مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الطور جزء1 لفضيلة الشيخ

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 73 من 376 · 22 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فقد انتهينا، يا أيها الإخوة الكرام، في اللقاء السابق من تفسير سورة الذاريات وننتقل الليلة إن شاء الله تعالى إلى تفسير سورة الطور

وسورة الطور مكية بالاتفاق ونقصد بذلك أنها نزلت قبل هجرة النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم. وقد تقدم معنا مرارًا أن السورة المكية لها خصائص ومميزات وهي تعنى بالحديث عن الاعتقاد

فتجد في السور المكية حديثًا ً عن الإيمان بالله عز وجل وإثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى كما ترى فيها حديثًا ً عن إثبات رسالة النبي «صلى الله عليه وسلم»

والرد على شبهات المنكرين لها وترى فيها. ثالثًا الحديث عن البعث والنشور وإثبات الجزاء وأن هناك دارًا أخرى

لذلك إذا فتحت المصحف سترى ذلك وتلحظه جلياً في السور المكية لذلك الحديث عن الآخرة وإثبات يوم القيامة وما إلى ذلك تراه أكثر في السور المكية. ومنها السورة التي معنا: سورةُ الطورِ

ففيها حديثٌ كبيرٌ عن يوم القيامة عما يقع في هذا اليوم أو ما يصحبه ويتبعه حديثٌ عن الأشقياء والسعداء عن أهل النار وعن حال أهل الجنة هذا من جهة وفي بدايتها أقسم الله عز وجل بعدة أقسام

وبينت تهافتهم فِي مَا يَصْنَعُونَ وَكَذَلِكَ أَفْحَمَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ وفيها آيات جليلة واضحة المعاني والمباني في دلالتها على أن الذي أوجد هذا الكون هو الله وحده وهو المستحق للعبادة وحده سبحانه وتعالى

ففيها قوله جل ذكره ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ﴾ ٱلْخَٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بَل لَّا ﴿يُوقِنُونَ﴾ وبإمكانك أن ترد على الماديين والذين يدعون أن الكون نشأ عن طريق الصدفة

بهاتين الآيتين الكريمتين ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ هل الإنسان خُلِقَ من غير أن يكون له خالق هذا لا يُمكن، كل مخلوق له خالق كما أنَّ كل صنعةٍ لها صانع، فأنت مصنوع مخلوق، إذن لك خالق

﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ أم خَلَقْتَ نفسَك؟ هل يمكن أن يخلق الإنسان نفسه. وقد كان عدمًا لا يمكن. ﴿أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ إذا كنت عاجزًا عن خلق نفسك فأنت كذلك عن ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ أشد عجزًا. ﴿أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾

لذلك جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه. وكان على الشرك كان مشركًا في هذا الوقت ذهب مع بعض المشركين إلى المدينة النبوية ماذا يريدون يريدون أن يقدموا لرسول الله عليه الصلاة والسلام الفداء في أُسَارَى / أَسْرَى بدر. يعني: بعد غزوة بدر ذهب جبير بن مطعم ومعه مجموعة يريدون الفداء أو يتقدمون لرسول الله عليه الصلاة والسلام ينظرون ماذا يريد الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل أن يفتدوا أساراهم أو أُسارى المشركين

فلما دخل جبير بن مطعم وهو على الشرك وقتئذ المدينة وجد الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي صلاة المغرب وسمعه يقرأُ سورةَ الطورِ وهو على الشرك أعني جبيرًا

فلما بلغ الرسول قول الله عز وجل ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ قال كاد قلبي أن يطير وفي لفظ أن يتفطر فزع قلبي

حينما سمع هذه الآيات كاد قلبي أن يطير. وكان ذلك أول ما وقر الإيمان في قلب جبير بن مطعم رضي الله عنه دخل الإسلام هو أتى من أجل أن يفتدي أصحابه من أسرى المشركين سمع الآيات الكريمة وعلم عظمة القرآن الكريم وجلاله لكن كثير من الناس قد لا يشعر بهذا الشعور

لأن أكثر الناس صاروا على الأعجمية لا يدرون شيئًا عن عربية القرآن فلا يتأثرون بمعاني القرآن ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل لذلك ترى في السورة أم أم أم أم تتكرر تلك الآيات ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

وفي ختام السورة الكريمة، سَلَّى اللهُ رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام، واصبر لحكم ربك، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾2 (الطور: 49)،

هذه، يا أيها الإخوة الكرام، مقدمة موجزة عن السورة الكريمة ومقصودها وأغراضها العامة ثم ندخل إن شاء الله تعالى في تفاصيل السورة قال الله جل وعلا

﴿وَٱلطُّورِ وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ ﴿وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ﴾ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ والطور

هذا قسم أقسم الله عز وجل به وتقدم معنا مرارًا أن الله عز وجل يقسم بما يشاء أما نحن فلا يجوز لنا أن نقسم إلا بالله سبحانه وتعالى. إذا أقسمنا فبالله أو بأسمائه وصفاته أما رب العباد يقسم بما يشاء سبحانه

وإذا أقسم الله بشيء. فهذا يدل على مكانة هذا الشيء وإذا أقسم على شيء فيدل. كذلك على مكانة هذا الشيء هنا أقسم الله بالطُّورِ

والطور قال عددٌ كبيرٌ من المفسرين هو الجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى عليه الصلاة والسلام فهو جبلٌ مخصوص وقالوا هو المقصود أيضًا بقوله والتين وطور سينين. ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ﴾ فقالوا المراد به جبل الطور

وقال آخرون: من أهل العلم هذا الجبل له مكانته فهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو موضع خروج عيسى عليه السلام حينما خرج إلى الدنيا. ثم بعد ذلك أرسله الله عز وجل

وقال بعض العلماء: بل الطور المراد به كل جبل وليس المراد به جبلًا مخصوصًا إلا أن الفرق بين الجبل والطور أن الطور يكون فيه نبت فإذا كان في الجبل نبت أو شجر أو ما إلى ذلك قيل له طور فإذا خل من ذلك لم يطلق عليه إلا جبل

فإمَّا أن يكون القسم بالطور لجبل معين وهو جبل ذو مكانة عظيمة أو بالجبال لأنَّ خلق الجبال فيه ﴿مِّنَ ٱلْءَايَـٰتِ مَا فِيهِ﴾

هذا الكتاب مكتوب مسطور منظم، فمسطور أي: مكتوب منظم مؤلف كما هو على نظامه

قال سبحانه وتعالى وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ وَالرَّقُّ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ وَالأَصْلُ أَن يُطْلَقَ عَلَى الْجِلْدِ وَنَحْوِهِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ الْمَكْتُوبُ فأنت قد تكتب شيئًا وتضعه فيه في رقٍّ وقوله: منشور. يعني: واضحٌ جليٌّ غير مطويٍّ

فما هذا الكتاب الذي قال الله فيه وكتاب مَسْطُورٍ قال بعض المفسرين: هو التوراة؛ لأنه مناسب لذكر الطور فيكون المعنى والطور أي: هذا الجبل العظيم الذي كلم الله عليه موسى وكتاب مسطور وهو التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه الصلاة والسلام

وقال آخرون: بل المقصود بالكتاب المسطور القرآن الكريم فهو الكتاب المسطور ﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ فهو كتاب مسطر وهناك نسخة من القرآن الكريم في اللوح المحفوظ كما بين الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾ وكذلك يدل عليه أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه

وقال آخرون: الكتاب المسطور هو صحائف الأعمال الكتاب المسطور. يعني: الأعمال المسجلة المكتوبة عملي وعملك ﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ أي: ﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ يوم القيامة ينشر كما قال الله عز وجل ذاكرًا أن هذا الكتاب ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وبعد ذلك قال وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلْزَمْنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ ﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ وهو العمل

﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ فقالوا. إذن وكتاب مسطور، يعني: مدون وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ ﴿فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ﴾ يا ويلتنا ما لهذا ٱلْكِتَٰبِ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا﴾ وأيضًا ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾. إذن هنا قال وكتاب مَسْطُورٍ كتاب الأعمال وصحائف الأعمال ﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ أي: مدون في كتابه وفي هذا الذي قد دون فيه من صحائف الأعمال. والله أعلم بالصواب فالآية تحتمل هذا كله. وهذا من بديع إعجاز القرآن الكريم وإيجازه أن تأتي اللفظة من القرآن فتكون من قبيل المشترك اللفظي. يعني: كلمة تطلق على أكثر من معنى فتحتمل معنى وتحتمل معنى. ثانيًا وثالثًا قد تأتي قرينة ترجح معنى على معنى. وقد لا نجد قرينة ظاهرة فنقول إن الأقوال كلها محتملة أو صحيحة والآية تتحمل هذا كله

فالقرآن الكريم مسطور وكذلك التوراة مسطورة والكتب المنزلة كتبت وسطرت وكذلك صحائف الأعمال.، والله تعالى أعلم. والطور وكتاب مسطور ﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ والبيت المعمور ذكر الله البيت المعمور

قال بعضهم: البيت المعمور الكعبة وسُمِّيَت بالبيت المعمور لأنَّها تعمر بعامريها وزائريها من الطوافين والزائرين من الحجاج والمُعْتَمِرِينَ

وكذلك ومن المصلين فقالوا البيت المعمور الكعبة لأنَّها معمورة يعمرها الناس بفضل الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ ﴿وَأَمْنًا﴾ (البقرة: 125)

وذهب كثير من المحققين إلى أن البيت المعمور هذا في السماء وهو الذي أخبر عنه النبي ﷺ حينما رأى خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو مسند ظهره إلى البيت المعمور وقال يدخله في كل يوم يدخله سبعون ألف ملك

. ثم لا يعودون إليه، آخر ما عليهم إذا خرجوا لا يعودون إليه آخر ما عليهم ففي كل يوم يطوف حوله سبعون ألف ملك. ثم إذا خرج لا يعودون إليه مرة ثانية. وقد جاء ما يدل في بعض الروايات أنه حيال الكعبة فكأنَّه بمحاذاة الكعبة والعلم عند الله تبارك وتعالى

وَلَمَّا كَانَ الْخَلِلُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الْرَافِعَ لِقَوَاعِدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ كُوفِئَ وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ أن يُسنَد ظهره إلى البيت المعمور فَقَدْ أَقَامَ فِي الدُّنْيَا الْبَيْتَ الْحَرَامِ وَكَذَلِكَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِ

والطور هذا قسم وكتاب مَسْطُورٍ قسم ثان ﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ والبيت المعمور هذا قسم. ثالث والسقف المرفوع رابع والبحر المسجور خامس خمسة أقسام يقسم الله عز وجل بها هذا يدل على عظمة المقسم عليه وعلى أهميته

أما قوله والسقف المرفوع فهو عند جمهور المفسرين السماء فالسماء سقف مرفوع لأنَّ السماء سقف للأرض. والله قال ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. إذن السماء سقف للأرض فقوله: والسقف المرفوع يقسم الله بالسماء

السماء مخلوق عجيب مخلوق من مخلوقات الله العَجِيبَةِ العَظِيمَةِ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ وقال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. فهذا من بديع صنعه سبحانه وتعالى ﴿وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ﴾ وقوله: والبحر المسجور قال بعضهم: المسجور معناه: المملوء

فمادة التسجير تدل على الأمْتِلَاءِ فقول والبحر المسجور كقول ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال بعضهم: المقصود والبحر المملوء. وذلك لأنَّ هذه البحار تمتلئ بالمياه فمَنْ الذي ملأها بالمياه إنه الله سبحانه وتعالى فوصفها بقوله المسجور دلالة على آية من آيات الله عز وجل

وقال آخرون: بل هذا يوم القيامة يكون يوم القيامة وقالوا إن المراد بالمسجور أي: المشتعل نارًا فقول ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ وكذلك والبحر المسجور على قول بعض المفسرين التي صارت ناراً

ذلك أن هذه البحار تفجر وتتحول إلى نيران. وقد قال الله عز وجل ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ إلى هذا ذهب فريقٌ من أهل العلم وقال بعضهم: بل المراد بالتسجير التفريغ

المفرغة التي تفرغ من تلك المياه. وذلك. أيضًا يوم القيامة لكن كثيرًا من المفسرين يقولون والبحر المسجور أو أي: المملوء

وما المقصود به قال بعض المفسرين ربطا بين الآيات كما تقدم في الطور. قالوا: إن الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وكذلك بعضهم قالوا: وكتاب المسطور قالوا إنه التَّوْرَاةُ على أحد الأقوال فقالوا والبحر المسجور بحر القلزم

وهو المكان الذي ركبه موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين وأراد فرعون أن يتجاوزه فلم يتجاوزه وإنَّما كان من المغرقين فقوله: هو البحر المسجور أي: المملوء الذي أفاض فغرق فرعون بسبب ذلك

لكن هذا القول. أيضًا يحتاج إلى دليل والأقرب أن قوله والبحر المسجور جنس البحار وليس بحرًا معينًا، والله تعالى أعلم. أيا ما كان الأمر. فالله أقسم بهذه المخلوقات العجيبة

منها مخلوقات علوية والسقف المرفوع وأيضًا والبيت المعمور فهذه مخلوقات علوية ومنها البحار والبحر المَسْجُورُ ومنها الكتب المسطرة. ومنها الجبال والطور أقسام عديدة ومتنوعة على ما يقسم الله ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾

﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ نسأل الله السلامة ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ليس قسمًا واحدًا قسم يليه قسم يليه قسم ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ وجاءت الجملة أيضًا اسمية وجاءت مؤكدة بإن ومؤكدة بدخولِ الَّلَامِ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾

وفي قول إن عذاب ربك دون أن يقول إن عذاب الله لأنَّ الآيات الكريمة مع كونها تخويفًا وتهديدًا لكن فيها تثبيتا لقلوب أهل الإيمان

لأن المؤمن حينما يرى أنَّ الكافر يسعى في الأرض بالفساد ولا ينال جزاءه قد يضعف فحينما يعلم أن الكافر وإن تمتع في الدنيا ما تمتع. فإنَّ عذاب الله واقع وسيصيبه حتمًا يطمئن فؤاده ويعرف أن ثمة فرقا كبيرًا بين المؤمن والكافر والبار والفاجر وما إلى ذلك

فهو. الآن ثابت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ يرى هذا الكافر يتمتع بمتاع الدنيا فحينما يتذكر ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ يقول خلاص خليه يتمتع زي ما هو عاوز في الدنيا بس ستأتي الآخرة إن عذاب ربك ربك فهو ربه الذي يرعاك سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾

وكما قال الله ﴿لِّلْكَـٰفِرِينَ لَيْسَ لَهُۥ دَافِعٌ﴾ لأنَّ أهل الإيمان يتغمدهم الله عز وجل برحمة لذلك قول ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ هل للجميع هل عذاب الله سينال الجميع

جاء. هناك في المعارج ﴿لِّلْكَـٰفِرِينَ لَيْسَ لَهُۥ دَافِعٌ﴾. وأما أهل الإيمان فإنَّ الله يدرأ عنهم العذاب ويتغمدهم برحمته سبحانه جل وعلا ومنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب. نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه. وقد ذكر أهل السير أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع الآية الكريمة سمع هذا الجزء من الآيات التي استمعنا إليها والطور إلى قوله ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ سمعه وهو يسير في المدينة يتفقد رعاياه يتفقد حال المسلمين فاستمع إلى قارئ يتلوها وهو يحفظها ويعلِّمها

لكن هؤلاء كانوا أحياء في القلوب وربما يقرأ أحدهم الآية فيتجدد له من المعنى ما لم يتجدد سابقًا فمرض بسبب ذلك ما يزيد عن شهر يعوده الناس وليس به مرض وإنَّما هو الخوف والوجل من الآية الكريمة ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾. نسأل الله السلامة والعافية. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من عذابه ويستعيذ بالله من سخطه. وكان يكثر. ويقول ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك، لا أحصي «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» أنت كما أثنيت على نفسك فنتعلم هذا من رسولنا محمد ﷺ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ﴾ ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيكون هذا العذاب يوم تمور السماء ﴿مَوْرًا﴾ (الطور: 9)

﴿وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. نسأل الله السلامة والعافية ونكمل إن شاء الله في الدرس المقبل وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. والله أعلم

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 49 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿وَأَمْنًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 125
  • آية: ﴿مَوْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 9

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة