قال النبي ﷺ (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلّا للمؤمن)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
حديث عجبًا لأمر المؤمن وخيرية أمره
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾2 (الأنبياء: 107) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع حديث من أحاديث النبي ﷺ أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث صهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» هذا الحديث الشريف حديث معروف ويسمعه القاصي والداني.
لكن المؤمن بحاجة مستمرة إلى أن يتذكره وأن يعمل بمقتضاه النبي الأكرم ﷺ يقول عجبا لأمر المؤمن فأمر المؤمن عجيب لأنَّ المؤمن دومًا على خير وفي خير وعلى بركة، وفي بركة بفضل الله سبحانه وتعالى، عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن هذا يقال له: أسلوب الاحتراس فﷺ يقول وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن فالمؤمن وحده هو الذي يكون في كل أحواله على خير وفي خير وإلا.
هلع الإنسان والشكر عند السراء
فإنَّ رب العزة قد قال: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾3 (المعارج: 19) ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا﴾4 (المعارج: 20) ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾5 (المعارج: 21) إلا المصلين الإنسان في هذه الحياة لا يخلو أمره من أحد أمرين إمَّا أن يمسه شر وإمَّا أن يمسه خير فغير المؤمن إذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع. وأما المؤمن فإذا مسه الشر صبر وإذا مسه الخير ومسته النعماء شكر.
فقال: عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له. إن أصابته سراء نعماء يأتي التعبير بإذا ﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ﴾ فحينما يذكر السيئة أو يذكر الشر يعبر عنه بإن، يعني: أنه قليل وأن الغالب أن العبد يعيش في رحمة الله، وفي نعماء الله، وفي خير الله سبحانه وتعالى، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ومقابل المؤمن لا يشكر الله سبحانه وتعالى، فغير المؤمنين إذا أنعم الله عز وجل عليهم بالنعم ما كان منهم إلا البطر والكبر والعجب ونسيان شكر الله سبحانه وتعالى.
أما المؤمن فأمره خير لأنه يشكر الله والعبد إذا شكر الله. فإنَّ شكره لله خير من هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليه من نعم الدنيا ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً. فقال: الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ فكونك تحمد الله عز وجل هذا قد يربو. بل يربو على تلك النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليك.
إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له. وقد قالوا: إن الشكر خضوع الشاكر للمشكور أن تخضع لله لا تتكبر على الله سبحانه وتعالى، وحبه، أن تحب الله وثناؤه عليه أن تثني على الله عز وجل واعترافه بنعمته، أن تعترف بنعمة الله عليه وألَّا يستعملها فيما يكره ألَّا يستعمل النعمة فيما يكره الله عز وجل أنعم الله عليك بالمال فيستعمل المال فيما يرضي الله أنعم الله عليك بالصحة بالقوة بالجمال يُستعمل هذا كله فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له فيصير قلبه مطمئنًا لأنه يلهج بذكر الله فهو في خير وفي سعادة لأنه عرف مصدر النعمة فشكر الله عليها فأمن ذهابها لأنَّ الذي يكفر النعمة، ولا يشكرها تفر منه تلك النعمة.
الصبر عند الضراء وأجره
وقد قالوا: إن النعم صيد وإن الشكر قيدها فهذه النعم هذه النعم التي تصل إليك إذا أردت أن تبقى لك فعليك بشكر الله عز وجل ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾6 (إبراهيم: ٧) (إبراهيم: 7) وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، إن أصابته ضراء فإنَّه في هذه الحال يصبر لا يتشكى، ولا يتسخط على قدر الله عز وجل فلا ينطق لسانه بما يسخط الله والصبر عند الصدمة الأولى، ولا يعترض قلبه وفؤاده على الله عز وجل ولا يمارس بيده ما يسخط الله من شق الجيوب ولطم الخدود فلسانه وقلبه وجوارحه صابرة محتسبة لا تتسخط على قدر الله عز وجل فكيف يكون هذا خيرًا له مع أنَّ الصبر فيه مرارة خير له لأنه يؤجر عليه أعظم الأجر والثواب ألم يقل الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾7 (الزمر: 10).
ولذلك قالوا: إن حلاوة أجرها أنساني مرارة ألمها إن حلاوة أجرها أنساني مرارة ألمها هذه المرارة التي قد يتجرعها الإنسان من ألم أصابه أو من جرح ألم به فإنَّه ينسيه ذلك ما يتذكره من أجر الله وثوابه ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كذلك الصبر خير للعبد لأنه يعلم أنه يوم القيامة يكون أحوج ما يكون إلى الحسنات.
ولذلك يود أهل العافية لو أنَّ جلودهم قرضت بالمقاريط حينما يرون أهل البلاء وجزاء أهل البلاء كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ وله شواهد يحسن بها. أهل العافية يودون لو أصيبوا بما أصيب به أهل البلاء لما يرونه من عظيم أجرهم وثوابهم عند الله سبحانه. إن عظم الجزاء مع عظم البلاء «فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ».
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»، يا أيها الإخوة الكرام، لا تعارض ألبتة بين هذا الحديث وبين ما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام في شرح الإيمان «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» فأمر المؤمن كله خير. لكن هناك في القدر قال تؤمن بالقدر خيره وشره لأنَّ الشر هو ما لا يلائم طبعك ما تنفر منه كالمرض كالفقر.
فهذا شيء بالنسبة لك لطبعك فيه شر لأنه لا يلائمه. لكن الشر ليس محضًا. ولذلك قال أهل العلم لا يوجد شر محض فكل شر فيه جانب خير من زاوية أخرى. ولذلك هذا المريض الذي يذهب إلى الطبيب ليجري له عملية أو جراحة من الجراحات فإنَّه يذهب إليه بنفسه ويستأصل عضوه وهو راض مختار. لما يعلمه من الأثر الأكبر والنفع الأعظم المترتب على هذا البلاء أو على هذه الإصابة التي تصيبه.
وكذلك العبد. قد يكون هناك شر من جانب لكنه خير من جوانب أخرى فيتحول الشر إلى خير بفضل الله فيكون أمر المؤمن بفضل الله عز وجل خيرًا له في كل أحواله، وفي كل أموره ثم ختامًا هناك مرتبة عظيمة وهي تلك المرتبة التي يصل إليها العبد حينما يرزقه الله الحكمة والفطنة وهي نظرة الإنسان إلى ما يبتليه الله عز وجل به على أنه في حقيقة
الأمر نعمة لأنَّ الله ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ إلا ليعطيك وما ابتلاك إلا ليمنحك لذلك قالوا: إن منع الله عطاء فأنت حينما تنظر بنظر قاصر إلى البلاء تقول هذا بلاء. وهذا شر. إذن يلزمك ماذا يلزمك الصبر. فإنَّ ارتقيت قلت: ما يدريني ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) هذا خير لي حينئذ ترضى ثم يزداد أجرك ويزداد عملك وتزداد فطنتك فتصل إلى مرتبة الشكر لا على السراء فحسب وإنَّما على السراء والضراء.
ولذلك هي ثلاث مراتب مرتبة الصبر ومرتبة الرضا ومرتبة الشكر، ولا مانع أن تجتمع الثلاث في بعض الأحوال وإن كان الأصل أن الشكر في السراء وأن الصبر في الضراء. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين الراضين وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، يا أيها الإخوة الكرام
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 19 ↩
- آية: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 20 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 21 ↩
- آية: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 7 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
من سلسلة: إشراقات نبوية في إصلاح النفس الإنسانية (48 درسًا)