مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الشمس لفضيلة الشيخ

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 71 من 376 · 38 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بدروس التفسير ثم ننتقل، يا أيها الإخوة الكرام، إلى السورة التي تليها حسب الترتيب فيما نرى في ترتيب المصحف وليس في ترتيب النزول وهي سورة الشمس

وسورة الشمس كسابقتها سورة مكية. وقد نقل عدد من أهل العلم الاتفاق على مكيتها كابن الجوزي والقرطبي وغيرهما سورة مكية أي: نزلت قبل هجرة النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم

والناظر في هذه السورة المباركة يجد أيضًا أن فيها تهديدًا للمشركين من أن يقع لهم ما وقع بثمود حينما عصوا نبي الله صالحًا عليه الصلاة والسلام

. فالله الذي دمدم عليهم بذنبهم والذي سوى الأرض أو سواهم بالأرض وسوى الأرض بهم وقضى عليهم قادر على أن يهلك المشركين إن لم يتوبوا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. ولذلك فالآيات فيها تهديد لهؤلاء ومَنْ يسير على دربهم وفيها أقسام كثيرة أقسم الله عز وجل بها تأكيدًا لهذا المعنى وفيها بيان أن النفس تنقسم إلى أقسام فمنها النفس القابلة للحق. ومنها النفس المعرضة عن الحق ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) وذكر الله عز وجل هذه الأقسام

وفيها دليل على عظيم صنعه وعلى بديع خلقه سبحانه وتعالى فخلق الله سبحانه وتعالى عظيم كل ذلك دليل على استحقاقه الألوهية فالذي خلق والذي نظم هذا الكون هو المستحق للعبادة سبحانه عز وجل قال الله سبحانه ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾

قال الله سبحانه والشمس وضحاها والشمس وضحاها ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ بعض أهل العلم يرى أنَّ الواوات المذكورة في صدر السورة أنها جميعها من باب القسم. فيقول: الواو في قوله والشمس للقسم وفي قوله وضحاها للقسم ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ للقسم

فإذا عددنا هذه والشمس وضحاها ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. إذن كم قسمًا؟ أحد عشر قسمًا

انظر إلى هذا يقسم الله بأحد عشر قسمًا على ماذا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) لذلك هذه السورة عجيبة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ۝ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) بعضهم يقول هي عاطفة لكن قول كثيرين من المفسرين أن هذه الواوات واوات القسم ولا شك أن الواو الأول قسم فالأمر فيها واضح

وكذلك في أوائل الآيات والقمر واوات قسم. أيضًا وأيضًا المعطوفات عليه قالوا هي. أيضًا واوات قسم، والله تعالى أعلم. فهذا. يعني: أن الله سبحانه أقسم بأحد عشر قسمًا على أنه قد أفلح من زكى نفسه. وقد خاب من دسى نفسه. فهذا يدل على مكانة النفس وخطورتها وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى في أثناء التفسير قال الله عز وجل والشمس وضحاها

أقسم الله بالشمس أقسم الله جل وعلا بالشمس والشمس مخلوق عظيم من مخلوقات الله سبحانه وتعالى والشمس وضحاها وأقسم الله جل وعلا بضحى الشمس

فقوله: وضحاها الضمير يعود على ماذا؟ على الشمس، وضحاها لأنَّ الضحى ينتج عن الشمس، لأنَّ الضحى ينتج عن الشمس. والمراد بقوله وضحاها قال عدد من أهل العلم أقسم الله بوقت الضحى

وهو وقت ارتفاع الشمس ومن المعروف أنَّ وقت الضحى وقت ارتفاع الشمس قدر رمح فما زاد كما هو معروف قدر رمح إلى قبيل الزوال أو إلى ما كان قبيل الزوال وقال بعضهم: المراد ارتفاع النهار فأقسم الله بالشمس وبارتفاع النهار وقال بعضهم: المراد بقوله وضحاها أي: وضوئها

فأقسم الله بالشمس وأقسم الله بضوء الشمس وقال بعضهم: المقصود بقوله وضحاها أي: وحرارتها

فأقسم الله بحرارتها قال الله ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ﴾ وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى فقالوا: يعني لا يصاب بالحر الشديد. فكذلك والشمس وضحاها أي: وضوئها أو حرارتها

ولا شك أن حرارة الشمس نعمة من الله سبحانه وتعالى فكم يستغني الناس بحرارة الشمس عن غيرها وفيها من الطاقة الكثير والكثير وكم يستغني الناس بالشمس عن الضوابط. وهنا نحن في أزمة الضوابط يرى الناس فضل الله سبحانه وتعالى عليهم في النهار والشمس وضحاها ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾

الله جل وعلا. أيضًا بالقمر القمر ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ أي: والقمر إذًا تبعها فتلاها. يعني: تبعها فالتلاوة تأتي في اللغة بمعنى الاتباع وتأتي بمعنى القراءة التلاوة التي بمعنى القراءة

ومنه قوله سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾2 (البقرة: 121) قال بعضهم: يقرؤون وقال بعضهم: ليست القصة في القراءة ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى يتبعونه حق أتباعه

وكذلك وردت للقرآن تلاوة ففيه أيضًا معنى القراءة ومعنى التلاوة الذي هو معنى الاتِّباع على أحد القولين قال الله ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ أي: إذا تبعها قال بعضهم: وهذا في أوقات محددة

فمن ذلك ليالي الهلال فإنَّه يتبع الشمس مباشرةً فعند غروب الشمس يتبعها الهلال. فهذا وقت الهلال والليل إذا قال الله ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ تبع الشمس. وهذا في الهلال وقال بعضهم: بل في النصف الأول كله وقال بعضهم: بل في وقت البدر

فإنَّه في وقت البدر في وقت اكتمال القمر يتبع الشمس مباشرةً بل ربما رُئي قبل الغروب أو يظهر بعد الغروب مباشرةً وبعضهم يقول التلاوة تكون عامة فإما تلاوة حقيقية أو تلاوة ولو بعد فترة بمعنى الاتباع. يعني: يكون بعد ظهور الشمس فالشمس حينما تغرب فإنَّ الليل يظهر وكذلك يظهر القمر

قال الله والشمس وضحاها ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ والنهار. إذًا جلاها وقال بعضهم: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ دلالة على أن القمر تابع للشمس

فقالوا فيه دلالة على أن ضوء القمر مستمد من الشمس كذا قال بعض أهل العلم؛ ولذلك بعضهم يذكر هذه الآية في آيات الإعجاز. فيقول: إن في هذا إعجازًا لأنه علم من ذلك أن القمر يتبع الشمس ويستمد منها الضوء قال الله ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ والنهار. إذًا جلاها. وهنا جاءت الشرطية ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ وقت اتباعه والنهار وقت تجليته لأنَّ هذا أعظم وأجل وفي هذا الوقت فيه ظهور لمظهر من مظاهر قدرة الله وآية من آيات الله الكونية قال الله سبحانه والنهار. إذًا جلاها والنهار إذا جلاها، جلَّى ماذا؟

قال بعضهم: والنهار إذًا جل الشمس لأنَّ النهار يأتي فيجلي الشمس يظهر الشمس أي: جلا الشمس وأظهرها، وقال بعضهم: والنهار. إذًا جلاها أي: إذًا جل الظلمة

جلاها لأنه أزالها وقالوا والظلمة وان لم يتقدم لها ذكر لكنَّها عرفت بالسياق كما في بعض المواضع تقدم ذكر ذلك ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ على ظهر ماذا على ظهر الأرض وان لم يتقدم لها ذكر لكنه معروف لكن هذا معهود في الذهن

قال الله وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جلّى الظلمة أو جلّى الشمس أو جلّى الأرض جلّاها أظهرها لكن عدد من أهل العلم يجعل جلّاها أي: جلّى الشمس ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا﴾ جلّاها والليل إذًا يغشاها

والليل إذًا يغشاها أي: إذًا يغطيها فالغشيان بمعنى التغطية يغشي الليل النهار فقوله: والليل إذًا يغشاها. يعني: إذًا يغطي النهار أو يغطي الشمس فالليل يأتي فيغطي على الشمس بظلمته. وهذا يجعل ما قبله. أيضًا متعلقًا بالشمس باعتبار أنها صدر الآية

فقوله: والنهار إذًا جلاها. يعني: جل الشمس والليل إذًا يغشاها. يعني: يغش الشمس أيضًا أو يغش النهار يغطيه باعتبار أن الشمس يكون فيه في النهار. ويدل على أن يغشاها بمعنى يغش النهار الآيات الأخرى يغشي الليل النهار فيكون يغشاها. يعني: يغش النهار

والليل إذًا يغشاها ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ لما ذكرت الشمس والقمر ناسب ذلك أن تذكر السماء فالشمس والقمر حينما يذكران يذكر معهما السماء. فقال الله والسماء أقسم الله بالسماء وما بناها ما المراد بقوله وما بناها

من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: ما هنا بمعنى من أو بمعنى الذي أي: والسماء ومن بناها أو والسماء والذي بناها فيكون المقصود والسماء والذي بناها وهو مَن؟ هو الله سبحانه فأقسم الله بالسماء ولأن السماء خلقها عظيم فأقسم الله بالذي بنى هذه السماء

كما قال الله: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾. وقد أقسم الله بالسماء في غير ما موضع والسماء ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ﴾ وقال ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ فيكون قوله ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ أي: والسماء ومن بناها وهو الله سبحانه وتعالى. ومنهم من قال بل ما هنا مصدرية والمعنى والسماء وبنيانها

المراد وما بناها البنيان فما هنا مصدرية أي: أقسم الله بالسماء وأقسم ببنيان السماء لأنَّ بنيان السماء بنيان محكم ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا﴾ وقال الله أيضًا ﴿فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾

والسماء وما بناها؛ إذن من أهل العلم من يرى أنَّ ما هنا مصدرية بمعنى فتكون مع ما بعدها مؤولة بمصدر أي: وبنيانها أو المراد بما بناها أي: ومن بناها. فإنْ قال قائل جاء التعبير بما ولم يأت التعبير بمن فيقال؛ لأنه قصد بذلك الوصف

كما جاء ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في قوله ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ تقدم أنه إذا قصد بالعالم أو بالعاقل الوصف فإنَّه يعبر بما لا بمن كما في قوله ﴿فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ ولم يقل فانكحوا من ﴿طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ لأنَّ المقصود حينئذ الوصف

قال الله سبحانه ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ والذي حمل بعضهم على أن يقول بأن المراد بقوله وما بناها هو الله سبحانه وتعالى قال لأنَّ الله عز وجل بعدها قال ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾، من الذي ألهمها

المذكور في قوله وما بناها وأيضًا ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾، يعني: ومن طحاها فألهمها، أي: هذا المذكور وهو الله سبحانه وتعالى، أي: هذا المذكور وهو الله سبحانه وتعالى وبعضهم قال بل هي مصدرية كما تقدم وقالوا: لأنَّ الله جل وعلا لا يؤخر نفسه عن هذه المخلوقات فلا يقسم أولًا بالشمس وضحاها وبالقمر وبالنهار وبالليل وبالسماء، ثم يقول: والله،

وقال بعضهم: بل جاء ذلك باعتبار السياق والعلم عند الله تعالى ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾

وأقسم الله جل وعلا بالأرض أيضًا، ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ نفس الكلام، نفس الكلام إما المعنى إمَّا أن يكون المعنى ومن طحاها وهو الله أو أن يكون المعنى الطحو أقسم الله بطحوها أي: ببسطها ومدها فأقسم الله بالأرض وامتدادها وبسطها وما طحاها بسطها ومدها

﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾

وَأَقْسَمَ اللَّهُ جل وعلا بِنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ما المراد بقوله ونفس وما المراد بالنفس قال بعضهم: المراد بالنفس جنس النفوس أقسم الله بكل النفوس جنس النفس وقال بعضهم: بل المراد بالنفس هنا نفس آدم عليه الصلاة والسلام

والأول أولى لأنَّ الله قسم بعدها فقال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾. وهذا يدل على العموم ويكون التنكير هنا مفيدًا لذلك كما في قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾. يعني: علمت ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ أحضرت وكقوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) أي: علمت ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ قدمت وأخرت

قال الله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ أي: وتسويتها، فأقسم الله بتسويتها. والمراد بذلك تعديلها: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾3 (الانفطار: 7) أو المراد ومن سواها فأقسم الله بنفسه على هذه الأقوال أو على هذا القول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

. فالله هو الذي بنى السماء وهو الذي طح الأرض وهو الذي سوى الإنسان فيكون ذكر الله عز وجل بعد المخلوق دليلًا على عظمته وأنه الذي صنع به كذا وكذا ونفسٍ وما سواها ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ فألهمها

وطريق التقوى وذكر الله عز وجل الفجور. أولًا فكثير من الناس يسير على هذا المنوال وقليل من يسير على طريق المتقين قال الله ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ وفي هذا دليل على أن كل شيء بقدر

ففجور الفاجر وتقوى المتقي بقدر صلاح الصالح وطلاح الطالح بقدر إيمان المؤمن وكفر الكافر بقدر. فالله خالق العباد وخالق أعمالهم كما قال ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ففي هذا رد على هؤلاء القدرية الذين ينكرون ذلك

ويقولون أن لا قدر أو يقولون: إن الله لا يخلق أفعال العباد وأن العبد يستقل بعمله وهو الذي يخلقه نقول كلا بل الله خالق كل شيء لكن الله أعطى العبد قدرة وأعطى العبد اختيارًا ففي قوله بعدها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾

دليل على أنَّ الإنسان يزكي نفسه وعلى أنَّ الإنسان يدس نفسه. إذًا الإنسان له إيه له اختيار. أيضًا ففيها رد على الجبرية وهكذا أهل السنة وصلت

بين الفرق الضالة لا نقول بقول الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مكره ومجبر على فعله والإنسان أشبه ما يكون بالريشة ليس له قدرة ولا اختيار ولا نقول بقول القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم بالشيء حتى يقع والعباد مستقلون بأعمالهم خالقون لها بل نقول إن الله خالق كل شيء والله قد أعطى العبد مشيئة واختيارًا

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾. وهذا يعني: أنَّ الإلهام قد يكون إلهامًا بالخير. وقد يكون إلهامًا بالشر فهناك إلهام بالخير ومن ذلك ما كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الملهم إن يكن في أمة محدثون فعمر رضي الله عنه وكم له من موافقات لكتاب الله سبحانه وتعالى وهناك الإلهام بالشرع

يلقي الشيطان في نفس هذا الإنسان الوساوس فيدفعه ويؤزه إلى المعصية أزًّا. نسأل الله السلامة والعافية ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ قد أفلح من زكَّاها وقوله:. أيضًا ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ دليل على أن النفس الأصل ومنها التحرك

فأفعال الفاجر صدرت عن قلب فاجر وعن نفس فاجرة وأفعال المؤمن صدرت عن نفس مؤمنة وعن قلب مؤمن. وكذلك قال ﷺ «﴿إِلَّا﴾ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ﴿إِلَّا﴾ وهي القلب»

فهذه المضغة القلب وكذلك النفس هما الأصل وعلى ذلك تتبعهما بقية الأعضاء قال ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾. وكذلك قال ﷺ «التقوى هاهنا» يشير إلى صدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال الله: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾

جواب القسم ونحن مضى معنا ليس قسمًا واحدًا وإنَّما مضى معنا أحد عشر قسمًا فأين جواب القسم والشمس وضحاها والقمر. إذًا كل هذه الأقسام على ماذا هذا هو الجواب

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) سبحان الله يقسم الله جل وعلا بهذه الأقسام العجيبة العظيمة على أنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) قال بعضهم: وفي هذا الجواب لام مقدرة لقد لكن استغني عنها لطول الفاصل أو لتعداد الأقسام وقال آخرون: بل ثَمّ قَسَم مقدر

وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي خِتَامِ الْآيَاتِ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا﴾ فيقول: المعنى لَيُدَمْدِمَنَّ عليهم ربهم

لَيُدَمْدِمَنَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا إِلَيْهِ لكن القول بأن قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ هو الجواب هو الأقرب. وهذا ما رجحه الجمهور ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) قد أفلح أي: أنجح صار فائزًا حاصلًا على المرغوب ناجيًا من المرهوب

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا

من زكى نفسه فيكون من بمعنى الذي أي: الإنسان الذي زكى نفسه قد أفلح الإنسان الذي يزكي نفسه. وقد خاب الإنسان الذي يدس نفسه ففيه دعوة للإنسان إلى أن يزكي نفسه وأن لا يدسها وقال عدد من أهل العلم بل المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه

فيكون الفاعل مقدرًا يعود على الله قد أفلح من زكى الله نفسه. ولذلك في الحديث في الدعاء في مسلم اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها والمعنيان محتملان فلا مانع من قبولهما. والله أعلم. فقد أفلح من زكى الله

من زكاة الله. وقد أفلح من زكَّى نفسه. وقد أفلح من زكاها. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ أي: من طهرها فالتزكية هنا بمعنى التطهير زكاها أي: طهرها ونماها طهرها من الأرجاس من الأنجاس من الشرك من عبادة غير الله من المعاصي من الذنوب

من المخالفات ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ ولا تعارض البَتَّةَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى فلا تزكوا أنفسكم

فقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ لا تزكوا بمعنى لا تمدحوا. فالمراد بالتزكية المنهية عنها مدح النفس. وأما التزكية المطلوبة التي أُمر الإنسان أن يأتي بها هي تطهير النفس وتربيتها قال الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. وقد خاب أي: خسر من دساها أي: من خفاها أو أخفاها

أخفاها بالمعصية بمعصية الله سبحانه وتعالى لأنَّ من عصى الله. فقد أخفى نفسه أهملها ولم يرفع لها ذكرى. فهذا. يعني: أن من أطاع الله قد رفع لنفسه ذكرى وأن من عصى الله. فقد أخمل ذكرى وعلى المعنى الثاني. وقد خاب من دس الله. وقد خاب من دساه الله من دس الله نفس هذا العبد من دساه الله. يعني: أخفاه لم يجعل له ذكرًا ولا مكانًا فعُلم من ذلك أن الطاعات ترفع أصحابها وأن المعاصي تدس أصحابها تخفيهم ولا تجعل لهم شأنًا ولا ذكرًا. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10)

جدير بالعبد أن يسعى في تزكية نفسه يزكي نفسه فيخليها من المعايب ثم يسعى في تحليتها بالفضائل فيقوم بما هو معروف من جانب التخلية ومن جانب التحلية

ويقوم بالأمور التي ذكرها أهل العلم من أن يقف مع نفسه الوقفات المعروفة من وقفة المشارطة والمراقبة والمحاسبة والمعاتبة والمعاقبة والمجاهدة قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾4 (العنكبوت: 69)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده قال الله سبحانه ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ﴾ ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ﴾ أي: بسبب طغواها وطغوى بمعنى طغيان

أي: كذبت ثمود بسبب طغيانها. فهذا فيه أن الطغيان سبب لهم التكذيب لما طغوا وتجاوزوا في الحد ولم يقبلوا دعوة نبي الله ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه الصلاة والسلام قاموا بتكذيبه مع أنَّهم يعرفونه ويعرفون فضله لكنهم كذبوه مع أنَّ الحق معه

كذبت ثمود بطغواها ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾ وأيضًا في قوله بطغواها جاء قوله فأهلكوا بالطاغية فبعضهم جعل الطاغية هي العاقبة، بطغواها أي: بالعاقبة التي ستكون لهم أو ستحل بهم كذبت ثمود بطغواها ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾

﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾ أي: أشق القبيلة أشق القوم انبعث وقام أي: قام أشق القوم من أجل أن يعقر هذه الناقة مع أنَّ نبي الله صالحًا عليه الصلاة والسلام قد نهاهم عن عقر الناقة

قال الله سبحانه ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾ احذروا ناقة الله احذروا سقياها إياكم أن تقربوها فالناقة لها شرب يوم ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ الناقة تشرب يومًا وفي. اليوم الذي تشرب منه تشربون أنتم من لبنها وفي اليوم الثاني تشربون أنتم من الماء

فيوم لكم ويوم لها. وكان في هذا آية من آيات الله سبحانه وتعالى وحذرهم من عقر الناقة لكنهم لم يستجيبوا وانبعث أشق القوم كما جاء. أيضًا في الصحيحين من حديث عبد الله بن زمعة انبعث لها رجل عزيز أو منيع في قومه كأبي زمعة

ومحبين. لما فعل ومرغبين له بل ودعوه إلى ذلك سموا جميعًا عاقرين. ولذلك هنا ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾ ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾ فكذبوه فعقروها

وقالوا إن الذي عقرها واحد لكن كانوا معه لأنهم وافقوه. فهذا فيه دليل على أن من رضي بالمنكر ودعا غيره إليه فقام غيره بالمنكر كان هذا الداعي مثله في الإثم أيضًا

قال الله سبحانه. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ﴾. والمراد برسول الله هنا من ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام عرف ذلك بدلائل القرآن الكريم بالآيات الأخرى التي تدل على أن الرسول الذي أرسل إلى ثمود هو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام

. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا﴾ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ﴾ دمدم أي: أهلكهم قضى عليهم أزالهم فدمدم عليهم ربهم بذنبهم بذنوبهم

فالذنب هنا جنس. وقد أضيف فيفيد العموم من ذنبهم شركهم بالله من ذنبهم عقرهم الناقة من ذنبهم طغيانهم وتكذيبهم فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا

قال بعضهم: فسواها أي: فسوى تلك النفوس التي دمدمت وأهلكت فصارت والأرض سواء وقال بعضهم: فسواها أي: فسوى الأرض بهم أهلكهم الله وقال بعضهم: فدمدم عليهم أي: أهلك أولهم وآخرهم كبيرهم وصغيرهم

﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا وَلَا يَخَافُ﴾ عُقْبَٰهَا مَنْ الذي لا يخاف

قال بعضهم: الفاعل هنا لـ«لا يخاف» الله أي: ولا يخاف الله عقباه أي: ربنا. لما دمدم عليهم ولمَّا سواهم والأرض لا يخاف من ذلك لا يخيفه أحد ولا يقدر عليه أحد فهو عزيز ذو انتقام سبحانه وتعالى. وأما أهل الدنيا إذًا قوي أحدهم على قومه وفعل ما فعل ربما خاف من العاقبة وخاف أن يظهر له من يعاديه أو من يناجزه الحرب، أما ربنا فلا يخاف عقباها سبحانه عز وجل أما ربكم ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ سبحانه عز وجل وقال بعضهم: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ أي: ولا يخاف ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عقباها أي: عقب ما ذكرهم لأنه ذكرهم

وقال بعضهم: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ أي: هذا العاقر فتكون متعلقة بما سبق. وقد جاءت قراءة أخرى وهي متواترة أيضًا. ولذلك فالمصاحف على قسمين: المصاحف العثمانية فهناك مصاحف ذهبت إلى المدينة والشام وأخرى ذهبت إلى مكة أو موجودًا بمكة فالذي على حسب القراءة فقراءة المدنيين والشاميين وهي قراءة أبي جعفر ونافع وقراءة ابن عامر

يقرؤون بقراءة وقراءة آخرين يقرؤون بقراءة في هذا الموضع فيقرأ نافع وكذلك أبو جعفر وكذلك ابن عامر فلا يخاف عقباه بالفاء. وأما الآخرون وهم ابن كثير المكي وكذلك أهل البصرة والكوفيون الثلاثة يقرؤون بالواو ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾

فيقرؤون فلا يخاف عقباها والآخرون يقرؤون ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ بهذا تقرأ. وبهذا تقرأ قال بعضهم: فلا يخاف عقباها متعلق بما سبق بقوله سبحانه فعقروها

فلا يخاف عقباها. يعني: لا يخاف هذا العاقر من عقباها والصواب أو الأرجح والله أعلم أن المعنى لا يخاف الله من ذلك لأنَّ ٱللَّهَ ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ﴾ لا يخيفه أحد سبحانه عز وجل فهو مالك الملك ذو العزة والكبرياء

ويذكرهم لعلهم أن ينتبهوا وأن يتوبوا. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من التائبين إليه وأن يجعلنا ممن تزكو نفوسهم فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. نسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى هذا، والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»

أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ونقوم للصلاة حتى لا أطيل عليكم الأسئلة في مرة أخرى إن شاء الله. السلام عليكم.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 121 ↩
  3. آية: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الانفطار 7 ↩
  4. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة