مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

وقفات مع قوله تعالي (أيود أحدكم أن تكون له جنه)

خطب · الدرس 299 من 342 · 22 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. استنباط عمر وابن عباس لمثل العمل المحبط بعد الطاعة في آية البقرة
  2. أسلوب الإنكار في «أيود أحدكم» وخطر الخواتيم السيئة المحرقة للعمل
  3. أوصاف الجنة الوافرة في النخيل والأنهار كمثل لرصيد الصالحات
  4. عجز الكبر وضعف الذرية وهجوم إعصار النار المحرق عند شدة الحاجة
  5. إحباط الأعمال بالمن والأذى وتفسير ابن عباس للختام بعمل الشقاوة
  6. محبطات الأعمال الكبرى: الشرك والرياء ورد السنة وترك العصر والتألي
التفريغ النصي الكامل للدرس

استنباط عمر وابن عباس لمثل العمل المحبط بعد الطاعة في آية البقرة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة أخرج الإمام البخاري في صحيحه من طريق ابن جريج «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ» بن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومن طريق بكر بن مضر «عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ» رضي الله عنه أو رحمه الله، قال عمر رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبي ﷺ فيمَ ترون هذه الآية نزلت أو قال فيمَ ترون نزلت هذه الآية ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾

فقالوا: الله أعلم فغضب عمر رضي الله عنه. وقال قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر رضي الله عنه: يا ابن أخي، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا تحقر نفسك. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ضُربت مثلًا لعمل قال أي: عمل قال لعمل. فقال عمر رضي الله عنه لرجل غني عمل بطاعة الله عز وجل ثم بعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله.

أسلوب الإنكار في «أيود أحدكم» وخطر الخواتيم السيئة المحرقة للعمل

يا أيها الإخوة الكرام، نعيش مع هذه الآية الجليلة الكريمة التي فسرها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وفي بعض الروايات «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ» رضي الله عنهما هو الذي فسر ذلك واستحسن عمر رضي الله عنه منه ذلك قال الله وهو أصدق القائلين ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾

عمر رضي الله تعالى عنه يبين لنا أن هذه الآية الكريمة يضرب الله عز وجل فيها المثل لمن عمل الصالحات ثم نكص على عقبيه وارتكب السيئات وإذ بتلك السيئات تتفوق على تلك الحسنات فإذا بها تودي بكثير من حسناته ولربما كانت سببًا في هلاكه. نسأل الله السلامة والعافية. ويشير أيضًا إلى أن العبرة بالخواتيم وأن من عمل عملًا صالحًا عليه أن يحافظ عليه وأن يحميه وأن يصونه فليست القضية في أن تعمل فحسب وإنَّما أن تعمل وتحافظ على العمل.

فإنَّ هناك محبطات للأعمال ومفسدات للصالحات. نسأل الله أن يتقبل أعمالنا ونعوذ بالله من أن يحبط عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لنا. أيود أحدكم هذا الأسلوب يراد منه الإنكار والتحذير والاستبعاد لا ينبغي أن يود أحد هذا الأمر أو أن يرغب فيه أو أن يحبه أو يقبل عليه أيود أحدكم من هذا الذي سفه نفسه من هذا الذي جهل فأي أن يكون مثل هذا الإنسان الذي بدأ في نعيم وانتهى إلى جحيم نسأل الله السلامة. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ له بستان عظيم وارف الظلال فيه أشجار ونخيل فيه ثمار وخير كثير ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ والنخيل يعطي الثمر كما لا يخفى. لكن الله لما ذكر الأعناب ذكرها بنفسها، ولم يذكر شجرها، ولما ذكر النخيل سماه نفسه قال بعض العلماء: لأنَّ النخيل ينتفع بكل ما يخرج منه فلم يذكر التمر مثلًا وهو الخارج من النخيل ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر النخيل، وفي مقابلته ذكر الأعناب دون الأشجار لأنَّ النخيل منتفع به من كل جانب ولذا ضرب به المثل للمؤمن.

أوصاف الجنة الوافرة في النخيل والأنهار كمثل لرصيد الصالحات

نسأل الله أن يرزقنا الثبات أيود أحدكم، ﴿أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ الإنسان حينما تكون له جنة حينما يكون له بستان فإنَّه يحتاج إلى ما يسقي به زرعه إلى ما يسقي به شجره إلى ما يروي به نخيله فإذا مَنَّ الله عليه، وكانت الأنهار تجري من تحت الأشجار. فهذا خير عظيم فهو ليس بحاجة إلى أحد لا يحتاج إلى ماء من هنا أو من هناك لأنَّ الأنهار تجري من تحت تلك الأشجار ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.

وهذا معناه: أنه في ازدياد من الثمار لأنَّ الأشجار ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ وحينئذ فجنته في نمو وازدهار هذا هو المتوقع ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ وليس هذا فحسب ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾. وهذا يحتمل احتمالين. أما الأول فإنَّ المراد بالثمرات المنافع التي ذكرها الله في النخيل والأعناب أو أن معنى قوله لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ أي: من الخيرات الأخرى فبعد أن خصص الله وذكر النخيل والأعناب عما.

فقال ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ فله نخيل، وعنده أعناب، وعنده ثمار كثيرة متنوعة وأشجار مختلفة بفضل الله عز وجل إلى هذا الحد فالأمر جميل ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾، مَن لا يود أن يكون حاله كذلك؟، أن تعيش في الدنيا ولديك جنة تتصف بهذه الصفات وتتسم بهذه السمات فأنت في خير مستمر، وفي عطاء وازدحام من النعم.

لكن هذا الرجل قد أصيب بأمور أخرى وأصابه الكبر والذي يصيبه الكبر يعجز عن كثير من العمل فهو يحتاج إلى أن يخدم لا أن يخدم وأن يقدم له لا أن يقدم لغيره. فقال وأصابه الكبر إذًا أولاده موجودون يستعين بهم يقومون على شأن تلك الحديقة أو على شأن تلك الجنة يقومون على شؤونه وأموره قال وله ذرية ضعفاء فذريته ضعفاء عاجزون صغار يحتاجون إلى مَن يقوم على شؤونهم لا يقومون على شأن أبيهم.

عجز الكبر وضعف الذرية وهجوم إعصار النار المحرق عند شدة الحاجة

بل هم ضعفاء بحاجة إليه وله ذرية ضعفاء وجاء التعبير القرآني هكذا ضعفاء مع أنَّ الله قال في مواضع أخرى قال وليخشى ﴿ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَـٰفًا﴾ فعبر بضعاف لكنه هنا عبر بضعفاء وضعفاء فيها المد مما يدل على أن ضعفهن شديد وأنهم بحاجة ماسة إلى مد العون من الأب ﴿وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ﴾ فأصابها إعصار ريح شديدة فيها سموم تحرق وتقضي وتستأصل تحرق ﴿فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ لا شك، أن الشق الثاني لا يريد منا أحد أن يكون من هؤلاء، ﴿وَلَآ أَن﴾ يكون شأننا شأن هذا الرجل لأنَّ ما معه لم ينفع هو ضعيف كبير عاجز وذريته ضعفاء فمن أين يأكلون أو يشربون وكيف يحمون

ثمارهم أو جنته عمر رضي الله عنه يبين، أن هذه الآية الكريمة مثل لرجل عمل صالحًا فالعمل الصالح بذرٌ تتبذَّر به الأرض أو يُبذر في الأرض فإذا بالشجر ينمو وإذا بالنخيل يزدهر هذا عملك الصالح فإذا حولت عملك الصالح إلى طالح إذًا أفسدت عملك فأحبطت عملك فهذه الحسنات تحترق شيئًا فشيئًا صحيح أنَّ لا إله إلا الله أعظم من كل شيء من هذه الأعمال بيد أن المعاصي بريد الكفر المعصية تجر إلى أخرى والمعصية تجر إلى أخرى وربما أدت بالشخص إلى أن يترك دين الإسلام.

نسأل الله السلامة. فما أحوجنا يا أيها الإخوة الكرام إلى أن نراقب أعمالنا وأن نحافظ عليها وأن ننظر إلى ما يحبط العمل فنتجنبه ونتركه ونجعل بيننا وبينه حاجزًا منيعًا وحصنا حصينا ونسأل الله السلامة والثبات على دينه. بعض المفسّرين جعل الآية الكريمة مثلًا للمرائين لأنَّ الله ذكر تلك الآية في أثناء حديثه عن المنفقين على اختلاف أنواعهم.

إحباط الأعمال بالمن والأذى وتفسير ابن عباس للختام بعمل الشقاوة

وقال بعضهم هذا فيمن يتصدق منًّا وأذًى كما قال قبلها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ﴾ وقال في شأن المخلصين ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ والله بما تعملون بصير وأيًّا ما كان.

الأمر فإنَّ تفسير الفاروق وابن عباس الحبر رضي الله عنهما، دليل واضح كاف على أن الآية الكريمة تحذر المؤمنين من أن يعملوا طالحًا بعد أن عملوا الصالحات، ومن، أن تحبط أعمالهم، ومن، أن يختم لهم بسوء. ولذلك ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه ذكر في «تفسيرها أن هذا الرجل كان يعمل الخير حتى إذا كان حين فني عمره ختم عمله بعمل أهل الشقاوة فأفسد عمله.»

نسأل الله السلامة. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، حافظوا على أعمالكم إذا عملت صالحًا فالعمل الصالح زرعك والعمل الصالح بذرك أترى من العقل أو الحكمة بعد أن تعمل وتبذر إذا بك تهدم بنفسك، ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ إنَّ محبطات الأعمال، يا أيها الإخوة الكرام، إن محبطات الأعمال كثيرة تقدم بيانها بفضل الله في أربع خطب في سلسلة الداء والدواء لكنني أذكر لك طرفًا منها بإيجاز وأسأل الله، أن يرزقنا السداد أعظم المحبطات الشرك بالله فالشرك بالله يحبط العمل كله جليلة ودقيقه قال الله ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾، وكذلك قال الله للنبي ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ الرياء يحبط الأعمال وبذا فسر بعض العلماء الآية الكريمة فنعوذ بالله من الرياء ونعوذ بالله، أن نشرك به شيئًا نعلمه ونستغفره لما لا نعلمه لا ترائي الناس ف«قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» فقلب من ترائيه بيد ملك الملوك جل وعلا فلا يملك لك أحد شيئًا الذي يملك كل شيء هو الله فلِمَ تصرف العبادة لغير الله جل وعلا؟ لا ترفع صوتك على رسول الله لا ترد شيئًا من سنة رسول الله ﷺ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وإن هذا الفجور.

محبطات الأعمال الكبرى: الشرك والرياء ورد السنة وترك العصر والتألي

وهذا الضلال المبين الذي وقع فيه كثير من الجرأة على سنة سيد المرسلين لهو مؤذن بخطر عظيم. نسأل الله السلامة والعافية. لا تتجرأ على سنة الرسول، ولا ترد أحاديث النبي المرفوعة الثابتة. بل والمتواترة كما ورد في المعراج مثلًا فهي أحاديث متواترة ثابتة عن رسول الله ﷺ من طرق لا تقبل تشكيكا، ولا ظنا وكذلك مما يحبط العمل ترك الصلاة ترك الصلاة وإذا كان المسلمون يتذكرون الإسراء والمعراج فأين هم من الصلاة.

وهذا أمر جد خطير والرسول عليه الصلاة والسلام، قد قال كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث بُريدة رضي الله عنه «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» فكيف بمن ترك الصلوات كلها من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. وقال ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن عمر «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما» وطر أهله وماله فكأنَّما وُتِرَ أهله وماله ولذا ليس بعجب كما قلت: في الخطبة الماضية حينما قال المشركون في حق الصحابة إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد فلا تترك صلاة من محبطات الأعمال التألي على الله أن تتألى على الله فتقول على سبيل التعيين في حق مسلم من المسلمين هذا داخل النار هذا من أهل النار هذا سيحبط عمله لا تتألَّ على الله فرق بين، أن نحذر الناس على سبيل العموم وبين، أن تحكم على شخص على سبيل التعيين بجنة أو بنار.

فإنَّ ذلك يحتاج إلى نص من دليل، من كتاب الله أو من سنة صحيحة عن محمد ﷺ والسيئة بمثلها فحينما تغلب الآحاد العشرات هذا يدل على خلل كبير في العبد. نسأل الله أن يثبتنا على دينه اللهم ارزقنا حسن الخاتمة اللهم ارزقنا حسن الخاتمة اللهم «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» اللهم جدد الإيمان في قلوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار، اللهم ارفع عنا المحن والإحن والبلاء والوباء، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم اقض ديوننا ويسر لنا أمورنا اللهم اقض لنا حاجاتنا اللهم اعف عنا وتولَّ أمرنا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة