مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة النجم جزء7 لفضيلة ا

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 102 من 376 · 22 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. حكمة خلق السماوات في ميزان الجزاء
  2. مضاعفة الحسنات وعدل السيئات
  3. كبائر الإثم واستثناء اللمم
  4. محقرات الذنوب وخطر الإصرار
  5. سعة المغفرة وضعف الإنسان
  6. تزكية النفس وموقف إبراهيم الحربي
التفريغ النصي الكامل للدرس

حكمة خلق السماوات في ميزان الجزاء

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة النجم. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾2 (النجم: 31)

﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾3 (النجم: 32) قال سبحانه ولله مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

فَاللَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَمُلْكُ الْأَرْضِ فَهُوَ مَالِكُهُمَا وَخَالِقُهُمَا وَالْمُتَصَرِّفُ في الشتاء عَزَّ وَجَلَّ مَا الْحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ. السَّمَاوَاتِ. وَالْأَرْضِ قَالَ ﴿لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾

والجزاء هو نتيجة الأمر بالعبادة فهم في الدنيا مأمورون بالعبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾4 (الذاريات: 56)

. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فالجزاء. وهذا معناه: أن الله لم يخلقنا عبثًا ولم يخلقنا هملاً ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾5 (المؤمنون: 115) ﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾6 (المؤمنون: 116)

لم يخلق الله العباد من أجل اللعب ولا من أجل اللهو ولم يخلق السماوات والأرض هكذا بدون حكمة لذلك نفى الله ذلك في مواضع كثيرة. ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾7 (ص: 27)

الكفار يرون أنهم خُلقوا هكذا دون فائدة أو دون حكمة يفعلون ما يشاءون وقال ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾8 (الدخان: 38-39) لا تعارض بين الآيات كلها فالحق هو عبادة الله وتوحيده والحق هو الجزاء الأخروي فهنا قال ليجزي الذين أساءوا بما. عملوا

مضاعفة الحسنات وعدل السيئات

. ﴿وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ ﴿لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟﴾ لأنَّ الله لا يظلمهم شيئًا فَهُوَ يُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ

لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى لم. يقل ويجزي الذين أحسنوا بما عملوا ﴿أَنَّمَا﴾ قال بالحسنى لأنَّ الله يعطيهم من واسع فضله صحيح أنَّ الله سبحانه قال ﴿وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ﴾. تعملون. العمل سبب لكنه ليس عوضاً

العمل سبب لكن لا تكافئه الجنة الجنة أعظم مما يعمل الإنسان فالإنسان مهما عمل فعمله فيه تقصير وهو لا يوفي نعمة الله عز. وجل عليه لذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام «لن يدخل أحد منكم» الجنة بعمله. قالوا «ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله» منه برحمة وفضل

لذلك ربنا قال: ﴿وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ لا يكافئهم على أعمالهم. فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ يعطيهم زيادة منه سبحانه وتعالى. والله يعطي على العمل الصالح على الحسنة عشر حسنات

ويعاقب المسيء على السيئة بالسيئة ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. فالله سبحانه وتعالى قال ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾9 (الأنعام: 160)

أما جزاء سيئة هذا في عقوبات ابن. آدم. أما في حق الله قال ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ولذلك قالوا ما أقبح من غلبت آحاد عشراته. يعني: الإنسان سيئة بسيئة بإثم بوزر واحد والحسن بعشرة ومع ذلك قد تتغلب الآحاد على العشرات

بأن تتغلب السيئات على الحسنات المضاعفات

كبائر الإثم واستثناء اللمم

والحسنى تدل على التفضيل. فيقال في المذكر أحسن ويقال في المؤنث حسنى فهي فُعلى، والمراد بها التفضيل على غيرها من هؤلاء الذين يكافئهم الله بالحسنى قال ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ﴾. والفواحش إلا اللمم الذين يجتنبون يتوقون ويتركون كبائر الإثم

أي: الإثم الأكبر أو الكبير كبائر الإثم أي: الإثم الكبير ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ﴾. والمقصود به كبائر الآثام من ارتكاب المنكرات ثم عطف عليها فقال: والفواحش وهي أفحش الآثام فهم يتجنبون الكبائر سواء أكان ذلك متعلقًا بالآخرين أم بأنفسهم

فيجتنبون الزنا. ويجتنبون الربا ويجتنبون قذف المحصنات ويجتنبون السرقة ويجتنبون أمثال هذه الأوزار من شهادة الزور ونحو ذلك ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ﴾، والفواحش جمع فاحشة وهي ما فحشت واستُقبحت

. واستعظمت وكانت عظيمة عند الله سبحانه وتعالى كما قال ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾10 (الإسراء: 32). فقال الله إنه كان فاحشة شيء بشع لا ينبغي للمسلم أن يرتكبه قال الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾

المراد باللمم صغائر الذنوب. يعني: قد يقعون في الصغائر في بعض أحوالهم فلا يسلمون من الصغائر

فهم يتجنبون الكبائر ويبتعدون عن الكبائر بينهم وبينها سدٌ منيع لكن قد يقعون في بعض. الصغائر من الذنوب. ولذلك الرسول ﷺ كان يدعو ربه اللهم إنك إن تغفر تغفر جمًّا، وأي عبدٍ لك لا ألمَّا

فقوله: وأي عبد لك لا ألمَّا. يعني: لا يسلم عبد من الوقوع في المعاصي أو في صغائر الذنوب من ذا الذي يسلم من بعض الخطيئات أو من بعض الأخطاء الصغيرة فربنا قال إلا. اللمم

لكن ليس معناه: أنَّ الإنسان يبادر بارتكاب اللمم ليس معناه أن الإنسان يُباح له أن يفعل الصغيرة لأنَّها في نهاية الأمر ذنب والأصل أن يجتنب الإنسان. الذنب. لكن كأن الآية تفيد أنت. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن مع حرصك الشديد على أن لا تعصي الله

محقرات الذنوب وخطر الإصرار

فإنَّ الله يوفقك فتسلم من الوقوع في الكبائر لكن قد تقع في بعض الصغائر فهون على نفسك. فالرب كريم والرب غفور لك ليس معناه: أن تبادر أنت بالمعصية الصغيرة

لأن بعض الناس فهم الآية فهمًا مقلوبًا فخرج علينا ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: لبعض الناس كما في بعض. الفضائيات إذ قال لا بأس بالقبلة قبلة الرجل للمرأة الأجنبية لا بأس به وتسليم عليها وهذه الأمور طالما لم يصل إلى الزنا لماذا تقول هذا القول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرجل قال لأنَّ الله قال: إلا اللمم. وهذا لا يصل إلى رتبة الزنا. وهذا لا شك لا يقوله أحد من المفسرين أو ممن يعرف التفسير أو شم رائحة التفسير لأنَّ الآية لا تسوغ الوقوع في اللمم ﴿أَنَّمَا﴾ الآية معناه أنت. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان مهما وصلت من درجة قوية في الطاعة لا تسلم من الوقوع في بعض الأخطاء والدليل أن الله قال بعدها ماذا ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾

المغفرة، هو واحد ترك الكبائر أم من المغفرة محتاجها من اللمم؟ يبقى معنى أنه يقع من اللمم. وذلك اللهم إن تغفر جماً. يعني: غفرانك عظيم فمعناه أنك إذا وقعت في صغيرة تبت إلى الله وأنبت إلى الله واستغفرت الله فغفر لك الله وهو الغفور الرحيم هذا معنى إلا اللمم

. لذلك جاء في الحديث «كتب على ابن آدم حظه من الزن مدرك ذلك لا محالة فالعينان» تزنيان وزناهما النظر. يعني: هذه العين قد تزني وزناها النظر لكن هذا ليس كالزنا الكبير الذي هو إتيان المرأة كما هو معروف بأن يصل إليها ويطأها في فرجها. فهذا هو عين الكبيرة. نسأل الله السلامة والعافية إلا اللمم

على أن العبد لا ينبغي له أبدًا أن يصر على الصغائر أو أن يستمر عليها. فإنَّ الإصرار على الصغائر تصير به الصغائر كبائر. ولذلك قالوا لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار

لا كبيرة مع استغفار إنسان ارتكب الكبيرة لكن تاب ﴿إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ خلاص تاب الله عليك طب. إنسان يصر على الصغيرة الصغيرة مع الصغيرة تصير كبيرة الصغيرة مع الصغيرة تصير كبيرة والإصرار عليها يصيرها كبيرة. أيضًا. ولذلك قال أنس بن مالك رضي الله عنه كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات»

كان بعض الأشياء اللي أنت تقول عليه أدق يا عمي ده حاجة بسيطة بتتكلم فيه إيه. يعني: ده نحصى من غير ألف مرة أنا لبشرب محرم ولبعم محرم كنا نعدها على عهد رسول الله من الموبقات يقول أنس رضي الله عنه والرسول قال. إياكم ومحقَّرات الذنوب «إياكم ومحقرات الذنوب فإنَّ لهن من الله طالبًا» وفي لفظ «فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»

يبقى هي محقرات الذنوب بس صغيرة مع صغيرة قد تكبر. نسأل الله السلامة قال ﴿إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ ربنا سبحانه واسع المغفرة. ولذلك من أسمائه الغفور ومن أسمائه الرؤوف ومن أسمائه الرحيم ومن أسمائه الرحمن ومن أسمائه اللطيف ومن أسمائه الحليم وكل هذه الأسماء تدل على عظيم مغفرة الله. وعفوه وكرمه ورحمته بعبادة سبحانه وتعالى

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾. ولذلك العبد يذنب فيتوب الله عليه ثم يذنب ثم يذنب ثم يذنب، إذا طرق بابه تاب الله عز وجل عليه ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾11 (الزمر: 53) ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾

وجاء هنا ذكر ربك لأنَّ هنا ربوبية رحمة والربوبية تذكر. بجانب. الإنعام وهو من إنعامه عليك أنه يصلحك ويوفقك وإذا تبت إليه تاب عليك لذلك ٱلْحَمْدُ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ فذكر الرحمة بعد الربوبية قال هنا إن. ربك. وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَعْلَمُ بِكُمْ

سعة المغفرة وضعف الإنسان

يعلم ضعفنا يعلم عجزنا أننا ضعفاء قال ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ أنت مخلوق من الأرض مخلوق ضعيف خلقت من. طين. الأرض خلق أبوك آدم من هذا من الأرض ﴿إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ دلالة على ضعفكم ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ﴾ أُمَّهَٰتِكُمْ

وإذ أنتم أجنة، نطفة ثم بعد ذلك علقة ثم مضغة وَهَكَذَ يَصِيرُ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ففي قول ﴿إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ إشارة إلى أصل خلقنا إلى أبينا آدم ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ﴾. أمهاتكم. اللي هم مين بنوا آدم. يعني: أبوك من تراب وأنت من ماء مهين. إذن ضعيف من ضعيف والله يعلم ضعفك فهو رحيم بك إذا تبت إلى الله تاب الله وقال ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾12 (النساء: 28) وخلق الإنسان ضعيف ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ أن يخفف. عنكم قال وخلق الإنسان ضعيفًا هكذا الإنسان ضعيف. والله عز وجل يغفر له

﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ فلا تزكوا أنفسكم. يعني: فلا تمدحوا أنفسكم لا تقول أنا فلان أنا المطيع أنا الصادق أنا المخلص أنا التقي أنا المؤمن أنا المخبت أنا كامل الإيمان لا تسم نفسك بهذا. نعم أنت معك أصل الإيمان وأنت معك أصل الطاعة لكن ليست معك الطاعة المطلقة

ليس معك كمال التقوى لا تقول أنا فعلت وأنا بي كذا وصفتي كذا. فلا. تزكوا أنفسكم لا تثني على نفسك لا تمدح نفسك ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ الله لا يحتاج إلى أحد ليزكيك ﴿أَنَّمَا﴾ هو الذي يزكيك لا يحتاج منك أن. تزكي. نفسك هو الأعلم هو العليم سبحانه وتعالى فقوله: فلا تزكوا. يعني: فلا تمدحوا

لذلك لا تنافي بين الآية وبين قوله عز وجل ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾13 (الأعلى: 14) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾14 (الشمس: 9) طب كيف ربنا بيقول مفلح المزكي. وهنا بيقول فلا تزكوا أنفسكم لا تعارض لأنَّ معنى قوله قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ. يعني: من طهر نفسه التزكية هنا غير التزكية هنا

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. يعني: من طهر نفسه طهر نفسه من الذنوب ومن المعاصي من الأحقاد من الضغائن من الحسد وما إلى ذلك هذه تزكية مطلوبة أما فلا تزكوا أنفسكم لا. تمدحوا أنفسكم. إذن التزكية تزكيتان تزكية محمودة وتزكية مذمومة التسكية المحمودة أن تطهر نفسك

تزكية النفس وموقف إبراهيم الحربي

أن تزكي نفسك بالإيمان بتقوى الله التزكية المذمومة تزكية الثناء والمدح أن تمدح نفسك هو. أعلم بمن اتقى. ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام قال «احثوا في وجوه المداحين التراب»

«أحث في وجوه المداحين التراب» وقال لهذا الرجل الذي أثنى على الآخر «لقد قطعت عنق صاحبك». ولكن أمره أن يقول ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: أحسبه، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا لا تزكي على الله أحدًا وأعلم بمن اتقى سبحانه وتعالى ﴿أَنَّمَا﴾ يثني الإنسان على نفسه أو على. غيره عند الحاجة إلى ذلك

فإذا كانت. هناك حاجة تدعو إلى التزكية فتكون على قدر الحاجة. ومن ذلك ما قال يوسف عليه السلام إني حفيظ عليم ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ إني حفيظ عليم فوصف نفسه لأنَّ المقام يستدعي ذلك ليبين مكانته وقدره وهو. يحفظ أموال الناس

وإلا في الأصل. يعني: مثلًا إذًا احتاج الأمر هم يحتاجون إلى مَن يعلم في هذا الأمر. وأنت ذو خبرة فتقول يا جماعة الخير أنا عندي علم بهذا وعندي خبرة وأستطيع أن. أفيدكم. لماذا؟ لتدلهم على الخير هذا لا حرج عليك لكن أن تقول أنا أعلم من غيري وأنا أفضل، وتريد بذلك مدح نفسك. فهذا هو المذموم سواء أكان فيك أم كان في غيرك فإنَّ الإنسان ﴿أَنَّمَا﴾ يترك التزكية إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك ربنا قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾15 (النساء: 49) الله هو الذي يزكي ولن يظلمك سيعطيك حقك كاملًا غير. منقوص بفضل الله سبحانه وتعالى فلا تزكوا أنفسكم

والآخر. كذلك لا يسمح لأحد أن يمدحه أو يثني في وجهه يقول كما قلت: لا تقول ذلك إلى غير ذلك مما عرفوا به رحمهم الله ورضي الله عنهم. أجمعين ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾

. ثم ذم الله عز وجل هذا الذي أعرض عن طاعته. وهذا الذي استغنى عن طاعة الله سبحانه ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰٓ أَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ﴾16 (النجم: 33-36) لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾. ندخل في هذه الآيات نذكر بأن التزكية المحمودة تطهير النفس. وأما التزكية المذمومة فهي الثناء على نفسه أن يثني على نفسه

وأن يثني على غيره دون حاجة أو دون داعٍ يحضرني. الآن أن إبراهيم الحربي رحمة الله تعالى وهو أحد علماء الحديث ومن الأئمة الأعلام بلغه أن طلابه يقدمونه على أحمد بن حنبل رحمة الله والإمام أحمد الإمام. المبجر المعروف

فجمع تلاميذه. فقال لهم بلغني أنكم تقدمونني على أحمد بن حنبل، قالوا: نعم نراك. كذلك إنك أنت أفضل منه قال لا والله لا أبلغه في علم ولا في زهد ولا في ورع ولا في تقوى ولا في شيء قوموا عني أنتم. طلاب شر وامتنع عن تحديثهم. وكان بإمكان أن يمرر الأمر هكذا لكنه أراد أن ينزل نفسه منزلتها هو لا يصل إلى الإمام أحمد. إذًا لا يُرفع عن هذا القدر له ميزان وله موضعه الذي لا يصل به إلى غيره. فكان الواحد فيهم لا يفرح

بأن يرفع فوق قدره وإنما يحب ويسعى أن يخفى أمره على الناس. ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في صحيح الإمام مسلم «إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني»

فهو عبد تقي خفي وصل إلى رتبة عالية وهو. خفي عن كثير من الناس لا يعرف كثير من الناس قدره ولا فضله ولا علَّمه لكنه يبتغي وجه الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يُوفِّقنا لما يحب ويرضى ونكمل إن شاء الله في الدرس المقبل هذا والله أعلم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 31 ↩
  3. آية: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 32 ↩
  4. آية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 56 ↩
  5. آية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 115 ↩
  6. آية: ﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 116 ↩
  7. آية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: ص 27 ↩
  8. آية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ۝ مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 38-39 ↩
  9. آية: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 160 ↩
  10. آية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 32 ↩
  11. آية: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 53 ↩
  12. آية: ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 28 ↩
  13. آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 14 ↩
  14. آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 9 ↩
  15. آية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 49 ↩
  16. آية: ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ ۝ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰٓ ۝ أَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ۝ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 33-36 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة