قال النبي ﷺ(إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾2 (الأنبياء: 107) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع حديث من أحاديث نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أخرج أبو داود في سننه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» هذا حديث شريف جليل المنزلة رفيع القدر والمكانة يبين فيه الرسول الكريم ﷺ أن لحسن الخلق منزلة عظيمة عند الله جل وعلا وأن العبد يعطيه الله من الثواب بسبب حسن خلقه ما يصل به إلى مرتبة العابدين الصائمين القائمين كثير من الناس قد يغفل عن هذا.
المعنى العظيم فيظن أن الثواب ﴿أَنَّمَا﴾ يحصل للإنسان إذا صام يومًا تطوعًا أو إذا قام ركعات من الليل. وهذا لا شك حسن وصحيح أعني أن من يفعل ذلك. وقد أخلص في عمله أو في عبادته فله الأجر والثواب من الكريم الوهاب. لكن الخطأ أن يظن الإنسان، أن الثواب مقصور على مثل هذه الأبواب. فإنَّ باب حسن الخلق باب مفتوح لنيل الأجر والثواب فإنَّك قد تقابل الإنسان فتبتسم في وجهه فتنال أجرًا وثوابًا.
وقد تركب مع شخص فتقول له كلمة طيبة فتنال أجرًا وثوابًا. وقد تفسح لإنسان في الطريق فتنال أجرًا وثوابًا. وقد تتجاوز عن المسيء فتنال أجرًا وثوابًا فأبواب الثواب والخيرات كثيرة بفضل الله سبحانه وتعالى. وهذا من فضل الله وإكرامه لعباده، «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» كثير من الشراح يفسرون الصائم بالصائم صيامًا تطوعًا، أو صيامه تطوعًا فهو لا يقتصر على صيام شهر رمضان وإنَّما يصوم النوافل ويكثر من صيام النوافل والقائم، أي: الذي يتنفل بالصلاة في الليل.
وهذا أعظم ما يكون فـ«أفضل صلاة المرء بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل» إذن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه، أن يتطوع بصوم. وقد قال ﷺ: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» وكذلك من يقوم بالليل فإنَّ قيام الليل من صفات عباد الرحمن ومن صفات المتقين المحسنين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ومع هذا الفضل العظيم للصلاة والصيام، لصيام التطوع وقيام الليل فإنَّ الرسول ﷺ يفتح لنا باب آخر ينال به الإنسان مثل هذا الثواب فإنَّ قصَّر في صوم تطوع، في قيام ليل إن الماء وإن وفقه الله فجمع بين هذا وذاك.
فهذا خير عظيم والله واسع الفضل ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾3 (البقرة: 269) قال بعضهم: الحكمة الإصابة في الفعل والسداد في الاعتقاد والقول فهو في اعتقاده، وفي قوله سديد، وفي عمله، وفي سلوكه كذلك سديد بفضل الله سبحانه وتعالى، «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». ولذلك أثنى الله على نبيه محمد ﷺ
فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾4 (القلم: 4)، وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا شهد بذلك القريب والبعيد وشهد بذلك المسلم وغيره ممن أنصف وها هو أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدم رسول الله ﷺ الذي خدم رسول الله أو خدم رسول الله ﷺ عشر سنين قال: ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لي لشيء عملته: لِمَ عملته؟ ولا لشيء لم أعمله: ألَا فعلت كذا؟ عشر سنوات يخدم الرسول ﷺ ولا يسمع من الرسول ﷺ هذه الكلمات ما ذلك إلا لعلو أخلاقه وسموها صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد قال نبينا أيضًا «ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق». وقد مرت معنا أحاديث عديدة في الحث على حسن الخلق وما ذلك إلا لأهمية هذا الموضوع. نسأل الله سبحانه، أن يرزقنا حسن الخلق وأن يجعلنا من الأتقياء العباد الزهاد ونسأل الله أن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
- آية: ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 269 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
من سلسلة: إشراقات نبوية في إصلاح النفس الإنسانية (48 درسًا)