تفسير سورة الطور جزء2 لفضيلة ا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- الاستفتاح ومرض عمر بن الخطاب عند سماع قوله ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾
- أهوال القيامة في موران السماء ونسف الجبال ووعيد الخائضين
- سوق المكذبين بالإهانة والأغلال وتقريعهم بسؤال ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾
- استواء الصبر والجزع لأهل النار وتمثل شعر الخنساء وعدل الجزاء
- نعيم المتقين ونضارة وجوههم وجمع الفوز بين النجاة من عذاب الجحيم
- باء السببية ورحمة الله في دخول الجنة ونعيم الأرائك
التفريغ النصي الكامل للدرس
الاستفتاح ومرض عمر بن الخطاب عند سماع قوله ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الطور. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل وعلا ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا﴾
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ﴾ ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا﴾ ﴿تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(الطور: 16)
توقفنا عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ وتقدم أن هذه الآية الكريمة أو أن هاتين الآيتين الكريمتين تستحقان من العبد أن يقف معهما وقفات كثيرة. وقد ورد «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه لما سمع هاتين الآيتين من قارئ يتلوهما مرض مرضًا شديدًا حتى صار يعاد لمدة شهر كامل ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا﴾. يعني: يوم تضطرب السماء اضطرابًا شديدًا هذا العذاب ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يتحقق ومتى يقع عند اضطراب السماء وعند قيام الساعة. وقد جاء في القرآن الكريم آيات كثيرة حدثنا الله عز وجل فيها عما يقع للسماء ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾2 (الانفطار: 1) ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾3 (الانشقاق: 1) إلى غير ذلك قال ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا﴾ تضطرب وتتحرك وتتفطر وتتشقق وتصير ﴿وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ قال الله سبحانه وتسير الجبال سيراً. كذلك هذه الجبال المثبتة التي ثبت الله بها الأرض تكون سائرة غير مستقرة ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾4 (التكوير: 3) وكما قال الله ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا﴾5 (طه: 105-107)
وتسير الجبال سيرًا والتأكيد بقوله موراً وبقوله سيرًا للتعجيب من حالهما. يعني: ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا﴾ عجيبًا واضطرابًا عجيبًا
وكذلك يوم تسير الجبال سيرًا عجيبًا. فهذا كله من دلائل قدرة الله عز وجل حينما يختل نظام العالم بعدما كان العالم متسقًا ومنتظمًا نرى الجبال على حالها ونرى السماء على حالها
فيضطرب حال السماء ويضطرب حال الأرض ويضطرب حال الجبال كل ذلك ليدلنا الله على أن أمرًا آخر قد حل بالعباد وهو يوم القيامة. نسأل الله الثبات والتوفيق والسداد
أهوال القيامة في موران السماء ونسف الجبال ووعيد الخائضين
﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ. يعني: يوم تمور السماء وتسير الجبال في هذا اليوم الشديد فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ كذبوا بآيات الله
وَكَذَّبُوا بِرِسَالَاتِ اللَّهِ وَلَمْ يُقِرُّوا لِرُسُلِ اللَّهِ برسالةٍ وَلَا لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ كان شأنهم الخوض في آيات الله والتلاعب والاستهزاء بآيات الله عز وجل ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ يَوْمَ يُدَعُّونَ
وإن قال به كثير من أهل العلم والويل عمومًا مؤذن بالهلاك الشديد فويل وعذاب شديد لهم لهؤلاء المكذبين الخائضين اللاعبين ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾، والدَّعُّ: الدفع
﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾ (الماعون: 2). يعني: يدفعه بشدة فقول يوم يدعون. يعني: يدفعون تدفعهم زبانية جهنم تدفعهم خزنة جهنم إلى جهنم وبئس المصير يدفعون ويساقون إلى نار جهنم ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾6 (مريم: 85-86)
﴿إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ﴾7 (غافر: 71-72) فالأغلال في الأعناق وكذلك قال الله ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ﴾8 (الرحمن: 41) فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي والأقدام فتضم الناصية إلى القدم وتضم. كذلك اليد إلى العنق
وَيُكْسَرُ كَسْرًا وَيُلْقَى بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمٍ. نسأل الله السلامة ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ يُقْذَفُونَ فِيهَا وَيُلْقَوْنَ فِيهَا وَيُقَالُ لَهُمْ هذه النارُ ففي الآية هنا تقدير ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ يُقال لهم هذه النار
التي كنتم بها تكذبون هذه النار كنتم في الدنيا تقولون ليست. هناك آخرة ليس هناك بعث ليس هناك جزاء ليس هناك جنة ولا نار هذه النار أمامكم بل تقاسون حرها
قال الله ﴿هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كنتم بها في الدنيا تكذبون ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أفسحر هذا الذي أنتم فيه هل أنتم مسحورون مُغيَّبٌ على عقولكم فتحسبون أنكم في النار ولستم فيها أفسحر هذا
سوق المكذبين بالإهانة والأغلال وتقريعهم بسؤال ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾
هذا يراد به التقريع والتوبيخ. يعني: هل هذا الذي أنتم فيه سحر أم حقيقة لا شك أنه حقيقة لكن هذا فيه رد على دعواهم في الدنيا كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾9 (الحجر: 14-15)
هأنتم. الآن وأنتم تقاسون حر النار وتذوقون من زقومها وتذوقون من حميمها وغساقها ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أم أنكم لا تبصرون فتظنونها نارا وليست بنار
وكذلك كما كانوا يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾10 (فصلت: 5) ومن بيننا وبينك حجاب بيننا وبينك حاجز فربنا يقول لهم ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ هل أنتم. الآن في وصف العمى لا تبصرون ولا تدركون
هم يرون النار ويذوقونها ويقاسون حرها. نسأل الله السلامة والعافية ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ اصلوها اصلوها. يعني: قاسوا حرها ذوقوها فاصبروا أو ﴿لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا تَصْبِرُوا۟﴾. يعني: سواء عليكم الصبر والجزع صبركم كجزعكم وجزعكم كصبركم لما
لأن الصابر قد يتخفف عنه كثير من الآلام بسبب صبره أما هؤلاء وإن صبروا فلن يخفف عنهم هذا الصبر من الألم شيئًا الصبر في الدنيا قد يخفف من الآلام أنت حينما تصبر في الدنيا وتصابر تنسى كثيرًا من الآلام أما في نار جهنم فصبرهم وعدم صبرهم لا يغني عنهم شيئًا وأيضًا أنت قد تصبر
لأنك تنتظر الفرج وأنت قد تصبر لأنك تنتظر بعد العسر أن يأتي اليسر أما. هناك تصبروا أو ﴿لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
والأمر كما قال الله. أيضًا ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾11 (الزخرف: 39). يعني: لن ينتفع بعضكم ببعض في الدنيا حينما يكون هناك ابتلاء ويشترك فيه كثير من الناس يسلي بعضُ الناس بعضاً
«ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي» حينما قالت الخنساء في أخيها فالإنسان حينما يرى غيره في مصاب مثل مصابه تهون عليه البلية يقول أنا مثل فلان ابتليت وفلان ابتلي طيب هم في النار شركاء هذا في النار. وهذا في النار
استواء الصبر والجزع لأهل النار وتمثل شعر الخنساء وعدل الجزاء
كل واحد من هؤلاء في النار كأنه في النار وحده يقاسي حرها ولا يشعر بتخفيف ولا بتيسير ولا بتهوين في هذا العذاب ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ اشتراك أو عدم اشتراك سواء. يعني: ما يقال فرق بين سجن انفرادي أو سجن مشترك سواء في النار كل سواء مشترك غير مشترك هو يشعر بالألم في أقصى درجاته وكل على حسب ما قدر الله عز وجل له من العذاب. نسأل الله السلامة ﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾
ولذلك قالوا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾12 (إبراهيم: 21) ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾13 (فصلت: 24) يعني: لا ينفعهم الاستعتاب أو التوبة إلى الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾14 (الطور: 16) يعني: لم يظلمكم الله عز وجل لم يظلمكم الله إِنَّمَا ﴿تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـٰذَا﴾ على قدر أعمالكم وبسبب تكذيبكم وكفركم بالله عز وجل قال بعض المفسرين وكأنهم يقولون ولِمَ نقاسي حر النار ولِمَ نَصْلى نار جهنم ولمَّا ولما. فيقال لهم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لم يظلمكم الله وإنَّما أنتم مستحقون لذلك فيكون هذا القصر من قبيل قصر القلب. أي: أن الله لم يظلمهم ويقلب عليهم الأمر وإنَّما هذا بجزاء فعلهم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
ربنا لا يظلم أحدًا، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40) ثم على طريقة القرآن المطردة.
إذًا ذكر الله حال الأشقياء ذكر حال السعداء فيذكر حال الكفار وحال المؤمنين حال الفجار وحال الأبرار فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ﴿فَـٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾
في جناتٍ ونعيم يُنعمون بفضل الله سبحانه وتعالى والنعيم الذي ينعمون به يظهر على بشرتهم هذا أفضل النعيم الشخص حينما يُنعم غاية النعيم يظهر هذا ليس في ملبسه فحسب
وَإِنَّمَا يَظْهَرُ كَذَلِكَ عَلَى بَشَرَتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾15 (عبس: 38-39) وقال الله عز وجل ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ﴾16 (المطففين: 24) ﴿نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾، تنظر إلى وجهه فترى النَّضارة دليلًا على التنعم الذي هو فيه بفضل الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ﴾
جزاك الله خيرًا، فاكهين بما آتاهم ربهم فاكهين. يعني: منعمين بما آتاهم ربهم ومتلذذين. ولذلك قرأ أبو جعفر فاكهين بما آتاهم ربهم فاكهين متنعمين ومتلذذين ﴿بِمَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾
فجمع الله لهم بين الأمرين بين الخلوص والسلامة من النار وبين نيل الجنان. وهذا هو المرغوب فيه. وهذا عين الفلاح
أن يعطيك الله ما تريد وأن يسلمك الله مما تخاف فقال: ووقاهم ربهم عذاب الجحيم. ولذلك قال الحق سبحانه ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ17 فَازَ﴾ (آل عمران: 185) فقد جمع له بين الأمرين: بين الزحزحة عن النار والسلامة منها وبين دخول الجنة وكرر الله عز وجل اسمه الجليل الرب
. فقال: ﴿فَـٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، فكررها مرتين، دلالةً على أن ما هم فيه بسبب ربوبيته فالرب هو المنعم وهو المتفضل أنعم عليهم في الدنيا بنعم دينية ودنيوية
فأنعم عليهم بنزول الكتب على الرسل فأنعم عليهم بالرسالات وبالهداية والتوفيق والسداد وأنعم عليهم بالطعام والشراب واللذة والصحة وما إلى ذلك وتكمل النعمة وتتم المنة بأن ينعم عليهم في الآخرة بالجنة والنجاة من النار. فقال: ووقاهم ربهم عذاب الجحيم
فهو أنعم عليهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ فهؤلاء في الجنان يكونون متكئين وهذه جلسة المنعم فالمنعم يكون متكئًا في جلسته
نعيم المتقين ونضارة وجوههم وجمع الفوز بين النجاة من عذاب الجحيم
دليلًا على أنه في نعمة والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ العَبْدُ»، وكان «صلى الله عليه وسلم» لا يأكل متكئًا ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ﴿فَـٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ نعم
كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ثم قد متكئين على سُرُرٍ مصفوفة. فالله عز وجل يقول لهم كلوا واشربوا. إذن أنت قد وقيت شر النار وشر الجحيم وأدخلت الجنان ﴿وَقِيلَ﴾ لك كل واشرب هنيئًا بما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
فهو أكلٌ وشربٌ يهنؤون به وقوله: كلوا واشربوا هنيئاً هنيئاً وصفٌ لمصدرين مقدرين كأن التقدير كلوا واشربوا أكلًا وشربًا هنيئًا أكلًا هنيئاً وشربًا هنيئاً فاهْنَأُوا بطعامكم واهْنَأُوا بشرابكم بما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
باء السببية ورحمة الله في دخول الجنة ونعيم الأرائك
وقوله بما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب عملكم. والمقصود بالباء هنا ما يقول عنه أهل العلم باء السببية. يعني: عملك سبب في دخولك الجنة لكن الأصل في دخول الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى لذلك يقولون هذه الباء تسمى بباء السببية وليست بباء العوض
لأن عملك ليس عوضًا عن الجنة فأنت قد تعمل وتطيع الله سبعين سنة أو خمسين أو أربعين لكن من يدخل الجنة يخلد فيها فأين عملك من جنة عرضها السماوات والأرض وأين عملك من جنة تدوم وأين عملك الذي لا يخلو من تقصير من جنة لا نقص فيها ولا خلل. إذن العمل سبب. وأما الثمن الحقيقي أو المقابل أو العوض الحقيقي الذي أدخلنا الله به الجنة هو رحمةُ الله سبحانه وتعالى، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ». قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ» فلا تعارض بين الآية والحديث هنا قال بما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال: ﴿وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾18 (الأعراف: 43) قالوا العمل سبب لكن أصل دخول الجنة برحمة الله
التفاضل بين الناس على قدر الأعمال بفضل الله سبحانه وتعالى متكئين على سرر مصفوفة يجلسون هذه الجلسة المباركة المنعمة التي هي جلسة الملوك الذين يجلسون ولا يفكرون في شيء يحزنهم أو يقلقهم وأنّى لهم أن يحزنوا أو يخافوا وهم ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ متكئين على سرر مصفوفة. يعني: مصطفة وقال بعضهم: المراد بمصفوفة متقابلين كما قال في الآية الأخرى ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾19 (الحجر: 47) للتزاور وحتى يرى بعضهم بعضًا ويزور بعضهم بعضًا ويطلع بعضهم على أخبار بعض. وهذا مما يجلب لهم السعادة فأنت قد تكون في مكان عال جدًّا وفي مكان فيه الرفاهية التامة
﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ الإنسان في الدنيا لذته أكل وشراب وشهوة. والله يجمعها له في الآخرة على أكمل صورة وأبهاها
فأكل هنيء وشرب هنيء وزواج بالحور العين وزوجناهم بحور عين وجاءت التعدية في التزويج بالباء على خلاف ما جاء في أمر الدنيا ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَـٰكَهَا﴾20 (الأحزاب: 37) فالتزويج يتعدى بنفسه تقول تزوجتها
ولا تحتاج أن تقول تزوجت بها فالزواج يتعدى بنفسه لكن أحيانًا يتعدى بالحرف ومنه هنا وزوجناهم بحور عين لأنَّ هذا ليس هو الزواج المعهود في الدنيا الزواج الذي يكون عن طريق العقد وما إلى ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هو تزويج بمعنى التلازم والاقتران؛ وزوجناهم بحور. يعني: ليكونوا مقترنين بهم فهذه الحور العين تقترن به وهو يقترن بها بفضل الله سبحانه وتعالى
وزوجناهم بحور عين. نسأل الله الكريم من فضله وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى لتفسير الآية مع ما يتلوها من آيات في الدرس المقبل هذا والله أعلم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانفطار 1 ↩
- آية: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانشقاق 1 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: التكوير 3 ↩
- آية: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا﴾ — كما ورد في الدرس: طه 105-107 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 85-86 ↩
- آية: ﴿إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 71-72 ↩
- آية: ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 41 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 14-15 ↩
- آية: ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 5 ↩
- آية: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 39 ↩
- آية: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 21 ↩
- آية: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًا لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ.﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 24 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 16 ↩
- آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 38-39 ↩
- آية: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 24 ↩
- آية: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 185 ↩
- آية: ﴿وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 43 ↩
- آية: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 47 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَـٰكَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 37 ↩
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة ابراهيم
- تفسير سورة الأحزاب
- تفسير سورة الانشقاق
- تفسير سورة الانفطار
- تفسير سورة التكوير
- تفسير سورة الحجر