مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

وقفات مع سورة التكاثر

خطب · الدرس 296 من 342 · 30 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الاعتبار بموت فجأةً الشباب ونعمة التذكير بالفناء في سورة الرحمن
  2. دلالة «ألهاكم التكاثر» في فتنة الأموال والأولاد ومحاسبة النفس
  3. حقيقة مال ابن آدم والافتخار بالأموات وخديعة التسويف بالدنيا
  4. بلاغة «﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾» وكون البرزخ دار ممر لا استقرار
  5. مراتب اليقين ومشهد جر جهنم والسؤال الحتمي عن نعيم الدنيا
  6. سؤال النبي عن رطب ابن التيهان وغمسة الجنة والنار المذهبة لنعيم الدنيا
التفريغ النصي الكامل للدرس

الاعتبار بموت فجأةً الشباب ونعمة التذكير بالفناء في سورة الرحمن

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، من رحمة الله، جل وعلا بعبادة، أن يذكرهم بآياته الآية تلو الآية فالله جل وعلا رحيم بعبادة ربما ابتلاهم ليتذكروا وربما أصابهم ليتعظوا ويعتبروا.

وقد أصيبت بلدنا أو بلدتنا في الأيام الأخيرة بعدة مصائب من هذا الجنس الذي ترونه فيموت بعض الشباب من كان منهم في ريعان شبابه فتصاب القرية به ويصاب أهله به. نسأل الله أن يرفع الغمة عن هذه الأمة وإن الواجب على الأمة، أن تتذكر وأن تتعظ وأن تتعرف على الله جل وعلا وأن تعبده كما شرع نبينا محمد ﷺ وإن رب العباد جل وعلا قد قال ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾. ثم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فبعد أن بين الله جل وعلا أن الفناء حق على من على الأرض وأن البقاء ليس لأحد إلا له عز وجل قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فإنْ قال قائل وأي نعمة في ذكر الموت نقول نعمة عظيمة، ومنة جليلة، أن تتذكر الدار الآخرة فتعمل لها وأن تعلم، أن هذه الدنيا دار ممر وليست دار مقر فإذا بك مستعد للقاء الله عز وجل غير عابث، ولا لاهٍ.

نسأل الله الكريم من فضله، يا أيها الإخوة الكرام، لا ينبغي ألبتة إذا أُصبنا بمثل هذه المصائب أو ابتلينا بتلك الابتلاءات أن تتحول المسألة إلى كرب أو إلى هموم أو إلى أمور فيها شغب أو لعب. نسأل الله العافية فبعض الشباب إذا جرت مثل تلك الحوادث وقفوا هنا وهناك وربما أصابوا الناس بالحرج الشديد فخاف أهل المَيِّت على مَيِّتهم كيف يدخل ليصلي عليه ما هكذا. يا عباد الله، نريد السكينة

والطمأنينة عباد الله ما أجمل أن نتذكر طاعة الله دومًا وأن نعيش عليها دومًا إلى أن نلقى الله عز وجل وأن لا تغرنا هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾5 ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ (لقمان: 33)

دلالة «ألهاكم التكاثر» في فتنة الأموال والأولاد ومحاسبة النفس

وإنني أقف معكم وقفة ليست بالطويلة مع سورة جليلة مباركة ذكرنا الله عز وجل بها أو فيها بما يجري في القبور وبما يكون من أمر الدار الآخرة ونهانا عن، أن نكون ممن اشتغل بالدنيا عن الآخرة.

نسأل الله أن يذكرنا بالدار الآخرة هذه السورة المباركة هي سورة التكاثر قال الله جل وعلا: فيها ﴿أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ سورة عظيمة مباركة ألهاكم التكاثر كلمة واضحة جلية ظاهرة ألهاكم التكاثر ألهاكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس التكاثر شغلكم اللهو نفسه كلما يشغل الإنسان عن طاعة الله عز وجل كلما يقوم به الإنسان بلا هدف سام ولا مقصد عال يقال له: لهو من اللهو ألهاكم التكاثر إخبار من الله جل وعلا على قول جمهور المفسّرين عن حال كثير من الناس بأن الدنيا قد شغلتهم وبأن التكاثر قد ألهاهم عن طاعة الله عز وجل ألهاكم التكاثر وإني سائلك بادئ ذي بدء وأطلب منكم يا أيها الإخوة الكرام ﴿إِلَّا﴾ يُقوِّم أحد من الجالسين اتقوا الله ربكم واسمعوا ما توعظون به.

فهذا خير لكم عند ربكم جل وعلا لا تقوموا، ولا تتحركوا هذان مَيِّتان. نسأل الله أن يرحمهما، وكذلك نحن سنموت والواجب علينا أن نتعظ وأن نتذكر عباد الله لا يكلم أحدكم الآخر اجلسوا يرحمكم الله، يا أيها الإخوة الكرام، يقول ربنا جل وعلا ألهاكم التكاثر شغلكم هذا التكاثر عن طاعة الله عز وجل شغلكم عن الإقبال عليه سبحانه وتعالى، ألهاكم التكاثر.

وقد حذرنا الله جل وعلا من ذلك في غير ما موضع. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾6 (المنافقون: 9) وقال سبحانه وتعالى، مثنيًا على عباده الصالحين الذين يلزمون مساجد الله يطيعون الله جل وعلا فيها فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾7 (النور: 37) يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ ألهاكم التكاثر قال عدد من أهل العلم التكاثر المقصود به ما يتكاثر به من الأموال والأولاد وغير ذلك فبعض الناس يتكاثر على غيره ويفتخر على غيره بأنه ذو أموال اشتغل بالمال عن التفكير في طاعة الله عز وجل ومن الناس من تغره قوته، ومن الناس من يغره نسبه أو حسبه، ومن الناس من يغتر بأولاده فيشغله الأولاد عن طاعة الله.

فإنَّ «الولد مجبنة مبخلة مجهلة» إلا من رحم الله جل وعلا ألهاكم التكاثر وإني سائلك. بل أسأل نفسي ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أسألك هل نحن من هؤلاء هل أنا وأنت ممن ألهانا التكاثر؟ هل نحن ممن نشغل بالأموال عن طاعة الله هل نحن ممن نشغل بالأولاد عن طاعة الله هل أنت في مرة من المرات شغلت بولدك عن صلاة هل أنت في مرة من المرات شغلت بالمال وإعداده وجمعه عن طاعة الله سبحانه

سل نفسك، وكن صادقًا مع نفسك. فإنَّ كنت ممن يلهيه التكاثر فهل تتراجع وتتوب إلى الله عز وجل أم تستمر على ذلك فيزداد لهوك وانشغالك بالدنيا شيئًا بعد شيء إلى أن تنصرف عن أكثر ما يكون من طاعة الله جل وعلا ألهاكم التكاثر ألهاكم الانغماس في الدنيا والتكالب عليها حتى صارت الطاعة لا تمثل من دنيانا إلا القليل إلا من رحم الله جل وعلا أوقاتنا بِمَ نَعْمُرها؟ وحياتنا بما نشغلها

أنشغلها بطاعة الله العظيمة أم نشغلها بأمور ذاهبة غير باقية فانية غير ثابتة ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾

حقيقة مال ابن آدم والافتخار بالأموات وخديعة التسويف بالدنيا

قرأ النبي محمد ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قرأ ﷺ سورة التكاثر قرأ ألهاكم التكاثر.

ثم قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي «يقول ابن آدم مالي وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وجاء في رواية وما» سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ما أكلت فهو إلى فناء وما لبست فهو إلى البلاء والذهاب وما تصدقت فهو الباقي ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾ أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ قال بعض المفسّرين وصل.

الأمر ببعض الناس إلى أن يفتخر حتى بمن في المقابر فكان بعضهم يقول للآخر عندنا فلان وفلان، ومن قبيلتنا فلان وفلان. وهذا وهذا الذي يتباهون به قد دخل في القبر الله أكبر يتباهون حتى بالأموات ذهب الأموات ذهب الأموات وانصرفوا. ومع ذلك يتكبر بهم بعض الخلق. نسأل الله السلامة ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾.

وقال عدد من أهل التفسير. بل المعنى أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ أي: لم تزالوا على الاشتغال بالدنيا والانصراف عن الآخرة إلى أن دخلتم في المقابر نعم العمر يغرك والدنيا تفتنك هِيَ الدُّنْيَا تَقُولُ بِمِلْءِ فِيهَا … حَذَارِ حَذَارِ مِنْ بَطْشِي وَفَتْكِي وَلَا يَغُرَّكُمْ مِنِّي ابْتِسَامٌ … فَقَوْلِي مُضْحِكٌ وَالْفِعْلُ مُبْكِي تغريك الدنيا فتسوف وتقول غدًا سأطيع الله سأجمع الأموال وأبني الدار وأزوج الأولاد وأتفرغ لطاعة الله يوم يليه يوم والساعة تليها الساعة.

بلاغة «﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾» وكون البرزخ دار ممر لا استقرار

بل وشهر يليه شهر وإذا بك ممن ينادى عليه مات فلان ابن فلان ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ وإذا نظرت إلى الآية الكريمة وجدت عجبا إذ قال رب العباد أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ، ولم يقل حتى دخلتم المقابر لم يقل حتى متم ﴿أَنَّمَا﴾ قال حتى زرتم هذا يدل على أن من دخل المقبرة. فإنَّ هذا ليس بالختام. وهذه الدار ﴿أَنَّمَا﴾ تنقله إلى دار أخرى وهي الدار الآخرة لذلك قرأ عمر بن عبد العزيز الآية.

فقال: والله ما الزائر بمقيم أنت إذا دخلت المقبرة لست بمقيم تزورها زيارة تبقى فيها مدة ثم تنتقل إلى دار الآخرة فالدور ثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ وهو ما يكون في القبر ودار الآخرة أنتم في دار وبقي الداران فما أقبح عبدًا عمل في دار ونسي دارين ما أقبح عبدًا عمل من أجل دار ذاهب ونسي دارين ستلي تلك الدار.

نسأل الله الكريم، أن يذكرنا به ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾، ولم يقل الله حتى زرتم القبور أو حتى متم ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ جمع مقبرة. لما? ألهاكم التكاثر? تكاثرتم بالأموال والعقارات. تكاثرتم بالأطنان وتكاثرتم بالأولاد. تذكروا أن الختام إلى مقبرة إلى مقبرة ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ مهما جمعت من الدنيا ولو جمعت الدنيا بأجمعها ألست تصير إلى مقبرة تدخل فيها فماذا أنت صانع فيها أتجد جوابًا أتستطيع أن ترد إذا سُئل إذا قيل لك ماذا تعرف عن

هذا الرجل الذي بعث فيكم تقول أشهد أنه رسول الله تستطيع أن تعرف وأن تجيب عن دينه وأن تجيب قبل ذلك كله عن ربك فتقول ربي الله وحده لا شريك له ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾. الأمر يصير إلى مقبرة بعد هذه الأموال التي جمعت، وبعد هذه الأولاد التي قد أعطيتها ورزقك الله عز وجل بهم ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾. ثم قال الله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يا من غاب عنك العلم في الدنيا ستعلم في الآخرة يا من جهلت في الدنيا سيكون العلم في الآخرة ففي الآخرة تظهر الحقائق وتنكشف سمى الله يوم القيامة بالحق.

وقال الله جل وعلا: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾8 (ق: 22) بصرك اليوم قوي تبصر كل شيء لا يغيب عنك شيء تعرف أن هذا حق وأن هذا باطل أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميدٌ مجيدٌ…. أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، قال سبحانه ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ هذا العلم الذي لا يختلجه شك ولا يخالطه ريب. بل هو علم قطعي لا خفاء فيه ولا شك فيه. وهذا يكون يوم القيامة عند قوله: لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ لترون الجحيم هذه الجحيم هذه النار ينظر الناس إليها ويرون أمرها وينظرون إلى ما صارت إليه.

مراتب اليقين ومشهد جر جهنم والسؤال الحتمي عن نعيم الدنيا

وقد قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم يؤتى «بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك» يجرونها. وقال ربنا ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. نسأل الله السلامة ﴿لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ تأكيد للرؤية لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: هذا أمر يقيني مشاهد ليس معلومًا فحسب وإنَّما مرئي منظور إليه أهل الإيمان فيسلمهم الله من النيران وينجيهم منها بفضله وكرمه.

نسأل الله النجاة من النار. وأما غيرهم هذه الآية خطيرة ورب الكعبة ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ ستسأل عن النعيم. وقد قال أكثر المفسِّرين. إن المقصود بالنعيم نعيم الدنيا تسأل عما نعمت به في الدنيا فتسأل عن المال عن الصحة عن الولد تسأل عن كل النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك. وقد قال ﷺ إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمك ونُرْوِكَ من الماء البارد

﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾. وقد يظن ظان خرج ذات يوم أو ليلة فرأى أوفئذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فقال ﷺ: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة فقال: أي: أبو بكر وعمر الجوع يا رسول الله أكبر الذي أخرج أبا بكر من بيته هو الجوع والذي أخرج عمر من بيته الجوع لا يجد ما يطعمه فقال رسول الله: محمد ﷺ وأنا «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» لأخرجني الذي أخرجكما أخرجني نفس السبب أفضل ثلاثة في هذه الأمة قائدهم رسولنا محمد ثم يليه أبو بكر الصديق «ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنهما، أبو بكر وعمر ويتقدمهم إمام الهدى محمد ﷺ الذي يخرجهم من بيوتهم الجوع.

سؤال النبي عن رطب ابن التيهان وغمسة الجنة والنار المذهبة لنعيم الدنيا

فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:، فقوموا فقام معه حتى أتى إلى رجل من الأنصار وهو أبو الهيثم الأنصاري كما جاء في بعض الروايات. فقال النبي ﷺ وقد رأته امرأته أي: امرأة أبي الهيثم فقالت مرحبًا وأهلًا فقال رسول الله: صلى الله عليه وآله وسلم أين فلان يسأل عن زوجها فقالت ذهب يستعذب لنا الماء إذ أتى الرجل فرأى رسول الله ﷺ وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد أكرم أضيافًا مني اليوم ما أحد أكرم أضيافا مني ضيفه رسول الله وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وصلى الله على نبينا وسلم فذهب الرجل فأتى بعذق فيه بسر وتمر ورطب. ثم قال لهم كلوا ثم أخذ المدية، أي: السكين ليذبح.

فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام، إياك والحلوب لا تذبح شاةً حلوبًا حتى تبقى لكم لتحلب لكم لبنا فذبح الرجل فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة وأكلوا من العذق وشربوا وروا. فقال رسول الله: محمد ﷺ واسمع العبارة أكلوا وشربوا بعدما أخرجهم الجوع. فقال: أخرجكم من بيوتكم الجوع قال «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» لتسألن يومئذ عن هذا النعيم أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا إلا بعد أن أصبتم من هذا النعيم أو كما قال عليه الصلاة والسلام، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» لتسألن يوم القيامة عن هذا النعيم أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصبتم من هذا النعيم نعم ماذا صنعوا أكلوا وشربوا ورَوَوْا ويسألون عن

هذا النعيم فماذا نقول في النعيم الذي قد أنعم به علينا منى. يا عباد الله، يخرج من بيته من أجل الجوع مهما أصبتم من نعيم في الدنيا فهو نعيم زائل لذلك قال بعض المفسّرين في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ النعيم هو نعيم الآخرة تسأل عن نعيم الآخرة لماذا ضيعته لماذا فرَّطت فيه فالنبي ﷺ قال كما في صحيح مسلم حديث أنس «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يؤتى» بأنعم أهل الدنيا أكثر الناس نعيمًا في الدنيا فيُصبغ صبغة في النار ثم يقال له: هل رأيت نعيمًا قط هل مرت بك لذة قط فيقول: لا

والله يا رب صبغة في النار أنسته نعيم الدنيا «ويؤتى بأشد الناس بؤسا من أهل الجنة فيصبغ في» الجنة صبغة أو يغمس فيها غمسة ثم يقال لهذا الفقير في الدنيا الذي كان لا يجد شيئًا لكنه كان يطيع الله يقال له: هل رأيت شدة قط هل مر بك بؤس قط فيقول: لا والله يا رب النعيم نعيم الآخرة والعذاب عذاب الآخرة فاعملوا للآخرة. يا عباد الله، تذكروا أنكم ستمرون على الصراط فاعملوا وسيروا على الصراط المستقيم في الدنيا لتسيروا عليه بيسر في الآخرة تذكروا قول الله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ أَبَتْ نَفْسِي تَتُوبُ فَمَا احْتِيَالِي … إِذَا بَرَزَ الْعِبَادُ لِذِي الْجَلَالِ.

وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ سُكَارَى … بِأَوْزَارٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ اللهم ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم اغفر لحينا ومَيِّتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا يا ذا الجلال والإكرام اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام، وسائر بلاد الإسلام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 33 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المنافقون 9 ↩
  7. آية: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 37 ↩
  8. آية: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 22 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة