شرح حديث اتق المحارم تكن أعبد الناس (الجزء الثاني)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج الترمذي في سننه وحسنه الألباني من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي ﷺ قال: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهن؟». فقال: أبو هريرة رضي الله عنه أنا يا رسول الله قال فأخذ ﷺ بيدي فعد خمسا.
وقال اتق المحارم اتق المحارم تكن أعبد الناس وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك. فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب، يا أيها الإخوة الكرام، عشنا في لقاء سابق مع الشق الأول والوصية الأولى من وصايا النبي محمد صلوات ربي وتسليماته عليه في هذا الحديث الشريف وهي الجملة التي قال فيها اتق المحارم تكن أعبد الناس واليوم.
إن شاء الله تعالى نتحدث عن الوصية الثانية أو عن الأمر الثاني: الذي ذكره النبي ﷺ وذلك في قوله وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وجاء في بعض روايات الحديث كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام، أي: في هذه الرواية وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس نعم ما أجمل أن يكون العبد راضيًا بقسمة الله سبحانه ما أجمل أن يحقق العبد الرضا بالله وعن الله والرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، يا أيها الإخوة الكرام أن الرضا شأنه عظيم ومكانته كبيرة وهو في أعمال القلوب في أعلاها، وفي أسماها كما ذكر أهل العلم وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ارضَ بما قسم الله لك أي: بالذي رزقك الله به كن راضيًا به لا تستقل عطاء الله.
فإنَّ عطاء الله جل وعلا كثير وإن فضله كبير وأنت لا تدري أين يكون الخير فلربما ظننت الخير في شيء وكان الخير في خلافه فأحبه إلى الله جل وعلا أحبه إلينا وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وقوله: ﷺ أرض بما قسم الله إليك أعم من أن يكون المراد بتلك القسمة القسمة المالية فالمراد بقوله بما قسم الله لك من عموم الأرزاق التي يرزق الله بها العباد فالمعنى ارضَ بقسمة الله لك في باب الغنى والفقر فإذا كنت على حال معينة ومعك قدر من المال فاحمد الله جل وعلا على ذلك ارضَ بقسمة الله لك في باب الصحة فإذا كنت على حالة معينة في الصحة وغيرك أصح منك أو أشدّ منك قوة أو غيرك مريض ونحو ذلك فارض بقسمة الله جل وعلا لك إذا كنت صاحب أولاد أو لو لم تكن صاحب أولاد أو كان لك من الأولاد إناث دون الذكور أو كان لك ذكور دون الإناث فارض بقسمة الله جل وعلا لك إذا كنت في وظيفة معينة يعلمنا أن تتعلق قلوبنا بالآخرة وأن نأخذ من الدنيا القدر الذي يكفينا، يا أيها الإخوة، وأن ندخر ما نريد للآخرة.
فإنَّ الآخرة باقية وإن الدنيا فانية ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، قد تقدَّم لي بفضل الله جل وعلا خطبتان ماضيتان في سلسلة الداء والدواء كانت إحداهما باسم كسب الحرام وأكله، وكانت الثانية باسم الطمع وكلت الخطبتين تتحدث عن إقبال الناس على الشهوات وتركهم طاعة رب الأرض والسماوات إلا من رحم رب العباد جل وعلا وأذكر أمورًا أخرى لم أذكرها مع ذكر بعض ما سبق فأقول: اعلم عبد الله، علمني الله وإياك، أن المال عصب الحياة، ولا مانع أبدًا من أن يجمع الإنسان ما تيسر له من المال.
فإنَّ الأمر كما قال سفيان رحمه الله، المال سلاح المؤمن العبد المؤمن حينما يكون صاحب مال يقوى على طاعة الله جل وعلا ويكون عفيفًا متعففًا عن سؤال الناس يرضى بقسمة الله جل وعلا له فلا يفتقر إلى أحد ولا يذل لأحد ولا ينكسر لأحد. وهذا من فضل الله جل وعلا ولكن هب أنَّك سعيت في جمع المال، ولم تتيسر لك سبله هب أنَّك سعيت في الوصول إلى وظيفة معينة، ولم تنلها أهذا، يعني: أنك تتسخط على قدر الله الجواب لا.
بل أنت راض أو عليك، أن تكون راضيًا بقضاء الله فما عند الله جل وعلا خير لك مما تعد لنفسك وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس نعم الغني حقًا. يا عباد الله، هو الذي يكون راضيًا بقسمة الله جل وعلا. وذلك لأنَّ الذي لا يرضى لا يقنع وإذا كان لا يقنع فهو لا يشبع فيأكل ويأكل ويشرب ويجمع ما يجمع وهو في ذلك ساخط غير راضي أرأيتم عباد الله الذي يشرب من ماء البحر أتكفيه شربة أم شربة
إن الذي يشرب من ماء البحر يشرب ما يشرب ولا يرتوي. كذلك الذي لا يكون راضيًا عن قسمة الله وبقسمة الله يجمع ما يجمع، ولن يكون راضيا. لماذا لأنه لن يقنع إلا في حالة ما تلك الحالة أن يكون فوق الناس كلهم في كل شيء. وهذا من المحال إن الطامع لا يقنع أو لا يتصور أن يكون قانعا إلا وقت أن يكون فوق الناس كلهم وأن يكون الناس دونه في كل شيء.
وهذا من المحال لما لأنَّ الله جل وعلا أبى أن يكون الكمال إلا له أبى الله، أن يكون الكمال إلا له فمن كان فائقًا في باب كان نازلا في باب من كان مرتفعًا في باب كان منخفضًا في باب نعم. وهذه قسمة الله جل وعلا ترى عبدًا غنيًّا لكنه ضعيف مريض سبحان الله ما عنده القوة ولكن عنده الغنى وترى الآخر قويًّا يستطيع أن يفعل شيئًا أو أن يفعل الأمور الثقيلة الصعبة اعلم عبد الله أن الله حكيم في أفعاله فالله جل وعلا ما يقدر شيئًا إلا بحكمة، ولا يفعل شيئًا إلا بحكمة فهو العليم الحكيم سبحانه جل وعلا ومن حكمته أن فاوت بين الناس في الأرزاق فلم يجعل الناس على وتيرة واحدة وهنا يسأل سائل لماذا لا نكون سواء
لماذا لم نكن في الرزق على درجة واحدة والجواب أن ذلك لحِكَم كثيرة ألم يسبق لك الآن، أن سمعت أن الله حكيم من ذلك أخي الكريم، أن يحتاج بعضنا إلى بعض فحينئذ يتم التعايش ويتم التعامل مع الآخرين ﴿إِلَّا﴾ ترى أنني إذا حُزت كل شيء استغنيت عن كل الناس فكيف يتم التعامل بين الناس لكنني أحتاج إليك وتحتاج إلي فيحتاج المهندس إلى الطبيب والطبيب إلى المهندس وكلاهما يحتاجان إلى المزارع والمزارع يحتاج إلى المدرس كل الناس يحتاج بعضهم إلى بعض ألم تسمع قول الله ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ﴿دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ ما معنى قوله ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لا أن يسخر ﴿أَنَّمَا﴾ معنى قوله ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي: ليخدم بعضهم بعضًا نعم كل منا يخدم الآخر أستفيد منك وتستفيد مني فحينئذ أنا وأنت نجتمع على الخير والبركة ونعتقد اعتقادًا تامًّا أننا جميعًا إلى الله فقراء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ثم اعلم أن من أسباب تفاوت الناس في الأرزاق الابتلاء يبتلينا الله، إذا كنا على درجة واحدة فلن يتم ذلك الابتلاء.
لكن رجل أعمى والآخر بصير رجل صحيح والآخر مريض، رجل قوي والآخر ضعيف، رجل غني والآخر فقير، هذا من باب الابتلاء لينظر من سيصبر، ومن لا يصبر، قال الله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ كثير من الناس لو أعطي كل شيء أو كلما يريد لفسد في الأرض ألم يقل الله ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ﴿وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ ما يدريك لعل الله حجب عنك
هذا المال لأنه لا يريد لك، أن تكون مفسدًا في الأرض فاحمد الله وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ثم بعد ذلك أقول لك: أخي الكريم إذا أردت أن تكون راضيًا بقسمة الله جل وعلا لك فاعلم، أن الله جل وعلا إذًا قدر لك شيئًا فالخير فيما قدر الله لك الله أعلم بما يصلحك منك فقد تريد شيئًا وربك يعلم، أن غيره خير لك فأعطاك الذي يريد، ولم يعطك الذي أردت وما أراده خير لك مما أردت لا والله أمنع الله من يسب من الرزق
أمنع الله من اتخذ له الولد من الرزق؟ لم يمنعه. إن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربه قائلًا ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ يدعو ربه يا رب ارزق المؤمنين من أهل مكة فقط فأجابه الله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾، سأرزق يا إبراهيم المؤمن والكافر نعم قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه لا أحد أصبر على أذى
يسمعه من الله لا أحد أصبر على أذًى يسمعه من الله «إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» ثم هو يعافيهم ويرزقهم. إذن أرض بقسمة الله لك أنت يا موحد يا من تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا أتظن، أن الله جل وعلا يظلمك أخي الكريم ارضى بما قسم الله لك تكن أغنى الناس يعينك على ذلك المنهج الذي علمنا إياه رسولنا محمد ﷺ يعينك على ذلك، أن تسلك المنهج الذي علمنا إياه رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال ﷺ كما في صحيح مسلم انظروا إلى مَن هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى مَن فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم إذا أردت أن تكون راضيًا بقسمة الله فانظر إلى مَن دونك لا تنظر إلى مَن فوقك في أمور الدنيا في أمر الآخرة انظر إلى المُجِدِّ، إلى السابق قال الله ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ وقال: ﴿لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ﴾ أما في أمور الدنيا فانظر إلى مَن دونك إذا كان لديك جنيه فانظر إلى مَن عنده نصف جنيه أو.
انظر إلى مَن ليس عنده أصلًا إذا كان لديك شقة فانظر إلى مَن ليست لديه شقة مملوكة أو تمليك وإنما كانت مؤجرة إذا كان لديك لباس أو لباسان فانظر إلى مَن لا يجد الغطاء إذا كانت صحتك كما ترى فانظر إلى مَن هو في المستشفى فإنَّك تحمد الله جل وعلا وتشكره على فضله. انظر إلى مَن دونك لا تنظر إلى مَن فوقك فهو أجدر ﴿إِلَّا﴾ تزدروا نعمة الله جل وعلا عليكم وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس يا أيها الإخوة الكرام إن من قنع طاب عيشه وإن من طمع طال طيشه، أن من قنع طاب عيشه يعيش مطمئن البال لأنه راض بقسمة الله. وأما الطامع يطول طيشه يفكر في عمرو وفي زيد ويفكر في من لديه المال، وفي من لديه السلطان، وفي من لديه كذا وكذا يطول طيشه. وأما المؤمن حقًا يطيب عيشه لأنه يرضى بقسمة الله ألم تسمع قول الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس ولكن الغنى غنى النفس وجاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي ذر عند ابن حبان وغيره أنَّ النبي ﷺ قال له: يا أبا ذر ترى كثرة المال هو الغنى قال نعم وترى قلة المال هو الفقر قال نعم قال ﴿أَنَّمَا﴾ الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب الغنى الحقيقي غنى القلوب والفقر الحقيقي فقر القلوب ألَّا يتعلق قلبك بما في أيدي الناس وأن يتعلق قلبك بما عند الله سبحانه جل وعلا.
ولذلك قال الحسن رحمه الله، إن من ضعف يقينك اسمع العبارة. إن من ضعف يقينك، أن تكون بما في يدك أوثق مما في يد ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كان ما في يدك أنت على ثقة به أكثر من أكثر إذا كنت في ثقة وهي أعظم ثقة مما في يد الله فأنت على خلل لأنَّ ما عند الله أضمن لك مما في يدك فما عندك يذهب. وأما عند الله جل وعلا فإنَّه لا يذهب وعطاء الله جل وعلا لا ينفد.
ولذلك كان من الرضا بالله، وكان من تحقيق القناعة، أن يستغني الناس عما في أيدي الناس ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام، كما حسَّنه الألباني وغيره ازهد في الدنيا قال احتاجوا إلى علمه واستغنى عن دنياهم نعم احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياه فكان راضيًا بعطاء الله فكان أغنى الناس وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، إذا أردت أن تكون راضيًا بقسم الله جل وعلا لك فانظر إلى مَن هو دونك، ولا تنظر إلى مَن هو فوقك، ولا يتعلق قلبك بالناس وليتعلق قلبك ﴿بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا﴾ به أزواجا منهم زهرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. وقال جل وعلا ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ﴾ يا أيها الإخوة الكرام إذًا عقدنا مقارنة سريعة موجزة بين رجل غني وآخر فقير ما الفرق بين الغني والفقير رجل جمع مليّارات وآخر ليس معه إلا بضع جنيهات ما الفرق بينهما هذا يأكل.
وهذا يأكل هذا يشرب. وهذا يشرب هذا يلبس. وهذا يلبس هذا يسكن. وهذا يسكن ولكن طعام فوق طعام وشراب فوق شراب ومسكن فوق مسكن والأمر انتهى أسألك هل الذي معه من المال ما معه إذا جاء ليطعم طعمة الغداء سيأكل مئة وجبة أم سيأكل وجبة سيأكل وجبة والفقير سيأكل وجبة الفرق أن وجبة فوق وجبة وأن طعمة فوق طعمة ولكن سيموت الغني وسيموت الفقير فالفقير ليس معه من المال ما يحاسب عليه والغني معه من المال ما سيسأل عنه.
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع. ومنها عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه هناك سؤالان لا بد أن يوجه للعبد يوم القيامة كلا السؤالين متعلق بالمال يقال لك من أين اكتسبت المال، وفيما أنفقت المال من أين جمعت المال ما الطرق التي سلكتها من أجل تحصيل الغنى
وأين أنفقت هذا المال ولذلك قال يحيى بن معاذ رحمه الله، إنَّ العبد عند موته يصاب بمصيبتين يؤخذ منه جميع ماله ويسأل عن جميع ماله الإنسان الذي معه الدنيا معه ما اشتهى من الدنيا إذًا ما هل سيأخذ منها شيئًا لن يأخذ منها شيئًا. إذن هذه مصيبة يؤخذ منه جميع ماله ويسأل عن جميع ماله. وقد قرأ النبي عليه الصلاة والسلام.
فقال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم: يقول ابن آدم: مالي، مالي وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت إذًا تصدقت فقد قدمت لنفسك قال النبي عليه الصلاة والسلام، أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله. فقالوا: يا رسول الله كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه قال.
فإنَّ ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر. يا عباد الله، إن هذه ليست دعوة أبدًا لترك جمع المال من الحلال. بل أنا أقول كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، نِعْمَ المالُ الصالحُ للعبد الصالح فالغني إذا كان صالحًا فإنَّه ينفع نفسه وينفع أمته بفضل الله لكنني أقول لماذا التسخط على قدر الله لماذا المخالفات
لماذا المحرمات لماذا أكل الحرام بعض الناس يكره أخاه من أجل أن أخاه غني وليس هو بغنيه بعض الناس يؤذي جيرانه من أجل المال من أجل هذه القسمة التي لم يرض بها وهي قسمة عادلة بعض الناس يذهب إلى السحرة من أجل أن يسحر فلانًا أو من أجل أن تسحر فلانًا لا من أجل شيء ولكن من أجل سخطه على قسمة الله جل وعلا ﴿إِلَّا﴾ ترون، أن الحاسد ﴿أَنَّمَا﴾ حسد وأن الباغي ﴿أَنَّمَا﴾ بغى وأن الفاسد أو المفسد ﴿أَنَّمَا﴾ أفسد وأن الظالم ﴿أَنَّمَا﴾ ظلم بسبب ماذا
بسبب عدم رضاه بقسمة الله جل وعلا وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن وانظر إلى مَن جمع الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن قبر الغني كقبر الفقير يستويان دع الحرص على الدنيا أو ضع الطمع في الدنيا، وفي الحرص أو في الدنيا فلا تطمع.
فإنَّ الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع، غنيٌّ كلُّ من يقنع، فقيرٌ كلُّ من يطمع ﴿إِلَّا﴾ تذكر قول الله، ﴿وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ قد كانت الصالحات من قبله، ولازلن موجودات يقلن لأزواجهن: اتقوا الله فينا، اتقوا الله فينا أنا نصبر على الجوع، ولا نصبر على الحرام، ولا نصبر على النار نعم نصبر على الجوع، ولا نصبر على نار جهنم لا تظلم أحدًا لا تبغي على أحد لا تأكل حق أحد لماذا تضيع المواريث
لماذا تقطع الأرحام لماذا يحرم المستحقون من حقوقهم أم من أجل دنيا فانية أم من أجل دنيا زائلة وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس الذي يرضى بقسمة الله تراه غنيًّا قرير البال قرير العين مستريح النفس ما أتى حمد الله عليه وما ذهب حمد الله جل وعلا عليه. ولذلك قيل للإمام أحمد يا إمام يا أبا عبد الله أيكون لدى الرجل، أيكون لديه ألف دينار ويكون زاهدًا ممكن واحد يكون مع مليون جنيه جنيه مليون جنيه ويكون زاهدًا قال أجل إذا لم يفرح بها إذا أتت ولم يحزن عليها إذا ذهبت إذا جاءت حمد الله دون أن يتعلق قلبه بها بحيث يصد عن ذكر الله وإذا ذهبت فإنَّه يرضى بقضاء الله ويقول ﴿مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ﴾ أبقى عباد الله تذكروا قول الله جل وعلا مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ الله عليه وسلم كما حسَّنه بعض العلماء اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك.
وقال عليه الصلاة والسلام، قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا وقنَّعه الله بما آتاه بعض الناس وأختم بهذا يظن، أن ﷺ ﴿أَنَّمَا﴾ كان زاهدًا لأنَّ المال لم يكن في يده. وهذا خطأ ﷺ لو أراد أن يكون له ما يكون من أموال طائلة لكان. وقد كان المال تحت يده لكنه كان يتركه ﷺ زاهدًا فيه ألم تعلموا أن للرسول ﷺ نصيبًا في الغنيمة واعلموا أن ما ﴿غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ﴾.
وقد كان يكون عند ﷺ الخير الكثير فيأتيه الفقير فيعطيه ويأتيه السائل فيعطيه ﷺ بل اسمعوا كان النبي ﷺ بعد أن فتح الله عليه خيبر يدخر لنفسه طعام سنة. ولذلك قد يسأل سائل ويقول هل يجوز لي أن أدخر شيئًا من الطعام قد كان ﷺ يدخر لنفسه ما يكفيه سنة ولكن سبحان الله ما يأتي عليه شهر ولا أسبوع أو ما قارب إلا وذهب كلما ادخر ﷺ من كثرة إنفاقه صلوات ربي وتسليماته عليه حتى أن عائشة رضي الله عنها تقول لقد كان يمر علينا الهلال والهلال والهلال تمر علينا «ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ»، ولا يوقد في بيتنا نار النار التي توقد من أجل الله من أجل غيره تمر ثلاثة أهلة لا يوقد في بيت الرسول ﷺ نار فقيل لها ما كان يُعيِّشكم؟ ما طعامكم؟ قالت: التمر والماء، التمر والماء لأنه رضي ﷺ أن تكون له الآخرة واضطجع ﷺ ذات مرة على حصير فأثر في جنبه فبكى عمر.
وقال يا رسول الله ادعُ الله فليوسع على أمتك أنت رسول الله. وقد أثر الحصير في جنبه وكسرى وقيصر فيما هم فيه. فقال له لا تقول ذلك يا ابن الخطاب. إن أولئك أقوام عجلت لهم طيباتهم في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وأن تكون لنا الآخرة. وقد كان يدعو قائلًا اللهم ارزق آل محمد كفافا الرسول كان يدعو، اللهم ارزق آل محمد كفافا، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها، أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليها ومولاها، اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبسًا علينا فنضل، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمَّن سواك اللهم أغننا بفضلك عمن سواك اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار «اللَّهُمَّ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ نَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» اللهم احفظ مصرنا من الفتن
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
من سلسلة: خطب متنوعة شرح حديث شريف أو حديث قدسي (14 درسًا)