مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

والله يريد أن يتوب عليكم

خطب · الدرس 282 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة قال الله سبحانه وبحمده في محكم التنزيل ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ هاتان آيتان جليلتان مباركتان من سورة النساء يبين الله عز وجل فيهما أنه رحيم رؤوف بعبادة يريد لهم الخير والنفع والتيسير.

لكن بعض الناس لا يقبل ذلك ولا يريده. فقال ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. وهذه الإرادة إرادة شرعية ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ منا ذلك وأمرنا بذلك لذا. فإنَّ الله عز وجل أمرنا بالتوبة في مواطن عديدة من كتابه العزيز. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فبين، أن التوبة طريق الفلاح.

وقال، ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ فقسم الناس إلى قسمين إلى تائب وظالم فمن لم يتب فهو من الظالمين نعوذ بالله من الظلم. وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾. لكن بعض الناس يستمرون في معاصيهم ولا يتوبون إلى الله فحينئذ يقول قائل أوليس الله قد قال وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أيريد الله شيئًا، ولا يقع فيقال له: إن إرادة الله على نوعين هناك إرادة كونية قدرية قدرها الله عز وجل وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهناك إرادة شرعية بمعنى المحبة والرضا، أي: أن الله يرضى لعباده الإيمان ويريد منهم التوبة والإحسان لكنه يعلم من يستحق ذلك ومن لا يستحقه فحينئذ قد يوافق العبد إرادة الله الشرعية.

وقد يخالفها، وفي كل الأحوال فما يقع في الكون شيء إلا بتقدير ملك الملوك جل وعلا ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾. تأمَّلوا، يا أيها الإخوة الكرام، ذكر الله عز وجل أمرين هنا ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. وقال أيضًا ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾، وفي الآيات التي قبلها ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قالوا ذلك لأنَّ الإنسان تعتريه ثلاثة أمور.

أما الأمر الأول فهو الجهل والجهل يحتاج إلى علم وبيان فلذا قال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ والأمر الثاني: الذي يعتري الإنسان المعاصي والإقبال على الشهوات. فقال الله ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ والأمر الثالث عدم الصبر وضعف العزيمة. فقال الله: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ وخلق الإنسان ضعيفًا فإذا كنت جاهلًا فالله يعلمك وإذا كنت عاصيا فالله يتوب عليك وإذا كنت ضعيف العزيمة قليل الصبر.

فإنَّ الله قد خفف عنك ويسر لك فالحمد لله على نعمته، ومنته وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا من دقائق القرآن، ولطائفه، أن الله عز وجل إذًا ذكر أهل الطغيان لم يجعلهم في مقابلة ذاته العليَّة وصفته الكريمة سبحانه وبحمده فقد كان من المتوقع أن يأتي الأسلوب القرآني وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ والذين يتبعون الشهوات يريدون ﴿أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ لم تأتِ الآية هكذا لم يجعل الله الذين يتبعون الشهوات في مقابلة الله ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ كما قال الله أيضًا في سورة البقرة ﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ﴾ ﴿ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ﴾ لم يقل والطاغوت ولي الذين كفروا فلم يجعل الله الطاغوت في مقابلته سبحانه، ولم يجعل الذين يتبعون الشهوات في مقابلته سبحانه وإنَّما لفت الأنظار إلى أن العبد المفرِّط يجعل الهوى سيدًا له ويجعل كذلك الطواغيت آلهةً ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾.

نسأل الله السلامة وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ وجاء التعبير القرآني ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ فهم يسيرون خلفها وهي تقودهم فقد أذلتهم لها هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ … فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ شتان بين عبد يعرف الشهوات فيأخذ منها ما ينتفع بها في حياته، وكذلك ما يقربه إلى ربه سبحانه وتعالى، لأنَّ الشهوة المشكلة فيها أن يتغلغل الإنسان فيها فإذا بها تصده عن الله وعن الصراط المستقيم وإلا.

فإنَّ الله قد ركَّب فينا، يا أيها الإخوة، الشهوة وأعطانا العقل والحكمة سبحانه جل وعلا. وهذا من فضل الله وإحسانه، ومن ثم عُرِضت الأمانة، وكانت لنا لأنَّ الله قد ركب فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ما يقتضي ذلك إذًا القضية ليست في أن توجد شهوة ولكن ماذا تصنع مع الشهوة هل الشهوة تأسر هل الشهوة تملكك هل تقودك أم تقودها هل تتبعها أم تتبعك قال الله ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ هم الذين يسيرون خلفها لذا قال الله سبحانه ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ﴾ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ﴿ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ فهذه هي الآفة، أن تكون الشهوة هي المسيطرة بحيث يلغى العقل ويلغى الشرع عندك فلا تلتفت إلى شرع الله وإنَّما تلتفت إلى تلك الشهوة.

نسأل الله السلامة والعافية. لذا لما أثنى الله على عدد كبير من الأنبياء والمرسلين كما ذكر في سورة مريم قال بعد ذلك ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. نسأل الله السلامة والعافية. ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ لم يقل أن تميل فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ أن تميل ميلًا عظيمًا فأصحاب الشهوات واتِّباع الشهوات لا يكتفون بأنهم ضلوا السبيل لا يكتفون بأنهم تنكبوا الصراط المستقيم وإنَّما يريدون أن يضلوا غيرهم ليكون تابعا لهم وتابعا للشيطان الرجيم نعوذ بالله من ذلك.

فقال ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أن تميل عن ماذا أن تميل عن الحق أن تميلوا عن الهدى أن تميلوا عن الإيمان، أن تميلوا عن الطاعة، أن تميلوا عن الاستقامة وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا وأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ماذا تصنع اتقبل إرادة الله عز وجل إذ أراد لك التوبة أم تقبل إرادة الذين اتبعوا الشهوات إلى، أي: الطريقين ستسلك ما الذي تختاره ربك يناديك ويدعوك إلى أن تتوب إلى أن ترجع إليه وأن تقبل عليه وأن تكون من التائبين المطيعين الصادقين الذين يسعدهم الله في الدنيا ثم يدخلهم جنات النعيم في الآخرة.

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يدخل في هؤلاء من يدعوك إلى معصية من يدعوك إلى شهوة محرمة من يدعوك إلى شهرها من يدعوك إلى أن تتنكب الطريق أن تترك صراط الله المستقيم لذلك حذرنا من أصحاب السوء وأعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن المرء مع من أحب وأن المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل لأنَّ صاحب السوء هو الذي يتبع الشهوات ويريد منك، أن تتبع الشهوات لذلك مما يسلمك الله عز وجل به من أن تتبع طريق المتبعين للشهوات أن تصاحب الصالحين وأن تترك طريق المخالفين لشرع ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

ثم قال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ ربنا يخفف علينا وييسر لنا ما كلفنا إلا بما نطيق إلا بما نقدر عليه ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾. وقال ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾4 (البقرة: 286). وقال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وقد قالوا أن المشقة تجلب التيسير وهي قاعدة فقهية كلية متفق عليها، ومن الأصول الشرعية رفع الحرج عن هذه الأمة المحمدية.

نسأل الله الكريم من واسع فضله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ فإذا رأيت أن الطاعات تشق عليك دون عذر لك خاص مع أنَّ الله قد كلفك وكلف غيرك بذلك فراجع نفسك فلعل الذي اتبع الشهوات جعلها شاقةً عليك عسيرةً عليك مع أنَّها في الأصل مما تقدر عليه ومما تستطيعه، إن ديننا ولله الحمد والمنة دين التيسير والتخفيف.

ولذلك إذا لحقت الإنسان المشقة التي لا يطيقها فإنها تجلب التيسير والتخفيف فمن لم يقدر على الصيام بسبب المرض فإنَّه يفطر ثم بعد ذلك ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ومن لم يستطع الصلاة قائمًا صلى قاعدًا. وقال الله ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ديننا قائم على التخفيف فإذا شعرت في أغلب الطاعات أنها شاقةٌ عليك فالخلل فيك أنت الذي اتبع الشهوات أغراك وحينئذ أقبلت على الشهوة فشقت عليك الطاعة لأن النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية فإذا لم تشغل نفسك بطاعة الله.

فإنَّ المعصية إذًا بها تقودك وتصير قائده لك سيدة عليك. نسأل الله السلامة والعافية. ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ وإذا قلت: وما أسباب هذا التخفيف فمن ذلك رحمة الله ورأفته. ومن ذلك ما قاله الله في الآية نفسها وخلق الإنسان ضعيفًا ربي خفف عنا لأننا ضعفاء والضعيف يريد أن يكون الأمر خفيفًا عليه ليس عسيرًا ليس شاقا ليس صعبا.

فقال وخلق الإنسان ضعيفًا فالإنسان مخلوق ضعيف خلقه الله كذلك. لكن الله أعانه وأمدَّه، ومما أمدَّه به أن علَّمه، أن يستعيذ العبد بالله وأن يلجأ إلى الله وأن يعتصم بالله ﴿إِلَّا﴾ ترون أن الله عز وجل أنزل سورتين قصيرتين كريمتين مباركتين استفتح الله بقوله ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ﴾ والأخرى افتتحها بقوله ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ لنستعيذ بالله ولنلجأ إلى الله فإذا اعتصمت به قواك الله يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ … وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ … وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ وخلق الإنسان ضعيفًا والعجيب أنك ترى كثيرًا من المفسّرين حين تناولوا قوله وخلق الإنسان ضعيفًا قال كثير منهم وخلق الإنسان ضعيفًا عن شهوة النساء مع أنَّ الآية أعم وهي شاملة لكل أبواب الشهوات بيد أنهم ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا ذلك لأنَّ الآيات السابقة على هذه الآيات الكريمة كان حديثًا عن النساء وعن المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ﴾ إلى آخر الآيات، وبعد أن انهى الله الحديث عن ذلك قال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.

ثم قال ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. ثم قال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ وخلق الإنسان ضعيفًا أي: لا يصبر عن شهوة النساء والحق أن الآية عامة تشمل كل أبواب الشهوات. لكن الرسول عليه الصلاة والسلام، لفت الأنظار حين قال كما في الصحيحين ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء فهي فتنة شديدة. نسأل الله السلامة.

وقد قال الله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ فابتدأ بهن وكثير من الناس يضل عن الطريق المستقيم بسبب هذه الفتنة التي حرمها الله. ولذلك أباح الله لنا الزواج وجعله حلالًا مشروعًا قال ﷺ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» فإنه له وجاء قد تتعجب حين تقرأ سيرة العلماء والأئمة الكرام كيف كانوا يحافظون على أنفسهم ويخافون من الفتن هل تسمعون «عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ» أدعوكم إلى أن تقرؤوا ترجمته رحمه الله وهو أحد سادات التابعين وأحد تلامذة ابن عباس رضي الله عنهما، الأجلاء الكرام عطاء بن أبي رباح افترش المسجد أكثر من 20 سنة وحج أكثر من 70 حجة وعمَّره الله في الأرض حتى عاش إلى قرابة 100 عام كان يُنادى في موسم الحج لا يفتي في الحج إلا عطاء بن أبي رباح كان الملوك والأمراء يقدمونه لعلمه الواسع ولورعه ولعبادته وتبتله والعجيب إنهم يقولون ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ أعور أعرج أفطس ثم عمي بصره، وكان أسود لا يلتفت إليه.

لكن الذي قدمه والذي جعله في المقدمة علمه الذي تعلَّمه والعمل الذي عمل به. والشاهد من ذلك إذ المقام ليس المقام مقام الحديث عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول والله لو اؤتمنت على بيت مال المسلمين لكنت أمينًا، ولا آمن نفسي على جارية شوهاء لو أنَّ جارية شوهاء كانت أمامي أخاف على نفسي مع أنني لو اؤتمنت على بيت مال المسلمين لكنت أمينًا.

فقال الذهبي في السير تعقيبًا عليه صدق رحمه الله، ففي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام، ﴿إِلَّا﴾ لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. لكن كثيرًا منا اليوم يقلب عبر وسائل التواصل الاجتماعي فتنفتح أمامه الصور وتعلق بذهنه فحينئذ تتعلق الصورة بذهنه فتتحول النظرة إلى خاطرة والخاطرة إلى إرادة والإرادة إلى شهوة فيقسو قلبه وإذا به يغيب عن كثير من الطاعات ويفرط في جنب الله فيجتمع هذا الخلل عندي، وعندك وعند غيرنا فحينئذ ترى الأمة ضعيفة وترى الأمة ذليلة لأمثال اليهود قبحهم الله وما ذلك إلا بسبب حب الدنيا وكراهية الموت والإقبال على المعاصي وترك الطاعات إلا من رحم الله رب الأرض والسماوات أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوجنا إلى أن نتوب إلى الله توبة صادقة وإلى أن نحذر من أعدائنا على اختلاف أشكالهم وألوانهم والحمد لله فالله قد دعانا إلى ذلك وبين أنه قد خفف عنا.

وقال وخلق الإنسان ضعيفًا. نسأل الله أن يقوينا بطاعته وأن يعزنا بطاعته وأن يجعلنا من أهل الإيمان ما أحوجنا إلى أن نربي أنفسنا ونربي أولادنا على الإيمان، وعلى التقوى كما علمنا الله سبحانه وتعالى، وتعرفون قصة يوسف عليه السلام حين عرض عليه ما عرض من أمر امرأة العزيز وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ.

﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تردد هذا دومًا كلما عرضت عليك فتنة كلما عرضت عليك شهوة محرمة سواء أكان أمرًا متعلقًا بالنساء أم كانت رشوة وأنت في عمل أم كان كذبًا أم كان من عموم المعاصي والذنوب أن تقول معاذ الله، أن تقول كما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال.

فقال: «﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾» هذا معنى غال أن تستحضر هذا المعنى أنا عبد في هذه الحياة أخاف الله أرجو الله تتحرك بهذا أنا عبد أخاف الله أنا عبد أرجو الله أنا عبد أسعى إلى رضا الله ثم اعترف بذنبي واعترف بتقصيري كما كان الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ومهما كنت طائعا لله فأين طاعتك مما ينبغي عليك، أن تقوم به.

وهذه صلاتك التي هي أعظم الأركان بعد ركن التوحيد ماذا أنت صانع فيها وكم تخشع فيها وما رصيدك فيها فلا يخلو الواحد من تقصير ولذا إذا سلَّم قال: أستغفر الله استغفر الله استغفر الله أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا … وَصَدَّتْهُ الْأَمَانِي أَنْ يَتُوبَا أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي أَضْحَى حَزِينًا … عَلَى زَلَّاتِهِ قَلِقًا كَئِيبَا أَنَا الْمُضْطَرُّ أَرْجُو مِنْكَ عَفْوًا … وَمَنْ يَرْجُو رِضَاكَ فَلَنْ يَخِيبَا أَنَا الْمَقْطُوعُ فَارْحَمْنِي وَصِلْنِي … وَيَسِّرْ مِنْكَ لِي فَرَجًا قَرِيبَا أَنَا الْمَقْطُوعُ فَارْحَمْنِي وَصِلْنِي … وَيَسِّرْ مِنْكَ لِي فَرَجًا قَرِيبَا فيا من مد في كسب الخطايا خطاه.

أما ياني لك، أن تتوب أَلَا فَاقْلَعْ وَتُبْ وَاجْهَدْ فَإِنَّا … رَأَيْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبَا وخلق الإنسان ضعيفًا احتمي بالله وتوكل على الله وسل الله، أن يثبتك وسل الله، أن يعصمك لذا شرع لنا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نقرأ القرآن وهو من أعظم القربات ماذا نقول ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ لأنَّ الشيطان لن يتركك لن يتركك تقرأ القرآن وتتفهم القرآن فأنت من البداية تستعيذ بالله وتستجير بالله وتعتصر من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم انصر المسلمين في غزة اللهم أيّدهم بيدك وقوهم بقوتك اللهم اجبر كسرهم وارحم ضعفهن واحقن دماءهم اللهم عليك باليهود المفسدين اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم يا قوي يا متين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة