آداب المقرض والمقترض
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- فضل القرض الحسن وأجر إنظار المعسر بصدقة وصدقتين كل يوم
- إبطال ربا التأخير وظلم مماطلة الغني وجواز شكايته
- وجوب إنظار المعسر وثواب مغفرة الله للتاجر المتجاوز عن الضعفاء
- ظل عرش الرحمن لِمُنظِرِ الغريم وأسوة أبي اليسر وأبي قتادة
- خطورة حبس الشهيد بالدين وبركة نية السداد والمبادرة بالأداء
- تحريم اشتراط الزيادة في القرض وفضل حسن القضاء وقطعة من النار
التفريغ النصي الكامل للدرس
فضل القرض الحسن وأجر إنظار المعسر بصدقة وصدقتين كل يوم
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾1 (القلم: 4)
أشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بالحديث عن الآداب الإسلامية. وقد انتهينا في الدروس السابقة من بعض الآداب المتعلقة بالأخ مع أخيه المسلم والليلة إن شاء الله تعالى نتحدث عن بعض الآداب المتعلقة بالمقرض والمقترض، ولا يخفى عليكم، يا أيها الإخوة الكرام أن المال عصب الحياة وهو نعمة وابتلاء وهو سلاح ذو حدين «ونعم المال الصالح» للعبد الصالح قاله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإنسان منا يجتهد في أن يستغني بالمال الحلال عن سؤال الناس ولكن في بعض الأحوال لا يجد الإنسان ما يكفيه فيحتاج إلى مَن يقرضه وحينئذ شرع القرض الحسن الذي يكون فيه سد حاجات المعوزين والله سبحانه قد قال ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
وقال ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾2 (الحديد: 11) فالعبد إذا أقرض أخاه المسلم فكأنَّما يقرض الله. والمقصود من ذلك، أن الأجر ثابت ولازم. فَإِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يُضِيعُ أَجْرَ عبده، ولا يضيع إحسان عبده بفضله سبحانه وتعالى، قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام، كما صححه بعض أهل العلم من أقرض أو ما من عبد مسلم يقرض أخاه قرضًا مرتين إلا كان له مثله صدقة، يعني: أن الشخص إذا أقرض غيره قرضًا لمرتين فكأنَّما تصدَّق بصدقة تساوي هذا المال فلو أن شخصًا أقرض غيره مثلًا ألف جنيه، أي ألفًا من الجنيهات ثم أعادها له ثم احتاج فأقرضها له مرة أخرى فأعطاه إياها ثم ردها فالألف عادت إليه.
بل قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنَّ مَنْ أنظر مُعسِرًا كان له بكل يوم صدقة وجاء عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ له بكل يوم صدقتين أو مثلي الصدقة فلما سُئل ﷺ عن ذلك. فقال: من أنظر مُعسِرًا كان له بكل يوم صدقة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يحل الدين. فإذا حل الدين فأنظره كان له بكل يوم مثليه صدقة.
وهذا صححه بعض أهل العلم كالألباني رحمه الله، والمعنى أن له أجر صدقة في إنظاره المعسر. فإنَّ جاء وقت السداد، ولم يجد ما يسدد به. فقال له: أنا أمهلك فرصة أخرى فكل يوم يمر يكون له فيه أجر صدقتين هناك أمور تتعلق بالمقرض وأمور تتعلق بالمقترض قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾3 (البقرة: 280)
إبطال ربا التأخير وظلم مماطلة الغني وجواز شكايته
وهذا ذكره الله سبحانه وتعالى، بعد ذكره تحريم الربا قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾4 (البقرة: 278). ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾5 (البقرة: 279) ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ كان أهل الجاهلية يقرض بعضهم بعضًا، فإذا حل الأجل، ولم يجد السداد يقول له ما معي ما أدفعه لك أو أسد به ديني فيقول: له.
إذن أخِّرني وأزيدك أي: أمهلني مرة أخرى أو أمهلني فرصة أخرى وأنا أزيدك في السداد فيكون على الواحد منهم الألف أو الألفان فلا يجد ما يسدِّد به، فيقول له: أخِّرني سنة مثلًا فيُضاعَف عليه الدين الذي كان عليه أضعافًا فجاء الإسلام ليحرم ذلك وليبين، أن هذا أكل مالٍ حرام، وأنه لا يسوغ ولكن ماذا يصنع المسلم إذا كان له دين على أخيه المسلم إن ﴿كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾
هذا المدين على قسمين: إمَّا أن يكون المدين موسرًا وإمَّا أن يكون مُعسِرًا. فإنَّ كان المدين موسرًا فالواجب عليه أن يؤدي كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب المقترض أو المدين فإذا لم يؤدِّ، وكان مماطلًا. فإنَّ النبي ﷺ قال «مطل الغني ظلم»، و«ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» «مَطْلُ الغنيِّ ظلم» ومماطلته أن يكون معه ما يسدِّد به وتراه أو ترى الأموال في يديه ويأتي الدائن ليطالبه يقول له غدًا بعد غد الشهر القادم السنة القادمة وما عندي ويرى كذبه ويجد أنه صاحب أموال والأمر واضح.
فهذا قال فيه عليه الصلاة والسلام، «مطل الغني ظلم»، و«ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» أي لك أن تقول وتبيِّن أنه ظالم، فلا مانع أن تقول فلان هذا أكل مالي فلان أخذ المال ولم يردَّه فلان ظالم ظلمني هذا يجوز لك، أن تفعل ذلك والله قال ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾6 (النساء: 148) فلو جهر الإنسان. وقال فلان ظلمني وأخذ مالي وأكله وما إلى ذلك.
فهذا لا شيء عليه في ذلك وإن عفا فالأمر إليه. إن أحب أن يعفو أو أن يتنازل فهو بالخيار هو مختار وهو أمير نفسه في ذلك ولكن إذا كانت المصلحة في الأخذ على يديه ففي ذلك يؤخذ على يد الظالم لأنَّ الله قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾7 (الشورى: 40) فإذا كان العفو لا يؤدي إلى إصلاح فحينئذ لا يتأتى العفو والله أعلم. وأما إذا كان المدين أو المقترض إذا كان مُعسِرًا لا يستطيع السداد ترى ظروفه صعبة شديدة ما يقوى على السداد هو في نيته، أن يسدد، ولا يماطل ويريد أن يؤدي.
لكن ما عنده ما يؤديه فماذا تصنع الواجب عليك، أن تنظره لا أن تطالبه. بل تسكت عنه وتنتظر أن يفرج الله عنه كربته. فإنَّ الله قال ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾، يعني: فتأخير أي: فعليك تأخيره إلى ميسرة، إلى أن يُيسِّر الله عز وجل له. وهذا يبين خطأ ما يجري من كثيرين يكون له دين على آخر والآخر يسدد. لكن حالت الظروف دون السداد فيقول له: ما لي علاقة بك اخبط رأسك في كذا وسأصنع وسأرفع عليه دعوى، ويكون قد أخذ عليه إيصالات أمانة أو شيكات وبعضها للأسف على بياض مع أنَّ هذا لا يصح.
وجوب إنظار المعسر وثواب مغفرة الله للتاجر المتجاوز عن الضعفاء
وهذا خطأ، فلا ينبغي أن يُكتب شيك على بياض وإنما يُكتب فيه مبلغ المال الذي أُخذ الشاهد من ذلك أنه ولو كان معك إيصال أمانة وأنت تعلم من حاله أنه معسر ليس مماطلًا، يعني: لا يتلاعب بك إنَّما جدَّت عليه ظروف كان يريد الدخول مثلًا في شركة فأفلست أو في تجارة فخسرت أو ابتلي بمرض أو ابتُلي أحد أقاربه بذلك، أيًّا كان
الأمر وصار مُعسِرًا أو هو معسر لا يستطيع السداد فعليك أن تُنظِره إلى ميسرة، ولا يجب عليك، أن تسقط الحق الذي لك عليه بمعنى المال ثابت لك، يعني: لا يجب عليك أنك تقول خلاص ما عدش لي مال عندك، لا، بل المال في ذمته، وفي رقبته ولكن أنت تنتظر ماذا تنتظر وقت اليسر وأنت إذا فعلت ذلك أثابك الله وعوضك الله عز وجل خيرًا من ذلك إذا فعلت ذلك وامتثلت أمر الله.
فإنَّ الله يأجرك في ذلك وأيضًا هذا في الدنيا يعوضك الله، وفي الآخرة يعفو الله عز وجل عنك. بل ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه «كان تاجرٌ يداين الناس» فكان يقول لهم: أنظروا المعسر أو تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا فتجاوز الله عز وجل عنه وأيضًا في بعض الروايات أو في بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه يقال له: أي: لهذا الرجل الدائن هل عملت من خير قط، يعني: هل لديك أعمال خير
رجل ما عرف بعمل الخير إلا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ ينظر المعسر ويتجاوز. «فقال الله نحن أحق بذلك منه» يتجاوز عن المخلوقين نحن أحق بالتجاوز عن العبيد والله هو الغني فكان هذا سببًا في مغفرة الله عز وجل له وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من طلب حقًّا فليطلبه في عفاف، وافٍ أو غير وافٍ كما عند ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما، أن يطلبه في عفاف عن الحرام لا يحملنك ذلك على أكل الحرام فبعضهم يستغلها فرصة فيقول: خلاص، بِعْ دارك وبِعْ أرضك ويشتريها برخص التراب مثلًا وهو يأكل من هذه الأرض أو يقول له يستغل ظروفه ويقول له اكتب لي عليك كذا ووصلات والثاني: خاف من أن يُسجن، ولا يجد مساغًا له إلا هذا.
الأمر فيلبي رغبته وهو كاره أو يسمع كلامه وهو كاره لذلك. فإنَّ هذا لا ينبغي، وكذلك. فإنَّ التجاوز عن المعسر وإنظاره سبب في أن يُظِلَّ الله العبد يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فهذا ثبت عن النبي ﷺ عليه وآله وسلم فمن شاء وسره، أن يتجاوز الله عز وجل عنه وأن يظله الله في ظله فعلية أن ينظر المعسرين، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جابر رضي الله عنه من سره، أن يتجاوز الله عز وجل عنه أو من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفِّس عن معسر أو يضع عنه أبو قتادة رضي الله عنه فعل هذا وجابر بن عبد الله رضي الله عنه وأبو اليسر رضي الله عنه كل هؤلاء.
ظل عرش الرحمن لِمُنظِرِ الغريم وأسوة أبي اليسر وأبي قتادة
بل أبو اليسر رضي الله عنه لما كان له دين على رجل فذهب ليطالب بهذا الدين وخرج إليه طفل صغير فسأل عن أبيه. فقال: هو في الداخل. فقال له: اخرج فإني قد علمت بوجودك، يعني: أنت موجود في البيت فخرج إليه وشكا له أمره وأن الذي يحمله على عدم الخروج إليه أنه يخشى من أن يعده فيخلف يخاف أن يقول له سأرد لك المال بعد غد وهو ما يستطيع وإذا حدث وسيكذب فلذلك هو يختبئ منه.
فقال: له. وقد أتى بالورقة أو بالصحيفة التي فيها الدين قال ها هو فامحه بنفسك، أي امحُ ما كُتب في الصحيفة. وقال: لا أطالبك به حتى يُيسِّر الله عز وجل لك، أن استطعت، يعني: إن استطعت فاقضِ هذا الدين، وكذلك فعل أبو قتادة رضي الله تعالى عنه. بل حينما بلغ أن هذا الرجل المدين يتهرب منه ويخاف من مقابلته بكى بكى كيف يصير أمر أخيه إلى
ذلك. ولذلك فالواحد عليه أن يتقي الله في مثل ذلك، فإذا علم أنَّ الآخر إنَّما يخاف من مواجهته بسبب الدين، وأنه معسر وليس مماطلًا. فإنَّ عليه أن ينظره، ومن الآداب في ذلك ألَّا يعيِّره بذلك، ألَّا يعيِّره، يعني: مش يقول له ريح وقيه، هو معسر، دنا لقيبك، ونا لشريلك، ونا لعطيتك، ونا لعملت لك، وسويت لك، ما يبغي، وكذلك من الآداب المتعلقة بالمقرض أن يكون حسنًا في الطلب، حسنًا في الاقتضاء كما جاء في البخاري في حديث جابر رضي الله عنه «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» ففي اقتضائه وطلبه يكون سمحًا، يعني: قابله بوجه بشوش، وقل له: هل حضر عندك المال؟ هل وصلك المال؟ هكذا بهذه الطريقة الحسنة مش تقول له فين مالي ومثل هذا بهذه الطريقة الشديدة ونحو ذلك. وأما بالنسبة للمدين أو المقترض فعليه أن يتقي الله وأن يعلم، أن الأصل في العبد أن لا يستدين وأن الدين خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا عند الحاجة فبعض الناس عنده ما يكفيه.
لكن عنده رغبة دومًا في الاستدانة. فهذا ليس بحسن. وقد قال عليه الصلاة والسلام، «يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين» والعبد يكون مرتهنًا بدَينه حتى يُؤدَّى عنه فأمر الدين أمر خطير فمن لم يحتج إلى الدين فلا يستدن وإن اضطر إليه فلا بأس حينئذ والله قد أباح ذلك من احتاج إلى الدين لا حرج عليه في أن يستدين.
خطورة حبس الشهيد بالدين وبركة نية السداد والمبادرة بالأداء
بل إن أكبر آية في القرآن أطول آية في القرآن هي آية الدين في سورة البقرة فلا إشكال في ذلك ولكن عليه إذا أخذ مالًا من أموال الناس أن ينوي السداد وأن يعزم على ذلك. فإنَّ النبي ﷺ قد قال «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» وكيف أن الله عز وجل أدى عنه هذه الدنانير التي كانت موجودة في الخشبة بفضل الله سبحانه وتعالى.
الأمر الثاني: إذا تمكن من الأداء فعلية أن يبادر وأن لا يؤخر فبعض الناس يكون عليه الدين والدين حال ويمكنه، أن يسدد. لكن يبقى المال معه ويقول: مش مشكلة الآن خلها غدًا خلها الشهر القادم يعممه معاه لأعتق رقبتك وخلِّص نفسك من الدين ما يدريك لعل الموت يأتيك بغتة ما تدري ماذا سيفعل الورثة فحينئذ تعجل بسداد الدين ما تمكنت إلى
ذلك سبيلًا من ذلك أيضًا ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾8 (الرحمن: 60) رد الجميل بالجميل. فهذا الذي قد أحسن إليك وأقرضك يُثنى عليه ويشكر على صنيعه لا يذم فيقال له: جزاك الله خيرًا، كنت سببًا في تفريج كربتي. لكن بعض الناس وللأسف الشديد إذا أعطاه شخص دينًا أو قرضًا وطلبه منه ولحاجته فيكون جزاء الإحسان حينئذ مقاطعة ونسأل الله السلامة والعافية.
وهذا موجود عند كثير من الناس بعض الناس إذا اقترض يقترض من هذا ومن هذا ومن ذاك ويستدين من هذا ومن هذا ومن ذاك ويبدد الأموال يبددها وينفقها في غير وجهها ويتهرب من هذا ومن هذا فعليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأيضًا مما يذكر في مثل ذلك أنه لا مانع من أن يعطي المقترض للمقرض شيئًا زائدًا عن القرض إن لم يشترط ذلك.
فإنَّ اشترط ذلك فهو عين الربا القرض يرجع كما هو، لا زيادة فيه إذا كانت الزيادة مشروطة، ولا يُزاد عليه، ولا حبة شعير لا يجوز ذلك إذا أخذ خمسة آلاف ردَّ الخمسة آلاف لا يجوز للدائن أو المقرض أن يشترط زيادة ولكن إذا لم يشترط الزيادة جاز للمقترض أن يقدم هدية ونحوها بطيب خاطر منه للمقرض. فهذا لا إشكال فيه، يعني: واحد أعطى آخر مالًا، وعرف أنه سيسدِّد المال الخمسة آلاف مثلًا ولكنه زاد قليلًا أو قدَّم مثلًا هدية فيقول له: يا أخي، أنا مش عاوز إلا مالي يقول لي يا أخي هدية هو أنت طلبت مني شيء هذا يعني: من باب المحبة والمودة وجزاك الله خيرًا قد كنت سببًا في تفريج كربتي.
تحريم اشتراط الزيادة في القرض وفضل حسن القضاء وقطعة من النار
فهذا لا إشكال فيه. وقد قال عليه الصلاة والسلام. فإنَّ خياركم أحاسنكم قضاء. وذلك أنَّ رجلًا قد اقتضى من النبي ﷺ سِنًّا كان قد أقرضه إياه. فقال الرسول ﷺ: أعطوه سِنًّا مثل سِنِّه. فقالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا ما هو أكبر منه. فقال: أعطوه. فإنَّ خياركم أحاسنكم قضاء، يعني: هو له سن أعطى أكبر من السن لا بأس بذلك لأنه ليس هناك اشتراط.
أما أن يأخذ قرضًا ويرد القرض بزيادة، فإنَّ هذا لا يسوغ، وعلى ذلك أيضًا فلا يجوز لإنسان، أن يقترض ﴿مِنْ أَىِّ﴾ جهة من الجهات تشترط عليه أن يرد بزيادة. فإنَّ الزيادة ولو قلَّت محرَّمة فلو ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ القرض وترد وهو تسدد بزيادة مش عارف نصف واحد من مئة أكثر أقل كل هذا لا يجوز قلَّ أو كثر فصبر الدائن على المدين وأنظره إذا كان مُعسِرًا ولو أن المدين اتقى الله فلم يُضيِّع أموال الناس، ولم يأكلها، ولم ينكرها لحدث بفضل الله سبحانه وتعالى خير عظيم، ولانتهت كثير من المشكلات التي تقع في المجتمعات، ومن الأمور الخطيرة جحد الحق أن يكون للإنسان دين على آخر فيدعي أو يقول المدين ما لك حق عليك
أنت مالكش حق، وتبقى أمامك المحاكم طالب به وممكن تكون الأوراق موجودة. لكن لك حلني على. بل ما الأوراق تخلص وأحكام واستئنافات وما إلى ذلك يكون قد أكل ولا سافر، ولا عمل ما عمل أو عمل ما عمل نقول له: أين تذهب من رب العالمين وأيضًا فليعلم أن حكم حاكم أو أن قضاء قاض لا يغير من حكم الله شيئًا، يعني: الإنسان الظالم إذا حكم له قاضٍ لعدم وجود الأدلة الكافية أمامه بأن ساحته بريئة ويعلم أنه ظالم.
فإنَّ هذا لا يبرئه عند الله عز وجل قال ﷺ: «إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له وقال في لفظ ﴿أَنَّمَا﴾ أقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار فليأخذها أو فليترك يعني: واحد ظالم ولك مش مشكلة مقرب جايز تحكم لنا فممكن تحت عدم يعني: عدم بيان القائم بأعمال الآخر أو المدين أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ» الدائن أو صاحب الحق يذهب حقه. فإنَّ هذا لا يسقط حقه عند الله سبحانه وتعالى، وهكذا فهذه بعض الحقوق والآداب المتعلقة بالمقرض والمقترض يخافون من أن يعطوا الناس، وكذلك المقترض يقول لك: أنا مش لا يحج أخذ منه فيتجه إلى البنوك الربوية وإلى الاتجاهات الربوية فلو حدث إصلاح من الطرفين بعض الناس يقرض غيره لينال الأجر والثواب من الله والمقترض يظهر أمانته فيطمئن هذا المقرض فيعطي المال ويعلم أنه محفوظ له بفضل الله تنتهي كثير من الأزمات.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يصلح أحوالنا وأن يكفينا بحلاله عن حرامه وأن يغنينا بفضله عمَّن سواه هذا، والله تعالى أعلم. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
- آية: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 11 ↩
- آية: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 280 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 278 ↩
- آية: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 279 ↩
- آية: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 148 ↩
- آية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 40 ↩
- آية: ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 60 ↩
من سلسلة: سلسلة دروس الآداب الإسلامية (25 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- الحديث العاشر سبب إجابة الدعاء
- الحديث الحادي والثلاثون الزهد في الدنيا
- داء النفاق الجزء الأول
- كتاب الإيمان (المجلس الثامن) شرح حديث ابن عمر عن أبيه في سؤالات جبريل عليه السلام عن الإسلام
- المجلس الثاني عشر- التعليق على تفسير الجلالين من قوله (وإذا خلوا إلى شياطينهم) إلى(وما كانوا مهتدين)
- لمحة في سورة الحديد