا. كذلك يأتي بشعلة النار. إذن هي تمنع من الخلو ولا تمنع من الجمع. فيقال لها: مانعة الخلو وليست مانعة الجمع. يعني: تمنع من أنه ما يجيش بده ولا بده
لكن لا تمنع من أن يجمع بين هذا وإيه وذاك كما يقال مثلًا كُلْ تمرًا أو خبزًا كُلْ تمرًا أو خبزًا هل. هناك ما يمنع من أن تأكل الاثنين لا يمنع كل اثنين لا حرج عليه لكن إذا قلت: لك تزوج فاطمة أو أختها
فهل هذا يجوز الجمع إما هذه وإما تلك. فلهذا الفرق بين الاثنين فيقولون في تزوج هذه أو أختها هذا على سبيل التخيير فلا يجمع بينهما. وأما هذا أو ذاك ويجوز الجمع فيقولون إنها للإباحة
تصتلون هكذا بالتاء لكنَّها صارت طاءً لما كانت بجوار الصاد وهي من حروف الإطباق الصاد والضاد والطاء والظاء تتحول معها التاء إلى طاء كما هو معروف صرفياً قال الله جل وعلا ذاكرًا قول موسى قال ﴿لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾
أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾1617 (النمل: 8) ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾18 (النمل: 9)
قال الله عز وجل فلما جاءها ﴿نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ ومن حوله لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أدخل في الآية أشير. أيضًا إلى فائدة في قوله ﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا سَـَٔاتِيكُم﴾ فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد بالأهل الزوجة فهو عبر عنها قائلًا بماذا سآتيكم. وهذا معناه: أنه قد تخاطب الأهل بصيغة
وكذلك ﴿إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ (القصص: 29) هذا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها كانت وحدها وليس له في ذلك الوقت ولد. والله أعلم بذلك إذ ليس لدينا علم بذلك أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك
والزوجة من الأهل. وهذا واضح وجلي من الآية إذ زوجه معه بلا إشكال الأمر واضح كل ما هنالك هل كان معها غيرها أم لا لكن هل هي موجودة؟ نعم، هذا أمر واضح جدًّا إذ هذا كما جاء في سورة القصص كان بعد تزوجه من المرأة
بعد تزوجه من المرأة التي هي إحدى ابنتي الرجل الصالح وسيأتي الكلام هل هو شعيب. أو لا وأن ذلك لا يثبت به خبر بل ظاهر الأدلة والقرائن تدل على أنه ليس هو والله أعلم. فهذا. يعني: أنه بعد ذلك كانت معه زوجته. فهذا فيه أن الزوجة من الأهل. وهذا فيه ردٌ على الشيعة الخبثاء إذ زعموا أن زوجات النبي ﷺ عليه وآله وسلم لا يدخلن في قول الله جل وعلا ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾19 (الأحزاب: 33) فقالوا أزواج النبي ﷺ لا يدخلن في أهل البيت
لماذا لا يدخلن في أهل البيت قالوا: لأنَّ الصيغة جاءت صيغة جمع ذكور ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ﴾ الرجس عنكم ولم يقل عنكن «عنكن» نون النسوة ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ﴾ عنكم فقالوا خلاص أزواج النبي ﷺ لسن داخلات في ذلك. وهذا خطأ. وهذا فهم باطل. أولًا يقال قد يعبر عن الأهل بصيغة الذكور أو جمع الذكور إذ قال موسى لأهله أمكثوا وكذلك هنا قال سآتيكم فلا مانع من ذلك أصلًا. ثم إن الأهل من حيث إنه لغةً يعامل معاملة الذكور تقول معي أهلي وأهلي يفعلون كذا وكذا وإن كان المراد بذلك النسوة كلام واضح؟ ويدل على دخولهن في الآيات قطعًا أنهن سبب نزول الآيات الآيات ﴿أَنَّمَا﴾ نزلت في أزواج النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسياق الآيات يدل على ذلك يا نساء ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إن اتقيتم فلا تخضعن بالقول وقلن قولًا معروفًا
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ﴾20 (الأحزاب: 32-33) إلى آخر الآيات كل هذا في من في أزواج النبي ﷺ وبعدها قال ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ﴾ إ
فسياق الآيات كان في أزواج النبي ﷺ وما جاء في الرواية الصحيحة من أن النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم وضع كساءً أو كساءً على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي أو أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا ليس فيه ما يدل على أن أهل البيت محصورون في ذلك
﴿أَنَّمَا﴾ فيه أن الحسن والحسين وأن عليا وفاطمة رضي الله عنهم داخلون في أهل البيت لكن لا. يعني: أن هذا موقوف عليهم أو محصور فيهم هذا ليس بصحيح؛ وإلا فإننا نسألهم وأين بقية أهل البيت
ممن لم يضع الرسول عليهم الكساء، هل هم داخلون أو ليسوا داخلين بقية الأئمة الاثني عشر، أهم داخلون أم غير داخلين لم يكونوا تحت الكساء، ومع ذلك تقولون بدخولهم، إذن نقول بدخول من لم يرد في ذلك وورد بدليل آخر،
أكلم بجماعة الذكور ولا جماعة الإناث جماعة الذكور. يعني: الآن رجل يريد أن يكلم رجالًا ونساء. ويقول لهم ولهن اتقوا الله هل يقول اتقوا الله ولا يقول اتقينا الله
سأقول اتقوا الله سيخاطب الذكور. ويقول «النساء شقائق الرجال» طيب وأهل البيت فيهم ذكور ولا ليس فيهم رجال كالحسن كعلي والحسن والحسين فلذلك قال الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ﴾ بما يشمل الرجال والنساء وفيهن أزواج النبي ﷺ عليه وآله وسلم. ويدل على ذلك أيضًا أنه من صيغ الصلاة الإبراهيمية اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد وفي لفظ وهي رواية ثابتة في الصحيح اللهم صلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته
مكان إيه مكان آله. يعني: في رواية اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» ورواية اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته. إذن آله أزواجه وذريته فالأمر واضح بفضل الله - تبارك وتعالى وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى عن الشيعة بإذن الله عز وجل في موضعه
قال الله عز وجل ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾21 (النمل: 8-9) فلما جاءها نودي
فلما جاء موسى عليه السلام إلى هذا الموضع وإلى تلك البقعة يلتمس الجذوة أو يلتمس الشهاب فلما جاءها نودي مَنْ الذي ناداه الله سبحانه دل على ذلك كتاب ربنا في المواضع الأخرى كقوله ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا﴾22 (مريم: 52) فالله ناداه ﴿نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾
نودي أن بورك بورك ﴿مِنْ أَىِّ﴾: من البركة بورك. إذن هناك من بارك وهناك من بورك والفاعل هو الله سبحانه أي: نودي أي: نادى الله قد باركت ﴿مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ فبورك أي: بارك الله من في النار
وبارك قد تتعدى بنفسها. وقد تتعدى بفي فتقول مثلًا بارك الله فلانًا وتقول بارك الله في فلان. يعني: تقول بارك الله علياً محمدًا إبراهيم باركه وتقول بارك فيه فتتعدى بنفسها وبالحال قال نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ أي: بارك الله مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا
قال كثير من أهل التفسير من في النار. يعني: من في مكان النار المكان اللي كان عند النار وهو موسى عليه السلام لأن النار كانت قريبة منه التي يأخذ منها الشعلة التي يريد أن يأخذها من أجل الاستدفاء ومن أجل الهداية. كذلك
من أجل ذلك قال الله ﴿بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾ أي: بارك الله نبيه وكليمه موسى عليه السلام جعله مباركًا ومن البركة أن جعله رسولًا له وأن جعله كليمه نعم قال ﴿أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾. يعني: من في مكان النار هكذا على قول كثيرين من أهل العلم وقال آخرون: يعني: في المكان الذي فيه النار في هذه البقعة ومن حولها
دخول الزوجة في مسمى الأهل قطعًا ودحض مزاعم إخراج أمهات المؤمنين من آل البيت
أي: الملائكة كذا قال بعضهم: وقال آخرون: بالعكس من في النار الملائكة ومن حولها موسى عليه السلام وقال آخرون: بل بارك في هذا الموضع وفيما حوله فبارك الله عز وجل في هذه البقعة وجعلها بقعة مباركة كما في الآيات الأخرى في البقعة المباركة قال الله: ﴿نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾
فلما جاءها نودي فلما جاءها أي: موسى عليه ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ﴾ أي: نودي بأن بورك وبعضهم يقول لا يحتاج إلى الباء وهي تفسيرية لأنَّ النداء بمعنى القول نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا
﴿وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سبحانه منزه عن النقائص جل وعلا سبحانه كلم عبده موسى عليه السلام سبحان ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهذه جملة خبرية يثني الله فيها على نفسه
وينزه نفسه عن النقائص. فيقول: ﴿وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سبحانه تنزيها له عن الولد تنزيها له عن النقائص والشريك سبحانه جل وعلا وقال آخرون: بل هي جملة خبرية بمعنى الطلب أي:
وقال وقال وقال الله لموسى سبح ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يبقى كأنه يقول له يا موسى سبحني سبح ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي: وسبح ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يا موسى فكأنَّه من بدايات ما كلم الله به موسى عليه السلام تعليمه إياه التسبيح
﴿وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وسبحان اسم مصدر ومصدره التسبيح ومعناه: المرور السريع وكذلك التنزيه أي: تنزيه الله جل وعلا عن كل النقائص ﴿وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قال الله فلما جاءها
﴿نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (النمل: 8) وألق عصاك ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وألقِ عصاك، يا موسى، إنه ﴿أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
الله أكبر يكلمه الله - تبارك وتعالى والمعتقد الحق أن الله جل وعلا كلم موسى وسمع موسى عليه السلام الكلام من ربه جل وعلا ليس كما يقول بعضهم من أن الكلام كان في الشجرة أو خلقت أصوات أو ما أشبه ذلك الذي تكلمه الله كلم عبده كلم موسى عليه السلام يا موسى
إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ. وهذا فضل واسع هذا فضل واسع ومنة كبيرة
أن يذهب رجل أن يذهب موسى عليه الصلاة والسلام ولم يكن قد أوتي النبوة النبوة بعد ذلك كما يقول أهل العلم أو كثير منهم استدلالًا بأن هذا أول موضع لذلك للرسالة للإرسال. يعني: لكونه ﴿رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ جل وعلا ذهب موسى عليه الصلاة والسلام
من أجل أن يلتمس هاديًا يهديه الطريق أو من أجل شعلة من النار يستدفئ بها هو وأهله فعاد بالرسالة من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فأي فضل
وأي نعمة وأي كرم. يعني: موسى عليه السلام ﴿أَنَّمَا﴾ مشى تلك الخطوات وذهب في هذا الطريق يلتمس ماذا يلتمس نارًا يلتمس نورًا يلتمس ضياءً يلتمس هادياً هكذا
فإذا بالله جل وعلا يكلمه. فالله عز وجل كلمة. وهذا فضل منه سبحانه وتعالى ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾
إنه هذا الضمير يقال له: ضمير الشأن يفسر بما بعده ﴿إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾. ولذلك تفسيره. وهذا مما يخالف فيه ضمير الشأن بقية الضمائر لأنَّ الأصل أن الضمير يعود عليه
على شيءٍ سبقه على مذكورٍ قبله لا في ضمير الشأن الضمير بيعود على ما بعده يدل على إيه ما الأصل ضمير يعود على ما قبله لا ضمير الشأن يدل على ما بعده وكذلك يا الضمير يعود على كلمة. وهنا ضمير الشأن يعود على إيه جملة
إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ مثل قولنا ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾23 (الإخلاص: 1) ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هو
هو فين اللي أنت تتحدث عنه ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ فهو ضمير فصل على قول بعض العلماء وإن كان فيه بعض كلام ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾. ومنهم من جعل الهاء هنا اسم إنه وقال ﴿أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ الخبر. يعني: الجملة الاسمية في محل رفع الخبر يا موسى ﴿إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ﴾
الحكيم جمع بين العزة والحكمة فهو منيع الجانب القوي الذي لا يقهر ولا يغلب عزة اقتدار عزة شأن عزة قوة عزة امتناع سبحانه جل وعلا إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ فاعتز به فإنَّه سيعزه. وقد كان. وقد كان موسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل موسى عليه السلام قال الله له ﴿إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾24 (الأعراف: 144) ﴿إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ﴾ أعزه الله فقهر فرعون مصر
بركة نداء الوادي الأيمن وتنزيه الرب وإثبات تكليم الله الحقيقي لكليمه موسى
الذي كان يقول ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾25 (النازعات: 24) والذي كان يقول ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾26 (القصص: 38) قهره الله عز وجل بموسى ومن معه من الثلة أو من المؤمنين من أهل الإيمان ممن آمن بموسى عليه الصلاة والسلام
﴿إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ حكيم في قدره حكيم في شرعه ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ﴾27 (الأنعام: 124) يعلم مَنْ الذي يستحق أن يكون رسولاً ومَنْ الذي لا يستحق. فالله جل وعلا كما قال الله ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾28 (الحج: 75)
قال الله له بعدها وألق عصاك
وألق عصاك يا موسى ليكون معك آية لتكون معك آية وحجة وبرهان لتثق في إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ولتستطيع تبليغ الدعوة وأنت مطمئن البال مستريح النفس فهذه مقدمة. لما سيقوم به لأنَّ العصا سيكون لها معه شأن بعد ذلك
ألقي تلك العصا التي تملكها ولم يذكر الله عز وجل لنا شيئًا آخرًا منها من اسمها أو ﴿مِنْ أَىِّ﴾: الأنواع كانت ولو كان في ذلك خير أو فائدة لذكره الله عز وجل ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ29 مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (النمل: 10)
فلما رآها تهتز قال ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ﴾. إذن هنا تقدير لأنَّ ربنا قال وألق عصاك. إذن التقدير إيه
فلما ألقى عصاه رآها تهتز. يعني: وقال ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ﴾. إذن وألق عصاك فألقى عصاه فلما رآها تهتز. يعني: استجاب موسى عليه السلام. وهذا يقال له: إيجاز بالحذف. وهذا. يعني: أن موسى عليه السلام استجاب مباشرةً
ربنا قال وألق عصاك، عمل إيه؟ ألقى عصاه فلما رآها تهتز فلما رآها تهتز ظاهر الآية قال ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا﴾، رآها وهي في يده ولمَّا ألقاها ألقاها في الآيات الأخرى فلما فألقاها فإذا ﴿فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾30 (طه: 20)
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ﴾31 (النمل: 10) أي: تتحرك تحركا شديدًا بشدة واضطراب ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا﴾ جان هي الحية وقال كثير من أهل العلم الحية الصغيرة
الثعبان أو الحية الصغيرة. وهنا ربما ورد إشكال إذ في الآية الأخرى ﴿فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ وحية تسعى. يعني: ثعبان كبير. وهنا كأنها جان. يعني: كأنها ثعبان أو حية صغيرة بعضهم قال. أيضًا الجان حية كبيرة أو متوسطة فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها صغيرة فلا تعارض، قالوا هي في كِبَر الثعبان العظيم وفي خفتها كالجان الحية الصغيرة
الحية. لما كانت كبيرة غالبًا تكون بطيئة لكن هي في كِبَر الحجم مثل الثعبان وفي خفتها وسرعتها مثل الجان فيكون هذا جمعًا بين الوصفين. ولذلك قال فلما رآها تهتز صارت جانا؟ لا، قال كأنها جان
إذًا فإذا هي ثعبان هي ثعبان طب وكأنها جان في ماذا في السرعة في السرعة فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولا مدبرة
موسى عليه السلام مدبرًا جاريًا أدبر حينما رآها تهتز كأنها جان، عصا تُرمى فتتحول العصا إلى حيَّة كبيرة، ثعبان عظيم
فموسى عليه السلام لأنه عبدٌ من العباد ومخلوقٌ من الخلق وهو. كذلك من الناس اصطفاه الله جل وعلا فهناك خوفٌ طبعي لا يقدح في إيمان العبد حينما رأى هذا فتحول إلى حية ماذا جرى ولى مدبرًا ولم يعقب. يعني: ولم يعقب
اصطفاء موسى بالرسالة وبلاغة ضمير الشأن في إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
ولم يعقب فيها قولان. يعني: ولم يرجع. يعني: على طول ولا يرجع أو ولى مدبرًا ولم يلتفت
أنت لما يكون من شدة السرعة لا تلتفت وراءك تقول لو التفتُّ ربما أدى هذا بي إلى الضعف لإنسان ربما. إذا رأى الذي وراه قريبًا منه خاف. وهذا خوف طبعي لا يُلام عليه موسى ولا يقدح فيه كما قال في الموضع الآخر ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾32 (طه: 67)
معجزة اهتزاز العصا كأنها جان والجمع بين أوصافها وتولِّي موسى بالخوف الجبلي
وسيأتي مزيد بيان وتتمة للقصة بإذن الله تعالى في الدرس المقبل هذا والله أعلم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 4 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 5 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 6 ↩
- آية: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 24 ↩
- آية: ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 88 ↩
- آية: ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الممتحنة 10 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 78 ↩
- آية: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ — كما ورد في الدرس: طه 52 ↩
- آية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 64 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 6 ↩
- آية: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 33 ↩
- آية: ﴿فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 29 ↩
- آية: ﴿قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 30 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 7 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 8 ↩
- آية: ﴿نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 8 ↩
- آية: ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 9 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 33 ↩
- آية: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 32-33 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 8-9 ↩
- آية: ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 52 ↩
- آية: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الإخلاص 1 ↩
- آية: ﴿إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 144 ↩
- آية: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النازعات 24 ↩
- آية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
- آية: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 124 ↩
- آية: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 75 ↩
- آية: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَـٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 10 ↩
- آية: ﴿فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 20 ↩
- آية: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 10 ↩
- آية: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 67 ↩
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الأحزاب
- تفسير سورة الأعراف
- تفسير سورة الأنعام
- تفسير سورة الحج
- تفسير سورة الذاريات
- تفسير سورة القصص