مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

وقفات مع الشتاء

خطب · الدرس 292 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الاعتبار بتعاقب الفصول والنهي الشرعي عن سب الدهر والزمان
  2. زمهرير الشتاء ونفس جهنم والاستدفاء بالإيمان والعمل الصالح
  3. الشتاء ربيع المؤمن وغنيمته الباردة بصيام نهاره وقيام ليله
  4. فضل دعاء من تعارّ من الليل وإسباغ الوضوء على المكاره في الشتاء
  5. تفقد الفقراء في الشتاء الفاضح ونعمة الدفء والسلامة من الزمهرير
  6. فقه نزول المطر واستجابة الدعاء وسنة حسر الثوب ورخصة الجمع
التفريغ النصي الكامل للدرس

الاعتبار بتعاقب الفصول والنهي الشرعي عن سب الدهر والزمان

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102).

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة يا أيها الإخوة الكرام في تعاقب الليالي والأيام ومرور الشهور والأعوام آيات وعبر وعظات.

وهذا كله من آيات الله الباهرات وصدق الله عز وجل إذ قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. وقال جل وعلا ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ وقفات مع الشتاء هذا هو موضوع حديثنا في هذا اليوم. نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يثبتنا على طاعته، وأن ييسر لنا سبل الرشاد والهدى، إنه على كل شيء قدير.

يا أيها الإخوة الكرام، إذا جاء فصل الشتاء، اشتكى كثير من الناس منه، وإذا جاء فصل الصيف، اشتكى كثير من الناس منه كذلك، وأمرنا إلا من رحم ربنا سبحانه وبحمده على حسب ما يقول القائل يَتَمَنَّى الْمَرْءُ فِي الصَّيْفِ الشِّتَاءَ … فَإِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ أَنْكَرَهُ فَهُوَ لَا يَرْضَى بِحَالٍ وَاحِدٍ … ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ﴾ الشتاء والصيف زمانان قدرهما الله سبحانه وتعالى، وعلينا أمام هذه الفصول.

يا أيها الإخوة الكرام، أو تجاه تلك الفصول أن نتأدب بالآداب التي علمنا إياها رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ﴿إِلَّا﴾ نسب الدهر لا ينبغي لنا أن نسب الزمان لا نسب شتاء، ولا نسب صيفا لأنَّ الذي قدر هذا وذاك هو الله سبحانه وتعالى، لا تسب الدهر فمن الأخطاء الشائعة لدى كثير من الناس أنه إذا تأذى بحر أو برد ما كان منه إلا أن يسب الأيام أو الليالي أو الشهور أو الفصول.

زمهرير الشتاء ونفس جهنم والاستدفاء بالإيمان والعمل الصالح

وهذا مما لا ينبغي أن يقع من المسلمين. نسأل الله أن يسلمنا هذا أمر وأمر ثانٍ وهو، أن هذا البرد والزمهرير يذكرنا بنار جهنم فهل من معتبر ومتعظ إن الرسول صلوات ربي وتسليماته عليه قد قال كما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال اشتكت النار إلى ربها اشتكت النار إلى ربها.

فقالت: يا ربي أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء أو قال نفس في الشتاء «وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ» «فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» فحينما تشتد الحرارة وحينما تشتد البرودة. فإنَّ ذلك يذكرنا بالنفسين اللذين تتنفس بهما أو منهما نار جهنم. نسأل الله السلامة النار تتنفس نفسين، وفي بعض الروايات في كل عام هذا النفس يقع منها في الشتاء فهو أشدّ ما تجدون من الزمهرير أي: من شدة البرودة المهلكة «وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ» وهو أشدّ ما نجد من الحرارة المهلكة فإذا كان هذا نَفَسًا واحدًا.

وهذا الذي يصل إلينا منه إذا وقع منه الأذى فكيف بمن تكون النار مأواه كيف بمن تكون النار مأواه كيف بمن تكون النار دارًا له ومقاما. نسأل الله السلامة والعافية. جدير بنا أن نتذكر أننا ضعفاء وأننا لا نقوى على سموم النار، ولا على زمهريرها وأنه لا غنى لنا عن رحمة الله ربنا سبحانه وتعالى، فحينئذ نتذكر النار كما قال الله أفرأيتم النار التي تورون ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ العظيمسبحان ربنا العظيم.

وقد أخبرنا النبي الكريم صلوات الله وتسليماته عليه أن هذه النار التي نوقدها جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم فنسأل الله العافية والسلامة من نار جهنم جدير بنا أن نتذكر ذلك إذا كنا في الدنيا نضرع إلى وسائل التدفئة فنلبس الملابس الثقيلة لنحتمي بها من هذا البرد إذا كنا نستقر في بيوتنا ونغلق علينا أبوابنا ونستعمل الآلات التي تعدنا أو التي تمدنا بالطاقة والحرارة فمن لنا يوم القيامة

إن الذي يستدفئ به المسلم. إن الذي يوقى به المسلم من حر النار وزمهريرها عمله الصالح المسبوق بالإيمان بالله. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. فاعمل وأقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى، مولاك إِذَا كَانَ يُؤْذِيكَ حَرُّ الْمَصِيفِ … وَيُبْسُ الْخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك بالعزم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لي ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾

الشتاء ربيع المؤمن وغنيمته الباردة بصيام نهاره وقيام ليله

إذا كنت في الصيف تقصر في الطاعة بدعوى أن الحر شديد وإذا كنت في الخريف تقصر في الطاعة ليبس الجو وإذا كنت في الشتاء تقصر في الطاعة لبرودة الجو فمتى يكون لديك العزم على طاعة الله سبحانه وتعالى، إن «الشتاء ربيع المؤمن». وقد جاء بذلك الخبر عنه عليه الصلاة والسلام. بيد أن الرواية عنه لا تخلو من مقال من حيث الرواية ولكنه من حيث.

المعنى صحيح لا غبار عليه. فالشتاء ربيع المؤمن يرتع فيه ويجد مجالًا للطاعة. ولذلك جاء عنه أيضًا عليه الصلاة والسلام، «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»، وفيه مقال وحسنه بعض أهل العلم وجاء في بعض الروايات قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه الشتاء ليله طويل ينام المرء ويستيقظ والليل لم ينتهِ بعد الفرصة سانحة والوقت متسع قد تضطر من البرد للنوم مبكرًا وبينك وبين الفجر وقت طويل تتمكن فيه من الطاعة والنهار قصير، ولا يشعر الإنسان فيه بالعطش إلا القليل فهو غنيمة باردة فاغتنموا.

ولذلك كان عبيد بن عمير إذا أقبل الشتاء قال: «يا أهل القرآن قد جاءكم الشتاء قصر نهاره فصوموا وطال ليله فقوموا» واغتنموا لا تضيع الفرصة منك. بل إن الرسول الكريم ﷺ قد قال في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري في صحيحه من تعار من الليل من تعار من الليل قال بعض الشراح أي: من استيقظ.

فضل دعاء من تعارّ من الليل وإسباغ الوضوء على المكاره في الشتاء

وقال آخرون: من صدرت منه ألفاظ وهو نائم. وقال آخرون: من تنبه أو استيقظ أو تقلب على فراشه «من تعار من الليل. فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ والحمد لله وسبحان الله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال رب اغفر لي أو دعا استجيب له.

فإنَّ توضأ فصلى قبلت صلاته» إنها غنيمة عظيمة إذًا جرى ذلك لك من الليل أن تقول تلك الكلمات القليلة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ والحمد لله بتقديم الحمد له وفي رواية الإسماعيلي تقديم سبحان الله والحمد لله وسبحان الله، «وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم قال رب اغفر لي أو دعا استجيب له هو ما ظلَّ على السرير ما ظلَّ على فراشه فإذا دعا استجيب له وهو لم يقم بعد من على سريره فكيف إذا تحرك وتوضأ. فإنَّ توضأ فصلى قبلت صلاته وإذا كان بعض شراح الحديث قد ذكره، أن هذا فيمن يجري هذا الكلام على لسانه بسبب اعتياده الذكر هو متعود أول ما يخرج من لسانه عند استيقاظه، وعند تحركه، وفي ذهابه وإيابه، أن يذكر الله عز وجل.

فهذا شأنه دومًا لكنني أقول تكلَّف ذلك وقُلْه ثم بعد ذلك ستتعود عليه، ولا تحرم نفسك من الخير أهذا خير أم ذاك الذي إذا تقلب على فراشه سب الدهر والزمان وتضايق وتسخط وتضجر. نسأل الله أن يرزقنا الرضا عنه وبه سبحانه جل وعلا الشتاء غنيمة باردة في الصوم والصلاة والعبادة والقرب من الله سبحانه وتعالى، لا سيما وأن الجنة كما قال الرسول حفت بالمكاره لذلك قال ﷺ: «كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ﴿إِلَّا﴾ أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قال إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ بعض الناس لأنه في فصل الشتاء يقصر في الصلاة وإذا به يترك الوضوء».

مع كونه محتاجًا إليه لكي تصح صلاته بسبب حدث وقع منه أقول له : أسبغ الوضوء على المكاره ولك الأجر ولك الثواب صحيح أنَّك إذا تأذيت بهذا الماء البارد تأذيا شديدًا فلك، أن تتيمم إذا لم تتح لك الفرص الأخرى فاستعمال الماء الساخن وما إلى ذلك لا بأس به وهو من الأخذ بالأسباب. لكن كثيرًا من الناس مع ذلك يقصر يقول إذا بي سأرفع ثوبي من أجل أن أغسل يدي إلى المرفقين أسبغ الوضوء على المكاره فذلكم الرباط ولك بذلك محو السيئات ورفعة الدرجات أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

تفقد الفقراء في الشتاء الفاضح ونعمة الدفء والسلامة من الزمهرير

فيا عباد الله، هكذا الشتاء فرصة عظيمة لطاعة الله سبحانه وتعالى، وكثير من أهل المعاصي يستكنون ويستقرون في بيوتهم من شدة البرد فيقوم أهل الطاعة ليصفُّوا أقدامهم بين يدي ربهم قائلين يا ربنا نشتاق إليك ونريد أن نتلذذ بالنظر إلى وجهك ونتشوق أو نشتاق إلى لقائك والله قال مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ.

﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، يا أيها الإخوة الكرام، في الشتاء عظات ودروس وعبر وآيات، ومن هذه الدروس العظيمة، أن نتذكر أحوال الفقراء والمساكين والمحتاجين فإذا كان لديك المال الذي تشتري به الملابس الثقيلة إذا كانت لديك النقود التي تقتني بها ما تحب وما ترغب وما يرغب أولادك في الدفء بشتى وسائله فغيرك لا يقدر على ذلك وغيرك حرم من ذلك فاشكر نعمة الله عليك وتذكر غيرك ممن لا يجد ذلك سواء أكان قريبًا منك أم بعيدًا عنك كان في بلدك أم في بلد آخر فالمؤمنون إخوة في كل مكان وزمان ممن يلتحف السماء وممن يفترش الغبراء تذكر أمثال هؤلاء فجدير بك، أن تعطي الزائد عن حاجتك لغيرك بدلًا من أن تتركه هكذا حتى تذهب قيمته خذه وأعطه لغيرك ممن يحتاج إليه الشتاء يُسمَّى بـ الفاضح قالوا لأنه يفضح أحوال الناس لأنَّ الفقير قد يصبر على الصيف والشتاء أشدّ عليه، ولما قيل لامرأة أيما أشدّ القيض، أي: الحر الشديد أم القر البرد.

فقالت سبحان الله كيف تجعلون البؤس كالأذى الشتاء بالنسبة لهم بؤس. وأما أذى الحر فهو أذى. لكن كثيرًا من الناس في غفلة عن ذلك فأعطِ غيرك مما منحك الله عز وجل واذكر ربك به وقل يا رب قدمت وأنت الشكور ليقيك الله من زمهرير النار، ومن سمومها، ومن شديد لهبها وحرها. نسأل الله السلامة، ولما ذكر الله الجنة قال ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ فأهل الجنة في الجنة ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ قالوا حرًا ولا زمهريرا بردا لماذا؟ أنهم في ظل ظليل ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَظِلُّهَا﴾ أي: وظلها دائم فأهل الجنة في ظل ممدود فلا يتأذون بحر ولا ببرد.

نسأل الله أن يرزقنا جنته ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾، ولا زمهريرا. وأما أهل النار قال الله ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ قالوا المراد بالبرد البرد الذي يسكن الأجواف ويبرد الجوف لأنَّ الإنسان من شدة الحر يحترق جوفه في نار جهنم ورب العزة قال. وقال بعض العلماء: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ أي: نوما ففسر البرد بالنوم والقول الأول أرجح.

لكن بعض أهل اللغة قالوا النوم يقال له: برد لذلك في أمثالهم يقولون منع البَرْدُ البَرْدَ منع البَرْدُ البَرْدَ أي: منع البرد الزمهرير الشديد منع النوم فانظر إلى غيرك مُنع من النوم من شدة البرد وأنت مستدفئ نائم بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾

وقال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ﴾ قالوا والذي أعطانا سرابيل تقينا الحر فهو يمن علينا بسرابيل تقينا البرد من باب أولى لأنه الكريم سبحانه وتعالى، أخيرًا.

فقه نزول المطر واستجابة الدعاء وسنة حسر الثوب ورخصة الجمع

يا أيها الإخوة الكرام، يتعلق بالشتاء رعد وبرق ومطر ولكل ذلك فقهٌ مما أذكره، أن الدعاء وقت نزول المطر مستجاب كما ثبت عن المعصوم عليه الصلاة والسلام، فلا تحرم نفسك من الدعاء عند نزول المطر وقل اللهم صيبًا نافعًا. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام، يحسر ثوبه، أي يكشف شيئًا من بدنه حتى يصيبه المطر فلما سُئل عن ذلك قال «لأنه حديث عهد بربه» عز وجل فيريد أن يصيبه من ذلك الخير.

يا أيها الإخوة الكرام، عند وجود الشدائد ونزول الأمطار وتأذي الناس يشرع الجمع في المطر إلى غير ذلك من الرخص الكثيرة هذا بعض ما يتعلق بالشتاء اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم قنا حر جهنم اللهم قنا حر جهنم وزمهريرها يا ذا الجلال والإكرام اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة