مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

شرح حديث اتق المحارم تكن أعبد الناس (الجزء الخامس)

خطب متنوعة شرح حديث شريف أو حديث قدسي · الدرس 2 من 14 · 31 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾3 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا يا أيها الإخوة الكرام، أخرج الإمام الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم قال: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهن؟». فقال أبو هريرة رضي الله عنه: أنا يا رسول الله، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فعد خمسًا.

فقال: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك». فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب، يا أيها الإخوة الكرام، عشنا مع هذا الحديث في لقاءات سابقة وبقي لنا هذا اللقاء بفضل الله جل وعلا وهو اللقاء الخامس مع تلك الجملة الأخيرة، ولا تكثر الضحك.

فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب، يا أيها الإخوة الكرام، ربما ظن ظان حينما يسمع هذا الجزء من الحديث أن دين الإسلام ليس فيه فسحة وأنه دين يدعو إلى الكبت. وهذا ليس بصحيح فديننا ولله الحمد، والحمد لله جل وعلا، فيه الفسحة، وفيه اليسر، وفيه السماحة والسهولة بفضل الله جل وعلا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ولا تكثر الضحك».

فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب، ولنا مع هذا المقطع وقفات أولًا قال عليه الصلاة والسلام، ولا تكثر الضحك، ولم يقل ولا تضحك. إذن ما منع الإسلام من الضحك كله قليلة وكثيرة وإنَّما حذرنا النبي ﷺ من كثرة الضحك من الضحك المفرط، وعلى هذا فلو أن الإنسان ضحك المرة بعد المرة. فإنَّ هذا ليس بضائره، ولا يضره في دينه فأكثر ضحكه صلوات ربي وتسليماته عليه كان التبسم وتقول عائشة رضي الله عنها كما ثبت في الصحيحين «ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا قط حتى أرى منه لهواته، ﴿أَنَّمَا﴾ كان يتبسم» تعني أن ﷺ إذًا ضحك فضحكه التبسم، ولم تكن تظهر منه اللهاة، وهي اللحمة التي تكون في أعلى الحنك وهي اللحمة الحمراء لم تكن تظهر منه ﷺ إذا ضحك بأبي هو وأمه.

يا أيها الإخوة الكرام، إن التبسم لا مانع منه لا سيما إذا دعا له داع وفي كتاب الله جل وعلا ذكر الله شأن نبينا سليمان عليه الصلاة والسلام، وما كان منه حينما سمع قول النملة قال الله جل وعلا: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ قول النملة، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ فهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، نبينا عليه الصلاة والسلام، يقول، ولا تكثر الضحك.

فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب، وعلى ذلك فالمزاح له فقه في الإسلام. وهذا ورب الكعبة يدل على أن ديننا دين عظيم ما ترك شيئًا إلا ودلَّنا على الخير فيه وحذَّرنا من الشر فيه ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ نتحدث اليوم عن فقه المزاح وعن فقه التبسم أو الضحك الله أكبر هذا ديننا ولله الحمد والمنة يعلمنا كيف نتكلم وكيف نضحك وكيف نجلس وكيف نأكل وكيف نشرب فالحمد لله على

هذا الدين، وعلى تمامه المُزاح بالضم هو الاسم، وأما المصدر فبالكسر المِزاح على قول عدد من أهل اللغة المراد به الكلام الذي فيه انبساط دون أذية. وهذا ضابط مهم ما الفرق بين السخرية والمزاح المزاح أن يتبسط الإنسان في الكلام إلا أنه لا يؤذي أحدًا فإذا اقترن هذا الانبساط بالأذية فهي السخرية المحرمة قال الله عز وجل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا﴾ منهم المزاح أن تتبسط في الكلام وأن تقول قولًا ربما أحدث تبسما أو ضحكا منك أو من غيره إلا أنك في كلامك لا تؤذي أحدًا لا من الموجودين معك ولا من الغائبين عنك.

نسأل الله السلامة والعافية. وقد قال بعض أصحاب ﷺ كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا إنك تمازحنا. فقال ﷺ: «إني لا أقول إلا حقًّا»، هو يمازح، إلا أنه لا يقول إلا الحق صلوات الله وتسليماته عليه. ها هو ﷺ يمازح أنس بن مالك رضي الله عنه وقد خدم أنس رسولنا ﷺ عشر سنوات، فلم يسمع منه كلمة أف، يا ذا الأذنين ومن المعلوم أن كل إنسان له أذنان لكنه يداعبه فيقول له «يا ذا الأذنين» مداعبا كما قال أبو أسامة أحد الرواة وانظر رحمك الله إلى هذا الرجل الذي جاء إلى النبي صلوات الله وتسليماته عليه.

فقال له: يا رسول الله، أريد أن تحملني، أريد أن أُحمل على دابة لعله ليخرج معه في سبيل الله ليخرج في الجهاد الذي يريد الجهاد يحتاج إلى ما يحمل عليه لتقوى بفضل الله عزيمته فيقول: يا رسول الله أريد أن تحملني. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام مداعبًا: «إنا حاملوك على ولد ناقة» نحن سنحملك على ولد ناقة فالرجل ظن، أن ولد الناقة صغير فكيف سيركب.

فقال للنبي عليه الصلاة والسلام، يا رسول الله أريد أن تحملني. فقال له ﷺ «وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟» بمعنى: إنا حاملوك على ولد ناقة وما ولد الناقة الجمل. فهذا يشمل الصغير والكبير وهل تلد الإبل وهو المفعول به إلا النوق، يعني: أن الناقة هي أمه بوجه فيه تبصر، وفيه سهولة هذا من المزاح المعروف بفضل الله سبحانه وتعالى.

وقال عليه الصلاة والسلام، كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له في الأدب المفرد من حديث أبي ذر أيضًا، وفيه قال «وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة» التبسم في وجه أخيك، في وجه المسلم، صدقة بفضل الله سبحانه وتعالى، وجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه يبين لنا تلك الحقيقة فيقول: كما في الصحيحين «ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسَّم في وجهي» هكذا يقول الصحابي لم يرني الرسول مرة ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: مرة من المرات لم يرني إلا وتبسَّم في وجهي صلوات الله وتسليماته عليه فليس في الإسلام كبت للنفوس ليس في الإسلام منع من الاسترواح ﴿أَنَّمَا﴾ الممنوع أن يخالف العبد دين الله وأن يقع في معصية الله لذلك الرسول عليه الصلاة والسلام [يُراجع التسجيل للتحقق من العبارة].

والصحابة الكرام رضي الله عنهم، تعلموا من ﷺ ذلك. وقد يتعجب بعضكم مع أنَّ هذا الأثر قد ثبت وهو في البخاري في الأدب المفرد من حديث أو من طريق بكر بن عبد الله المزني قال كان أصحاب النبي ﷺ ربما تمازح بعضهم مع بعض وألقى بعضهم البطيخ إلى بعض ولكن وقت الجد هم الرجال رضي الله عنهم.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لأحب الرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا طلبت منه حاجة كان الرجل يتعامل مع أولاده كأنه صديق لهم يتعامل مع زوجه بلطف ورفق ولين هكذا يعلمنا أصحاب النبي رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك يقول إبراهيم النخعي وهو من التابعين رحمه الله، قال كان أصحاب ﷺ يضحكون اسمع والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي الإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي يضحكون فالضحكة تمر انتهت.

لكن القلب رسخ فيه الإيمان ليس ذلك الضحك الذي لا يحمل صاحبه إلا ضحكا، ولا يصحبه تقوى ولا خشية لله عز وجل. نسأل الله السلامة والعافية. إذًا ديننا ولله الحمد والمنة ليس فيه كبت ولا منع للمزاح، ولا منع للتبسم وإنَّما فيه الوسطية فيه الوسطية وهكذا ديننا، دين الوسطية بفضل الله، ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وهنا تأتي النقطة الثانية وهي ما ضوابط المزاح والتبسم أو الضحك

هل هذا المزاح يسوغ بإطلاق الجواب لا لا بد من ضوابط لا بد من قيود إذا راعيتها أفلحت بفضل الله سبحانه وتعالى، ولم يكن عليك تثريب فيما تصنع من ذلك ﴿إِلَّا﴾ تكذب في مزاحك ﴿إِلَّا﴾ تكذب في مزاحك بعض الناس يشتري الكذب ويبيعه يجلس المجلس فيريد أن يتحول المجلس إليه فيكذب كذبات من أجل أن يضحك الناس. وهذا لا يجوز «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له» ويل للذي يحدث الذي يحدث الناس فماذا يصنع فيكذب ليضحك به القوم يريد أن يضحك الناس بنكتة كما يسميها الناس فيقول: ﴿إِلَّا﴾ أقول لكم نكتة وهو يكذب فيها وربما أنزلها على الواقع.

فقال فلان فعل وفعل وهو لم ير ذلك ويل له ويل له هكذا قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وسمعت منذ قليل قول ﷺ لكني لا أقول إلا حقًا. وقال ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا» بعض الناس يكذبون فإذا واجهته يقول لك: يا أخي، إحنا بنضحك، نحن نضحك هذا لا يجوز لك لا يجوز لك أن تكذب لا في الضحك ولا في غيره كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، من الضوابط المهمة ﴿إِلَّا﴾ يكون هذا المزاح كثيرًا بحيث يصل إلى مرتبة الإفراط وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعتم، ولا تكثر الضحك حتى يصير الإنسان ضحكه بين الناس فيقال إن فلانًا رجل فكهي تجلس معه ليس له حديث إلا أن يضحك وأن يضحك الناس.

فهذا مذموم. نسأل الله السلامة. ومن ذلك ﴿إِلَّا﴾ يكون في هذا المزاح استهزاء بدين الله جل وعلا أو سخرية بشيء من تعاليمه. فإنَّ هذا لا يجوز فبعض الناس ربما وقع منه المزاح فيما يتعلق بالقرآن والسنة فيما يتعلق بجلال الله أو بالملائكة أو كتب الله أو رسل الله عز وجل فمثلًا من الأخطاء الشائعة عند بعض الناس يقول لك: عم ده أنا مع الملائكة، بيأكل ويشرب، غرز مع الملائكة [يُراجع التسجيل للتحقق من اللفظ] من قال لك.

إن الملائكة تأكل أو تشرب إن هذا كذب. وهذا لا يجوز لك، أن تقوله وربما زاد. الأمر فيسخر بعضهم كما في بعض تلك النكات كما يسمونها فيقول: سورة البقرة ويقص مسألة البقرة أو سورة الفيل ويعلق عليها تعليقًا سخيفا. فإنَّ هذا لا يجوز ولو كان على سبيل الترفيه أو على سبيل الفكاهة كما يسميها بعضهم واسمع تلك القصة بعض المنافقين لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، المسلمين بالخروج إلى غزوة تبوك وخرج المسلمون وقع من المنافقين أو من بعضهم بعض كلام قال بعضهم ما رأينا مثل قرائنا يقول بعض المنافقين «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء» قراؤنا همهم البطن، يأكلون فحسب.

لكن لا يجاهدون، ولا يقاتلون وهم كذبة كما يستخف بعض الناس بأهل العلم بأهل الدين بأهل الفضل تعرف ماذا نزل نزل قول الله. وهذا سبب نزول صحيح كما هو معروف لدى أهل التفسير نزل قول الله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ (التوبة: 65) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ جاء بعضهم إلى ﷺ يقول يا رسول الله ﴿أَنَّمَا﴾ كنا نضحك وكنا نمازح وما قصدنا ذلك فأنزل الله الآية الكريمة فإياك ثم إياك، أن تقول في مزاحك كلامًا فيه طعن في دين الله أو سخرية من دين الله أو من أهل الدين من أهل الديانة من أهل الملة من أهل الفضل والصلاح اتق الله.

فإنَّ لحوم أولئك مسمومة. نسأل الله السلامة والعافية. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصادقين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، من ضوابط المزاح أيضًا أن لا تؤذي أحدًا من خلق ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ وقع منك مزاح فلا تؤذي الناس لا تؤذي الناس لا من الجالسين، ولا من الغائبين فأنت إذا آذيت أخاك فأنت بذا وقعت في محظور، وكذلك إذا آذيت من ليس حاضرًا. فإنَّ هذا إما من الغيبة وإما من البهتان وكلهما حرام «ذكرك أخاك بما يكره» قال: «أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟» قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه» بعض الناس يجلس فيذكر فلان من الناس فيقول: آه فلان أقول لكم عليه ويبدأ يقص ويفتري ويكذب ويقول فيه قيلًا حتى ولو كان حقًا لكنه يكره، أن يذكر هذا الكلام فيه.

فإنَّ هذا لا يجوز فكيف وكثير من الناس يتكلم في الناس بغير حق وبغير بينة وبغير دليل ستقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ويسألك الله عن ذلك ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18). ومن ذلك، يا أيها الإخوة الكرام، ﴿إِلَّا﴾ يكون في المزاح فحش بعض الناس يجلس بعضهم مع بعض فيذكرون أمور النساء وأمور الجماع وأمور الشهوات فيتكلمون في تلك الأمور التي لا ينبغي أن تذكر إلا بين الزوج وزوجه فاتقوا الله. يا عباد الله، إذا جلست مجلسًا فلا تذكر مثل هذا الكلام وكما قال الأحنف بن قيس وغيره إني لأكره الرجل أن يكون وصّافًا لبطنه وصّافًا لفرجه يجلس بين الناس ليس له هم إلا أن يذكر أمر الأكل والشراب أو تلك الأمور التي تتعلق بالفراش.

نسأل الله السلامة والعافية. فهذا من الأمور المهمة أيضًا من ذلك، يا أيها الإخوة الكرام، ﴿إِلَّا﴾ يكثر من المزاح فيكون بذلك خفيفًا بعض الناس يصير خفيفًا بكثرة مزاحه والله قال: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ المؤمن لا يكون خفيفًا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون متزنًا بفضل الله عز وجل ولا تكثر الضحك. فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب هذه الجملة تسمى جملة تعليلية لماذا لا نكثر من الضحك يا رسول الله

والسلام، يجيبنا فيقول: فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب. إذن معناه: لا يجوز لك أن تسعى فيما يُميت قلبك وإنَّما عليك، أن تسعى جاهدًا فيما يحيي قلبك فهل سألت نفسك أخي في الله أقلبي حي أم لا؟ هل وجَّه كل واحد منا إلى نفسه هذا السؤال؟ أقلبي صحيح أم مريض أقلبي حي أم لا ليس من مات فاستراح بميِّتٍ، ﴿أَنَّمَا﴾ الميِّت ميِّت الأحياء من الناس من يمشي على الأرض، ألم يقل نبيكم محمد صلوات ربي وتسليماته عليه مثل الذي يذكر ربه

والذي لا يذكره مثل الحي والمَيِّت الذي يذكر الله حي والذي لا يذكر الله مَيِّت لذلك فالقرآن روح لنا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ نعم القرآن روح حياة للقلوب وغذاء لها بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾، ولا تكثر الضحك. فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب آه ثم آه من أناس كثيرين يمشون على الأرض يضحكون ويلعبون وقلوبهم مَيِّتة وهم لا يشعرون تذكر يا عبد الله أنك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ موقوف وأن قلبك هو الذي ينفعك ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

نسأل الله أن يرزقنا القلوب السليمة وهنا تأتي النقطة الأخرى يسأل سائل فيقول: إذا أردت ﴿إِلَّا﴾ أكثر من الضحك فماذا أصنع أنا مبتلا بهذا الداء إذا جلست مجلسًا لا بد أن أمازح كثيرًا وأن أضحك كيف أعالج نفسي أقول لك: أولًا تذكر الموت وتذكر الدار الآخرة وأحوال الآخرة ألم يقل نبيكم محمد ﷺ أكثر من ذكر

«هاذم اللذات»، وفي لفظ: «هادم اللذات»، «أكثروا ذكر هاذم اللذات» قاطع الشهوات سينقطع ضحكه قال نبيكم محمد ﷺ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا نعم لو أنَّنا نعلم ما نقبل عليه من الدار الآخرة من الحشر والنشر من الحساب والميزان والصراط وجنة أو نار لكثر بكاؤنا وقل ضحكنا، ولا يكون الضحك إلا فيما يفيد بفضل الرب المجيد سبحانه جل وعلا من ذلك.

يا أيها الإخوة الكرام، صحبة الأخيار صحبة الصالحين جالس الصالحين الذين يذكرونك بالله. ومن ذلك، يا أيها الإخوة الكرام، التفكر في الغاية التي من أجلها خلقنا نحن خلقنا من أجل ماذا من أجل أن نعبد الله وحده، من أجل أن لا نشرك به شيئًا، من أجل أن نطيعه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، فاشتغل بما ينفعك، واشتغل بتلك الغاية، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى.

أما والله لو علم الأنامُ لِمَا خُلقوا لما هجعوا وناموا خُلقوا لأمرٍ لو رأته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا مماتٌ ثم قبرٌ ثم حشرٌ وتوبيخٌ وأهوالٌ عظامُ ليوم الحشر قد عملت رجالٌ فصلَّوا من مخافته وصاموا ونحن إذا أُمرنا أو نُهينا كأهل الكهف أيقاظٌ نيامُ ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل كذلك اغتنام الأوقات لا تضيع وقتك بعض الناس يجلس مع غيره من أجل الضحك والمرح فإذا سألته يقول لك: عندي الساعة من الوقت قد قضيت عملي وذهبت إلى وظيفتي وأكلت وشربت فأنا أريد أن أخرج وأنا أتكلم وأن أضحك أقول لك: وكم قرأت من كتاب الله

كم سبحت الله كم ذكرت كم استغفرت الأوقات تحتاج إلى تعمير الأوقات تحتاج إلى عمل وكما قلت: مرارًا إن العمر، إن الوقت سريع التقضِّي، أي: ينقضي بسرعة، ولن يعود الوقت الذي ذهب لن يعود لك فاغتنم فراغك قبل شغلك عباد الله اشتغلوا بما ينفعكم بما فيه إصلاح قلوبكم من العبادة الصالحة من تقوى الله من كثرة ذكر الله، ومن الاستغفار، ولا تكثر الضحك، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان وسائر بلاد الإسلام اللهم أصلح ولاة أمورنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  3. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩

من سلسلة: خطب متنوعة شرح حديث شريف أو حديث قدسي (14 درسًا)

دروس مشابهة