تفسير سورة الطارق لفضيلة الشيخ
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
فننتقل الليلة إن شاء الله تعالى، يا أيها الإخوة الكرام، إلى تفسير سورة الطَّارِقِ وسورة الطارق سورة مكية وعلى ذلك فنزولها كان قبل هجرة النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم
ونقل عدد من أهل العلم الاتفاق على ذلك قال الله سبحانه والسماء والطارق ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ ﴿ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾
﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ ر﴿رُوَيْدًا﴾
في هذه السورة المباركة سورة الطارق تذكير بالبعث والنُّشُورِ وأن الناس يجزون على أعمالهم يوم القيامة فمنهم من يكونوا على الخيرات. ومنهم من يكونوا في الجانب الآخر سلمنا الله وإياكم
قال الله سبحانه والسماء والطارق ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ النجم الثاقب والسماء والطارق هذا قسم. وقد تكرر مرارًا مثل هذا الأسلوب في كتاب الله سبحانه وتعالى
فهناك ما يُسمَّى بـ القسم في القرآن الله جل وعلا يقسم وإذا أقسم فإنَّه سبحانه وتعالى يقسم على عظيم. والله له أن يقسم بما يشاء. وأما عباده فليس لهم أن يقسموا إلا به عز وجل والسماء والطارق وإذا أقسم الله جل وعلا على شيء فإنَّه يقصد تحقيق هذا الشيء المقسم عليه. إذًا أقسم الله على شيء فإنَّه يراد بذلك تحقيق هذا الشيء المقسم عليه وتأكيده
كما يقصد بذلك التشويق إليه. يعني: لا يتكلم بداية عنه ﴿أَنَّمَا﴾ يقدم له بالقسم فيكون في ذلك تشويق إليه والسماء والطارق ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ ﴿ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾
وتقدم. أيضًا أن للقسم أركانا فهناك المقسم وهناك المقسم به وهناك أداة القسم وهناك جواب القسم أو المقسم عليه فالمقسم هنا هو الله عز وجل الذي أقسم هو الله وبما أقسم الله جل وعلا أقسم بالسماء والطارق. إذن ما المقسم به السماء والطارق
وَمَا الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ هذا هو جواب القسم أو المقسم عليه وأداة القسم الواو
والسماء والطارق أقسم الله جل وعلا بالسماء والسماء ذات مكانة عظيمة ففيها منازل الملائكة وكذلك فوقها الجنة وكذلك فالسماء فيها خيرات كثيرة وفيها الشمس والقمر والنجوم والكواكب أقسم الله بهذا المخلوق العظيم. فقال: والسماء والطارق. ثم قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ النجم الثاقب. إذن هذا من تفسير القرآن بالقرآن فالذي فسر لنا الطارق هو الله عز وجل. وهذا من أعلى وأقوى طرق تفسير القرآن أن يفسر القرآن بالقرآن. وهنا تفسير في نفس الموضع
ليس تفسيرًا من موضع لموضع آخر ففي بعض الأحيان يكون هناك تفسير للقرآن بالقرآن لكن هذا في موضع. وهذا في موضع آخر كقوله سبحانه: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
وقالوا إنهم مذكورون في سورة النساء ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ وَٱلصَّٰلِحِينَ. فهذا في موضع. وهذا في موضع مالك يوم الدين وجاء قوله سبحانه ﴿مَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ لكن هنا تفسير القرآن بالقرآن في نفس الموضع
وكذلك جاء صريحاً. يعني: غير مُحْتَمَلٍ لأنَّ يقال لعل هذا التفسير نشأ عن اجتهاد لأنَّ تفسير القرآن بالقرآن ليس كما يظن بعض الناس يقولون: إن تفسير القرآن بالقرآن لا يدخله لاجتهاد
لذلك فهو في كل المواضع صحيح الجواب لا تفسير القرآن بالقرآن قد يدخله الاجتهاد ليس الاجتهاد في الآية نفسها ﴿أَنَّمَا﴾ الاجتهاد في أن تقول: إن هذه الآية تفسر بهذه الآية مَنْ الذي قال ذلك أنت إذا قلت: إن هذه الآية تفسر بهذه الآية قد تكون مصيباً. وقد تكون مخطئاً. ولذلك فأهل البدع ربما استدلوا على تفسير بعض الآيات ببعض الآيات ويقولون نحن مفسر القرآن بالقرآن لكنهم ليسوا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والصواب فيما ذهبوا إليه لكن هذا الموضع الذي معناه: تفسير القرآن فيه بالقرآن واضح لأنَّ الله قال: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ النجم الثاقب أي: الطارق النجم الثاقب هو النجم الثاقب فجاء على طريق السؤال والجواب. فهذا أمرٌ صريح والسماء والطارق ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ النجم الثاقب أي: الطارق النجم الثاقب أقسم الله بالسماء وأقسم الله جل وعلا بالطارق الذي هو النجم الثاقب وفي قوله ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ تفخيم له
تفخيم لهذا الطارق وكذلك فيه إيهام وفيه. أيضًا تشويق لمعرفته وما ﴿أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ الطارق النجم الثاقب النجم الثاقب وقوله: سبحانه وتعالى النجم الثاقب قال بعضهم: الثاقب أي: المضيء. إذن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ النجم الثاقب أي: المضيء الثاقب المضيء وقال بعضهم: الثاقب أي: المرتفع. إذن النجم الثاقب. يعني: النجم المرتفع يقال هذا شيء ثاقب. يعني: هذا شيء مرتفع ويقال له: ثاقب. أيضًا إذا كان مضيئا
وكلا الوصفين موجود في النجم فالنجم مرتفع وكذلك مضيء ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ أي: المضيء المرتفع
وأصل مادة الثقب تدل على خرق في شيء مُلْتَئِمٍ هذا هو الأصل وكأن هذه النجوم تأتي فتبدو ليلًا وتظهر بعد أن لم تكن ظاهرة
فكأنها تثقب السماء كما أنَّ المسمار يثقب الشيء. ولذلك فالنجوم ﴿أَنَّمَا﴾ تظهر بالليل. وهذا مناسب لوصفها هنا بالطارق لأنَّ الطارق ﴿أَنَّمَا﴾ يطرق في الليل. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى «نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً»
إذا كان في سفر أن يطرق أهله ليلًا لا يطرق أهله ليلًا ﴿أَنَّمَا﴾ يُعْلِمهم فمعنى الطرق. يعني: المجيء في الليل طرقه فقوله: النجم الثاقب أي: المضيء أو المرتفع وسمي طارقًا لظهوره في الليل دون النهار
لذلك فالنجوم تظهر وتضيء بالليل. وأما في النهار فإننا لا نراها وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ وقال بعضهم: النجم الثاقب ﴿أَنَّمَا﴾ سمي ثاقبًا لأنه يرجم الشياطين أو لأنَّ هذه النجوم ترجم الشياطين فهي الثاقبة
. إذن قوله النجم الثاقب أي: النجم المضيء النجم المرتفع وكذلك الذي يظهر بالليل دون النهار الذي يتوقد ويتوهج الذي يدرك الجنيَّ فيثقبه فيقضي عليه كلها معاني صحيحة والسماء والطارق ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ النجم الثاقب. وقد قال بعض العلماء: إن النجم الثاقب المراد به جنس النجوم فعلى ذلك النجم الثاقب أي: النجوم الثاقبة النجوم الثاقبة. وعلى ذلك فلا يقصد بذلك نجم دون نجم
وقال آخرون: بل المراد به نجم معين فقال بعضهم: هو الثُّرَيَّا هو الثُّرَيَّا وقال آخرون: بل هو زحل وقال آخرون: بل هو الشاهد الذي يبدو بعد غروب شمس لأنَّ هذا بداية طروق الناس. وقد كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾
﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ رجل أو مر رجل على قوم وهم في الصحراء مثلًا مروا في بداية الليل يريدون أن يعلموا الناس بوجودهم من أجل قبولهم ومن أجل أخذهم للضيافة فماذا يصنعون فكانوا يطرقون على شيء من الأشياء
فإذا طرقوا على شيء من الأشياء عرف أهل البيت أن ثمت قومًا قادمين فيخرجون إليهم من أجل ضيافتهم. فكذلك الطارق الذي يطرق في بداية الليل فيكون ذلك بعد غروب الشمس
على كل الله أعلم بذلك سواء أقلنا هو الشاهد أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه الثُّرَيَّا أم زحل. فالله جل وعلا قال النجم الثاقب
والنجوم خلق من خلق الله سبحانه وتعالى. وقد أقسم الله بالنجم في مواضع عدة قال ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ وأقسم. كذلك بمواقع النجوم ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ ﴿وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ قال الله والسماء والطارق
وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ. فالله جل وعلا يقسم لنا بهذه الأمور العظيمة الموجودة في الكون والتي يبصرها جميع الناس فالناس مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم لا تخفى عليهم السماء ولا يخفى على أحدهم تلك النجوم
فهل اعتبروا واتعظوا وقالوا إن خالقها على كل شيء قدير وإن خالقها لا يتركنا بلا شرع وبلا جزاء وحساب قال والسماء والطارق ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ ﴿ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾
هذا هو جواب القسم. ما الذي أقسم الله عليه? ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. يقسم الله جل وعلا بالسماء والطارق على أن كل نفس عليها من الله حافظ. ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾.
﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا﴾ والقراءة الأخرى وهي متواترةٌ أيضًا إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ لما ولمَّا ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا﴾ بمعنى إلا إذًا. لما بتشديد الميم بمعنى إلا وتكون إن هنا نافية أي: ما ﴿كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ حافظ
﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا﴾ أي: بمعنى إلا فلما تدخل مع النفي فتكون بمعنى إلا أي: ما ﴿كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ حافظ ليس من نفس من النفوس إلا وعليها من الله حافظ فتكون إن حينئذ نافية وتكون. لما بمعنى إلا. وأما على القراءة الثانية
﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ فتكون إن هنا هي المخففة من الثقيلة عندنا إن التي تفيد التوكيد إن هذه قد تخفف. فيقال لها: إن ويكون أصلها
إن فتخفف ويقال لها: إن وكذلك أن تخفف ويقال لها: أن مثلما نقول «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ». يعني: أشهد أنه لا إله إلا الله فهنا ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أي: إنه إنه
إن كل نفسٍ أي: إنه كل نفسٍ لعليها حافظ وتكون اللام المذكورة هنا تسمى باللام الفارقة، باللام الفارقة التي تفرق بين النافية
وبين المؤكدة التي هي مخففة من الثقيلة فتكون هذه اللام تسمى باللام الفارقة وما هنا تكون للتأكيد وعلى ذلك إنه كل نفس لعليها حافظ فيكون هذا من باب التأكيد أي: ما من نفس من النفوس إلا وعليها من الله جل وعلا حافظ. وهذا هو جواب القسم
﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أي: عليها من الله جل وعلا حافظ حافظ يحفظها. فهذا الحافظ من الله قالوا هو من الملائكة الحفظة
كما بين الله فقال: ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ فهي المعقبات التي تُحفظ العباد بإذن الله سبحانه وتعالى وقال بعضهم: المراد بالحافظ الملائكة الكتبة
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَامًا كَـٰتِبِينَ﴾ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ﴾ كل نفس. لما عليها حافظ. يعني: كاتب يَكْتُبُ أي: أعمالكم يحصي هؤلاء الملائكة أو تحصي هؤلاء أو هؤلاء الملائكة. وهذا فيه أن الله جل وعلا يقسم على هذا الأمر المهم وهو كتابة الأعمال
وحفظ أعمال العباد فالله يقسم بالسماء والطارق على أن أعمال العباد محفوظة وعلى أن أعمال العباد مكتوبة. وهذا القسم. وهذا المقسم عليه يراد منه ما يأتي بعده لأنَّ الأعمال إذا كانت مكتوبة فهي مكتوبة لغرض فهي مكتوبة لحكمة صح ولا لا يعني: هل تُكتب أعمال العباد دون أن يكون ثَمَّ جزاء؟ إذا كانت الأعمال مكتوبة وإذا كانت الأعمال محفوظة. فهذا. يعني: أنه بعد الحفظ وبعد الكتابة حِسَابٌ
فكأن القسم يقصد منه القسم على إثبات الجزاء إثبات البعث والنشور فهو قسم ابتداء على أن أعمال العباد محفوظة وعلى أن أعمال العباد مكتوبة يفهم منه بطريقة التلويح أن المقصود من ذلك
حساب العباد وجزاؤهم وأن. هناك بعثًا ونشوراً ومَرَدًّا إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فهذا القسم يفيد هذا المعنى
لذلك بيَّن الله سبحانه وتعالى أن قضية البعث لا يسع الناس إنكارها وعليهم أن يعتقدوا بصحتها إذ المتأمِّل في نفسه لا يجد في ذلك غرابة ولا يجد في ذلك استبعادًا
لذلك أعقب هذا القسم بذكر بعض دلائل البعث. فقال: ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ﴾ مما إن دافق ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ إنه على رجعه
لقادر. يعني: أعمالكم محصاة وأعمالكم محفوظة مكتوبة ولا بد من بعث ونَشْرٍ / ونُشُورٍ وها هي بعض أدلة البعث وبعض براهينه فلينظر الإنسان مما خلق لذلك جئ بالفاء التي تفيد التفريع على ما سبق واستفيد من المقسم عليه
. إذا كانت أعمال العباد محفوظة فهناك بعث وإذا أردت أن تتعرف على إمكانية ذلك فلينظر ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ﴾ مما إن دافق فلينظر الإنسان مما خلق أي: ﴿مِنْ أَىِّ﴾: شيء خلق
والإنسان هنا عموم الإنسان وإن كان بعض العلماء قال المراد به الكافر لكن الذي ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ عموم الإنسان، عموم الإنسان يُستثنى من ذلك من عرف استثناء كأَبِينَا آدَمَ عليه الصلاة والسلام ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ طبعًا قلت: كأبين آدم ليه في غيره
نعم عيسى عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾
قال الله عز وجل ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ لكن نقول هذا مما يتعلق بآدم عليه الصلاة والسلام باعتبار أنه هو الذي خلقه من تراب. وأما عيسى عليه السلام. فكان بالنفخ في جيب أو في درع مريم عليه السلام فخلق الله عز وجل من ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام
﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أي: ﴿مِنْ أَىِّ﴾: شيء خُلِق. ومما خُلِق كما في قوله أيضًا ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ إذا جاءت ماء وكانت استفهامية ودخل عليها حرف جر فإنَّ الألف تُحذف منها. يعني: حينما تقول لما تأتي بالألف لما لم ومي عليها فتحة وأصلها لما عما يقال عما بدون الألف. كذلك مما فلذلك جاءت هنا أيضًا فلينظر الإنسان مما خلق أي: ﴿مِنْ أَىِّ﴾: شيء خلق خلق مما إن دافق هذا هو الجواب
. إذا جاء السؤال وأتبع بالجواب ﴿مِنْ أَىِّ﴾: شيء خلق مما خلق ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ والماء الدافق قال بعض العلماء: بمعنى مدفوق الماء الدافق هو المني
وقالوا دافق بمعنى مدفوق. قالوا: لأنَّ المني ليس دافقًا ﴿أَنَّمَا﴾ هو مدفوق يدفقه الإنسان يدفعه فالمني مدفوع لا دافع فقالوا: إن دافق فاعل بمعنى مفعول وأحيانًا تأتي فاعل أو صيغة فاعل بمعنى مفعول في عيشة راضية مرضية فقالوا: هذا يأتي بمعنى ذاك. يعني: مثل هذه الصيغة
فقالوا ﴿خُلِقَ﴾ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ أي: مِنْ مَاءٍ مَدْفُوقٍ
واختار بعضهم كسيبويه أن معنى قوله ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي: خُلِق من ماء ذي دفق. فقال: دافق على النسب أي: ذو دفق هذا المني ينسب ويقال ذو دفق وقال بعضهم: بل المني نفسه دافق لماذا؟ لأنه يدفع بعضه بعضاً
تنزل هذه القطرات فيدفع بعضها بعضًا فيكون المني نفسه دافقا ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ يخرج من بين الصلب أما الصلب فهو معروف
وهو ما يُسمَّى بالعمود الفقري أو الفقاري، فيه الفقرات. فهذا هو الصلب، يخرج من بين الصلب كذا قال عدد كبير من أهل العلم ما يكون في صلب ﴿ٱلرَّجْعِ﴾ وفي الحقيقة. قالوا: إن الصلب والترائب للرجل والمرأة لكن الذي عليه الأكثرون أن الصلب هنا صلب الرجل وأن الترائب هنا ترائب المرأة
أن المقصود بالصلب هنا صلب الرجل وأن المقصود بالترائب ترائب المرأة؛ وإلا فبعضهم يقول من بين الصلب والترائب للرجل والمرأة في الاثنين ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ وما المراد بالترائب؟ الذي عليه الأكثرون. أيضًا من أهل العلم أن المراد بالترائب أعلى الصدر
أعلى صدر المرأة وهو ما فوق الثديين وقالوا أيضًا هو موضع القلادة
هو موضع القلادة الموضع الذي تضع فيه قلادتها. إذن يخرج من بين صلب الرجل من ظهره والترائب من تَرِيبَةِ المراد من بين صدرها أو فوق صدرها وفوق ثَدْيَيْهَا وقال بعضهم: بل هو بين النحر والصدر أو بين المنكبين والصدر وقال آخرون: بل المراد بالترائب عصارة القلب
وقال آخرون: بل المراد بذلك عموم الأطراف كأطراف اليدين والرجلين
والذي عليه الأكثرون وهو اختيار الطبري وغيره وقال ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾ المعروف عن العرب أن المراد بالترائب هنا أعلى الصدر. وهذا مروي عن عدد من السلف رحمهم الله تعالى فخلاصة ما يخرج من المرأة والرجل يكون ذلك من الصلب ومن الترائب فالمعنى على ذلك أن هذا المني أصله راجع إلى صلب الرجل وإلى تريبة
المرأة إلى هذا الذي يكون في ظهر الإنسان وإلى هذا الموضع الذي يكون في فوق صدر المرأة أو في صدر المرأة. وقد جاءت بعض الأبحاث التي تبين هذا المعنى وكما تقدم مرارًا فالأصل في ذلك ما جاء في كتابه ربنا سبحانه وتعالى. فإنَّ جاءت حقيقة علمية ووافقتنا في كتاب الله فالحمد لله سبحانه وتعالى؛ وإلا فالمعول عليه ما جاء في كتابه ربنا عز وجل
ولا ينبغي أن يعلق تفسير القرآن بنظريات ربما يثبت خطئها في يوم من الأيام وإنَّما يكون ذلك في الحقائق العلمية التي لا تناقض الكتاب والسنة والتي لا تكون فيها مخالفة لتفاسير السلف أي: مناقضة والتي لا تكون خارجة عما تدل عليه اللغة العربية
﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ فأصل هذا الذي يخرج يخرج من الرجل ومن المرأة مرجع ذلك إلى صلب الرجل وإلى تريبة إلى الترائب من المرأة
يخرج من بين الصلب ﴿وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ وكما لا يخفى عليكم فالمرأة تُمني كما أنَّ الرجل يُمني. وقد دلت على ذلك الأحاديث أوتحتلم المرأة؟ قال: نعم، إذا رأت الماء. فهذا. يعني: أن المرأة تَحْتَلِمُ وأنها ترى الماء. فهذا دل عليه سنة نبينا ﷺ أو أحاديث نبينا ﷺ وأيضًا في قول الله عز وجل
في سورة القيامة ألم يكن نطفة مني يمنى. ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾ الآيات قال الله ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ فعلام التكبر وعلام إنكار البعث الله ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ خلقك من هذا. وقد كنت. كذلك فصورك الله في أحسن صورة
قال ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ إنه على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله على من يعود الضمير في قوله إنه على الله سبحانه وتعالى من أين عرفنا هذا من دلالة السياق طب إنه من قوله خلق استفدنا أن. هناك خالقاً
فلينظر الإنسان مما خلق. إذن هناك خالق خلق مما إن دافق أي: خلقه الله مما إن دافق ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ إنه أي: هذا الخالق عرف هذا بدلالة السياق فخلق تدل على وجود خالق واضح الكلام فأحيانًا الضمير يفهم من السياق أو يعود على مستفاد مما سبق
فمثلًا في قوله سبحانه ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ﴾ لِلتَّقْوَىٰ. يعني: اعدلوا هو أي: العدل أقرب للتقوى فهو الضمير ما يعود على فعل ﴿أَنَّمَا﴾ يعود على المصدر هذا المصدر استفيد من الفعل من الفعل اعدلوا
وأحيانًا لا يعود الضمير على مذكور وإنَّما يفهم منه من السياق كما تقدم في مثل قول سبحانه ولو يؤخذ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ على ظهر ماذا
على قول ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنه أي: القرآن طب أين ذكره لكن هذا معروف في السياق إن الحديث عنه عن القرآن والرد على من أنكر القرآن وما فيه أو يقل إنه أي: هذا المذكور من قضية البعث فيكون مذكورًا باعتبار جملة ما ذكر في السورة المباركة ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ طيب إنه على رجعه
الماء الدافق فلينظر إنسان مما خلق ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ يخرج أي: الماء الدافق ﴿مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ إِنَّهُۥ﴾ أي: الماء الدافق إنه أي: الله على رجعه أي: على رجع هذا المعنى الدافق لقادر قال بعض العلماء: بذلك. قالوا أي: إن الله على رجع هذا المعنى الدافق لقادر
على رجعه لقادر. يعني: على رجع هذا المعنى الدافق. وهذا اختيار عدد من أهل العلم كمجاهد رحمه الله تعالى وكذا عكرمة رحمه الله وعدد من أهل التفسير ثم إنهم قالوا في ذلك أقوالًا فمنهم من قال: إن الله على رجع هذا المعنى الدافق إلى الإحليل لقادر
كما خرج من إحليل الرجل ومن مكانه قادرٌ على إرجاعه يبقى الذي أخرجه قادرٌ على إرجاعه هذا قول، وقال آخرون: ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ أي: على حبسه لقادر أي: هو قادرٌ على أن يحبس هذا المعنى الدافق في العَبْدِ / في الصُّلْبِ فلا يخرج منه ومن ثمة لا يخرج الإنسان
كلام واضح إنه على رجعه. يعني: على منع خروجه أو إنه على رجع عودته إلى ما إلى ما صار إليه أو إلى ما كان عليه في الإِحْلِيلِ وقال بعضهم: إنه على رجعه رجعه أي: رجع الإنسان إليه. أي: أن يرجع الإنسان إلى ماء دافق. يعني: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان لا تَغْتَرَّ الذي خلقك من الماء الدافق وجعلك في هذه الصورة قادر على أن يعيدك إلى صورة الماء الدافق فلماذا إنكار البعث إذن كلام واضح هذه كلها أقوال قيلت في ذلك ومن أهل العلم من قال بل على رجعه الضمير يعود على الإنسان
لأنه المقصود ولأن الآيات فيها تقرير قضية البعث ولأن هذا يشار إليه بما سبق في قوله إن كل نفس. لما عليها حافظ أو لما عليها حافظ. إذن فيكون المعنى إن الله على رجعك. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان بعد مماتك لقادر
فيكون بذلك استدلال فيكون هذا استدلالًا على البعث بخلق الإنسان الأول بخلق الإنسان أول مرة فيكون هذا كقوله كما بدأكم تعودون
وكقوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ والآيات في ذلك كثيرة والآيات في ذلك كثيرة. إذن إنه على رجع الإنسان لقادر كما خلقه أول مرة بهذه الصورة الذي خلقك من نطفة قادر على أن يرجعك بعدما تصير تراباً
وقال بعض العلماء: إنه على رجعه أي: على رجع الإنسان من كبره إلى صغره لقادر قادر على أن يرجع الإنسان من الكبر إلى الصغر أو قادر على أن يرجع الإنسان إلى النطفة هذه أقوال
والقول القائل بأن المقصود إنه على رجع الإنسان. بعد مماته لقادر على إحيائه هو القول الذي رجحه عدد من أهل العلم كالطبري رحمة الله وهو قول الضَّحَّاكِ وقول حسن وفيه إثبات البعث ويكون بذلك في الآية دليل على البعث بما يُستدل به كثيرًا في كتاب الله سبحانه وتعالى أولم يرى الإنسان أن خلقناه من نطفة
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ﴾: ﴿مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ الآيات قال الله ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾
ولو قلت: بالمعنين فلك وجه. يعني: إن الله على رجع المني إلى مكانه لقادر إن الله على رجع الإنسان بعد مماته إلى الحياة لقادر إن الله على إعادة الإنسان من كبَّر إلى صغر لقادر. فالله قادر على ذلك كله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ يوم تُبْلَى السرائر. وهذا. أيضًا يرشح
القول القائل بأن المراد رجوع الإنسان بعد مماته قوله بعدها يوم تُبْلَى السرائر. يعني: معناه: أن هذا الرَّجْعَ مَعَهُ / الرَّجْعَ يَوْمَ يوم تُبْلَى السرائر وما الذي يكون يوم تُبْلَى السرائر رجوع الناس بعده، فهذا أيضًا يرشح هذا القول ويرجحه فيكون هناك مرجح مما سبق وهناك مرجح مما لحق. وهذا ما يسميه العلماء بالسياق السباق واللحاق
﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ يوم تُبْلَى السرائر بعضهم يقول يوم منصوب برجع على رجعه يوم تُبْلَى السرائر لقادر وبعضهم يقول لا يصح ذلك للفصل بلقادر وبعضهم يقول بل المصدر يقوى على ذلك وبعضهم يقول يُقدَّر فعل، أي: ترجع يوم تُبْلَى السرائر وبعضهم يقول بل بفعل أذكر يوم تُبْلَى السرائر
وبعضهم يقول ﴿لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ وهو قادر في كل وقت وآن لكن ذكر ذلك باعتبار أنه أمر يتضح لذي عينين ولهؤلاء المنكرين لقدرته سبحانه عز وجل ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ ترجع يوم تُبْلَى السرائر
ترجع أو ارجعون يوم تُبْلَى السرائر يرجع الناس يوم تُبْلَى السرائر ويوم تبًّا تختبر وأيضًا تبًّا بمعنى تنكشف وتظهر فمعنى يوم تُبْلَى السرائر أي: يوم تظهر السرائر وتبدو يوم تبدو وتظهر وتختبر السرائر والسرائر ما أسره الإنسان ولم يبده
وكما قال الفضيل وغيره لو بلوتنا لفضحتنا وهتكت أستارنا. ولذلك كان بعضهم إذا قرأ هذه الآية وقف عندها كثيرًا يوم تُبْلَى السرائر تنكشف الأمور وتتضح يوم تُبْلَى السرائر ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾
وقوله: يوم تُبْلَى السرائر جدير بالعباد أن ينتبهوا إلى هذه الآية وأن يعيها كل مسلم فعلى كل من تسول له نفسه وتدعوه إلى الرياء أن يستحضر هذه الآية وأن يفهمها يوم تُبْلَى السرائر
الذي يرى الناس يعمل من أجل الناس جدير به أن يتذكر أن السرائر ستنكشف يوم القيامة
إن كان عملك لله. فهذا سيظهر وإن كان لغير الله. فهذا سيظهر وأول مَن تُسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة لا يخفى عليكم أمرهم إذ كانوا مرائين في أفعالهم مع أنَّ أفعالهم من أعظم الأعمال ومن أجل القربات لكنهم كانوا مرائين. نسأل الله السلامة يوم تُبْلَى السرائر
لذلك على المسلم أن يحفظ السريرة وأن تكون سريرته أفضل من علانيته أو كعلانيته لكن لا تكون سريرته دون العلانية يوم تُبْلَى السرائر ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾
هذا مما دعا بعض العلماء إلى تفسير الإنسان السابق ذكره بالإنسان الكافر. قالوا لأنه ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. فهذا فيه زجر. وهذا يناسب من ينكر البعث وهم الكفار وبعضهم يقول الإنسان من حيث هو بغض النظر عن نوعه. فالمراد بالإنسان الإنسان من حيث هو وكذا مضى معنى في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك أي: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان. فهذا في جنس الإنسان من باب تذكيره الإنسان ليعتبر ولِيَتَّعِظَ قال ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ قال بعض العلماء: والفرق بين القوة والناصر أن القوة من النفس والناصر من غيرها أي: ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ﴾ فيه ما عنده قوة ولا منعة ما يستطيع أن يدفع العذاب لنفسه
ولا ناصر ينصره من غيره. يعني: ليست لديه القوة التي تحجبه عن عذاب الله وتحجزه عن ذلك وليس لديه ناصر ينصره فبعض الناس في الدنيا قد تكون لديه قوة تمنعه. وقد يكون ضعيفًا لكن له ايه
وتفيدان العموم. وقد دخلت من وهي تدل على التنصيص في العموم. يعني: عام عام من كل وجه ليس فيه استثناء فما له أي: قوة ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ليست له أي: قوة وليس له أي ناصر، وليس له أحد من الناصرين
﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وأكيد كيدا ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾. إذن بيّن الله سبحانه وتعالى أن البعث حقٌّ وأنه لا ريب فيه واسْتُدِلَّ لذلك بخلق الإنسان ثم ذكَّرنا الله عز وجل أيضًا بدلائل أخرى تدل على البعث والنشور وأيضًا ذكرنا بنعم من نعمة وعطاءات من عطاياه وهي كثيرة تترى قال ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾
﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ قال بعضهم: الرجع المطر أي: والسماء ذات الأمطار
فقيل للمطر رجع. قالوا لأنه يرجع شيئًا بعد شيء وقال بعضهم: يرجع عامًا بعد عام وقالوا: لأنَّ السماء ترجع ما فيها ترد ما فيها تتراكم السحب ويحدث لها ما يحدث بإذن الله ثم تنزل تلك الأمطار فيكون هذا بمثابة الرجع
وقال آخرون: ذات الرزق الرجع الرزق ويذكرنا الله عز وجل بهذه السماء وما فيها من خيرات. والله قد قال ﴿وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ وقال بعضهم: أيضًا في قوله ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ أي: ذات الشموس والأقمار والنجوم التي ترجع شيئًا بعد شيء
فالشمس تطلع وتغرب والنجوم تظهر وتختفي. إذن ذات الرجع تظهر فيها أشياء وترجع تلك الأشياء تختفي وتظهر كذا قال بعض العلماء: وإن كان القول المشهور لدى أهل العلم أن المراد بالرجع المطر ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ أي: ذات التشقق وذات التصدع
وقال بعضهم: ذات النبات تصدع من أجل النبات وقال بعضهم: التصدع الشقوق التي تكون في الأرض
وقال آخرون: أي النباتات التي تنبت وتظهر بفضل الله سبحانه وتعالى وهناك ترابط بين ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ والأرض ذات ﴿ٱلصَّدْعِ﴾ فالأرض تتشقق والنباتات تظهر بعد نزول الأمطار فهناك مطر نازل وهناك نبات خارج وهناك نبات خارج. وقد فسَّر بعض العلماء الفتق بهاتين الآيتين قال الله عز وجل أَوَلَمْ يَرَى ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَـٰهُمَا﴾ بعضهم قال فَفَتَقْنَاهُمَا أي: فتقنا السماء بالأمطار وفتقنا الأرض بالنبات وفسَّروا آية الأنبياء بآية الطارق هذا من تفسير إيه
القرآن بالقرآن طب هذا اجْتِهَادِيٌّ ولا مش اجتهادي اجتهادي. ولذلك كانت ﴿رَتْقًا﴾ فيها عدة أقوال منهما قال فتق السماء بالأمطار والسماء ذات الرجع وفتق الأرض بالنبات وقوله: والأرض ذات الصدع لكن هذا فيه أخذ ورد وإن كان هذا القول له وجهه. والله تعالى أعلم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا أَمَّا بَعْدُ فقال الله تعالى والسماء ذات ﴿ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ إنه أي: القرآن لقول فصل أو إنه أي: هذا المذكور في السورة
من تقرير قضية البعث إن هذا المذكور لقول فصل قول جد ليس فيه لعب لعب. هناك بعث ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ وأيضًا ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي: إن القرآن لقول فصل والفصل أي: الحق القرآن حق وقصصه حق ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾
والرسول ﷺ جاء بالحق إن أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وقال بعض العلماء: الفصل هو الجد إنه لقول جد فيه الجد وفيه الحَقِيقَةُ / الحَقُّ ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ما هو باللعب، القرآن ليس فيه لعب
﴿أَنَّمَا﴾ القرآن قول فيه جد قول جد قول حق ليس فيه كلام لا قيمة له بل كل ما في القرآن حق. ولذلك نفى كثير من أهل التحقيق قول ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بأن في القرآن حرفًا زائدا قصد به التأكيد
طب ما يقصدون زائد بلا فائدة ما يقول أحد بذلك إنه حرف زائد مطلقًا هذا لا يقال في كتاب الله بل إن الذي يعتقد أن في القرآن حرفًا زائدا مما هو معروف من كتاب الله سبحانه وتعالى ومقروء من القراءات المتواترة الذي يزعم أن في القرآن زيادة أو نقصًا فهو كافر بالله سبحانه وتعالى لكن يأتون في بعض الأَحْيَانِ يقول هذا حرف زيادة للتأكيد مثلًا
نفى كثير من أهل التحقيق ذلك. قالوا بل كل حرف له دلالته وهناك من يعلِّمها وهناك من تخفى عليه ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ما هو ﴿بِٱلْهَزْلِ﴾ كله حق بفضل الله سبحانه وتعالى ليس فيه كلام يقال عنه ما قصد به أحقيته ولا قصد به ما هو يدل أو ما يدل عليه
وفي هذا. أيضًا رد على من يزعم أن في القرآن أمورًا ليست حقيقية كهؤلاء الزاعمين بأن في القرآن خيالات وأن في القرآن تخيلات أو تمثيليات ويقولون. هناك قصص في القرآن والقصص القرآن قصص تمثيلي يقولون: إن قصص القرآن قصص تمثيل هذا كلام باطل قصص القرآن قصص حقيقي وما أخبر الله عنه أنه وقع. فقد وقع
﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ إنهم يكيدون كيدًا إنهم أي: هؤلاء الكافرين إن الكافرين يكيدون عرف هذا من السياق مَنْ الذي يكيد للإسلام يكيد للرسول عليه الصلاة والسلام هم الكفار، عُرف هذا ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ يكيدون كيداً
أي: كيدا ضعيفًا فكيدهم كيد ضعيف وأكيد كيدا أي: عظيمًا التنكير قد يكون للتعظيم أو للتقليل والتَّضْعِيفِ أو الضعف فكيدهم كيد ضعيف وكيد الله عز وجل كيد متين وأملي لهم إن كيده متين ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وأكيد كيدا والكيد كيدهم متين
بأن يريد بالرسول ﷺ أو إرادتهم بالرسول ﷺ السوء وتدبيرهم له لمكيدته والقضاء عليَّه تخطيطهم وإبرامهم الأمور
لكنه سبحانه وتعالى يأخذهم أَخْذَ عزيز مقتدر كما قال النبي ﷺ إن الله لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت وبعض الناس يأتي عند هذا الموضع وأمثاله. فيقول: لا يثبت لله كيدا وإنَّما يقول هذا من باب المشاكلة اللفظية. وهذا ليس بصحيح بل نثبت لله ما أثبته نقول قال الله وأكيد لهم كيدا وكيد الله لهؤلاء الكافرين مدحر
هذا متح. ولذلك يأتي هذا على المنوال الذي جاء فيه وينكرون وينكر الله ما يقل صفة مطلقة ﴿أَنَّمَا﴾ صفة مقيدة حيث جاءت ينكر بهؤلاء الماكرين فنثبت لله جل وعلا ما أثبته ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وأكيد كيدا وكيد الله كيد عظيم قال ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ وأكيد كيدا ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾ فمهل الكافرين تمهل عليهم واصبر ولا تتعجل أمهلهم تأكيد لمهل. ولكن جاءت المغايرة في اللغة قال بعضهم: قصد بذلك مزيد تصبيره مهل وأمهل
مهل وأمهل تمهل ولا تتعجل عليهم لعل بعض الكفار يتوب إلى الله لعل هؤلاء يزدادون إثماً ﴿أَنَّمَا﴾ نملي لهم يزداد إثماً ولا يحسبن الذين كفروا أن ما ﴿نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ﴾ يزداد إثماً ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾
أمهلهم رويداً. يعني: مدتهم في الدنيا مهما طالت فهي قصيرة قال بعضهم: المراد أمهلهم رويداً إلى وقت غزوة بدر فسيقضى على صناديدهم أو أمهلهم رويداً في مدة هذه الحياة أو حتى يأتي الله بأمرك بجهادهم
﴿فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ لذلك ذهب بعض العلماء إلى أنَّ هذه الآيات أو إلى إلى أنَّ هذه الآية منسوخة بآية السيف والأمر بالجهاد والظاهر أنه لا نسخ. وذلك أنَّ الآيات الآمرة بالصبر
وعدم وما إلى ذلك والمسالمة والصفح لا يقال إنها نسخت بآية السيف على المرجح وإنَّما يقال إن هذا من قبيل النسأ لا من قبيل النسخة. يعني: هذه الآيات لها حالها
ولكن بعد ذلك جاء وقت الجهاد طب إذا كان المسلمون في استضعاف يبقى الصبر والعفو بخلاف النسخ. فإنَّ المنسوخ يقول قد انتهى العمل به. وأما المنسأ فيعود العمل به إذا احتيج إليه
وكذلك. أيضًا ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾ هذا فيما يتعلق في جوانب أخرى ليس في جانب القتال ونحوه وإنَّما هم يعيشون كما لو أعطوه العهود أو كما لو أخذ منهم الجزية يعيشون ما يعيشون. ولكن الله يحاسبهم في الآخرة، والله تعالى أعلم. وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام
فهذه السورة المباركة قررت قضية البعث بأجل صورة وأوضح بيان وكذلك بيّنت أن الناس مجزيون على أعمالهم وأن أعمالهم مكتوبة وأن الله سبحانه وتعالى وإن أملى للكافرين فإنَّه سبحانه وتعالى قادر على أخذهم وأمر النبي ﷺ والمؤمنون تَبَعٌ لَهُ
وكذلك. فالله عز وجل يكبت أعداءهم ويقضي عليهم وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. نسأل الله أن يُعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يصلح أحوالنا وبلادنا وأن يحفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩