هل أجبنا منادي رمضان؟
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- نداء ملك السماء «يا باغي الخير أقبل» وعتقاء الرحمن في كل ليلة
- الاجتهاد في العشر الأواخر وزهد السلف في الفراش طلباً لعتق الرقاب
- أسرار تسمية ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بالشرف والتقدير السنوي وضيق الأرض بالملائكة
- حكمة إخفاء تعيين ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في العشر لاستدامة العبادة ونيل فضلها
- سر التماس اسم الله «العفو» مع كمال الطاعة وطلب المغفرة بالأسحار
- تيسير أبواب العبادة في الليالي المباركة واغتنام ختام الشهر
التفريغ النصي الكامل للدرس
نداء ملك السماء «يا باغي الخير أقبل» وعتقاء الرحمن في كل ليلة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ونسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، هل أجبنا منادي رمضان هل أجبنا هذا المنادي
الذي ينادي كل ليلة كما ثبت عن النبي ﷺ ينادي مناد، وفي لفظ ملك كل ليلة «يا باغي الخير أقبل، وفي لفظ هلمَّ ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار». وذلك كل ليلة أو كل ليلة، يا أيها الإخوة الكرام، هذا فضل عظيم من الرب الكريم على عباده حينما يمن عليهم ببلوغ هذا الشهر وإدراكه فنسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا فضله وعطاياه في كل ليلة ينادي ملك قائلًا يا باغي الخير أقبل يا باغي الشر أقصر مضى ثلث هذا الشهر فيا ترى من أجاب المنادي، ومن لم يجب من أقبل على الخير وأدبر وأقصر عن الشر يا باغي الخير أقبل يا باغي الشر أقصر، ومن كان له نصيب في ليلة من الليالي ليكون من عتقاء الرحمن من النار، اللهم إنا نسألك فضلك نسألك ﴿إِلَّا﴾ تحرمنا فضلك وخيرك بسوء ما عندنا ولله عتقاء من النار ذلك في كل ليلة فمن الناس من أعتق في الليلة الأولى، ومنهم من أعتق في الثانية، ومنهم من أعتق في العاشرة وهكذا فيا ترى ما نصيبنا وما حظنا من ذلك.
يا أيها الإخوة الكرام، إن هذا الشهر المبارك شهر لا يعوَّض وإذا كان قد مضى معظمه فقد بقي أعظمه إذا كان قد مضى من الشهر معظمه وأكثره فقد بقي منه أفضله وأعظمه فنسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر إن في ذلك دلالة على أن النفس البشرية قد تدعو صاحبها إلى الشر. وقد تكفُّ صاحبها عن الخير فيأتي المناد الملكي ليقول لك: يا باغي الخير أقبل لا تتقاعس، ولا تتكاسل عن الخير ويا باغي الشر أقصر يا من تريد أن تقدم على الشهوات المحرمة يا من تريد أن تقع في المخالفات، وفيما يسخط الله يا باغي الشر أقصر نعم، إننا في هذه الحياة ما بين إقبال وإدبار وما بين إقدام وإحجام فالعاقل هو الذي يقدم على الطاعة ويدبر عن المعصية وهو بذلك يقدم لنفسه الخير قال الله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾5 (الانفطار: 5).
وقال ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾6 (المزمل: 20) يا باغي الخير أقبل يا طالب الخير أقبل يا باغي الشر أقصر حاول جاهدًا أن تتغلب على نفسك وأن تكون نفسك آمرة لك بالخير داعية إليه لا أن تكون آمرة بالشر داعية إليه والموفق من وفقه الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾7 (الشمس: 9-10) اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، يا أيها الإخوة الكرام، العشر الأواخر من شهر رمضان قد أقبلت علينا منذ الأمس وهي ليال مباركة لا ينبغي التفريط فيها، ولا الحيدة عنها وإنَّما الإقبال عليها بالقلب والقالب بالهمة والعزيمة والعمل كما كان الرسول الأكرم ﷺ يفعل إذ كان كما وصفت أمنا عائشة رضي الله عنها رسولنا ﷺ: «إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» ﷺ وكان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره ﷺ أيام اجتهاد أيام صيام وقيام وعبادة وتضرع في النهار صيام، وفي الليل قيام وقراءة للقرآن ودعاء واستغفار والتماس لرحمات الملك الغفار سبحانه وتعالى.
الاجتهاد في العشر الأواخر وزهد السلف في الفراش طلباً لعتق الرقاب
يا أيها الإخوة الكرام، الأمر يحتاج إلى صدق النفس وإلى عزيمة صادقة وإلى استعانة بالله والله قال ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾8 (العنكبوت: 69) عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله تعالى كان يطلب الفراش اللين لسريره فيوضع الفراش الطيب اللين على سريره ثم يأتي إليه فيقول: ما ألينك وما ألطفك وما أجملك.
لكن فراش الجنة ألين وألطف ثم يقوم ليصلي لله رب العالمين، وكان سفيان الثوري يقوم فزعًا لا في رمضان فحسب وإنَّما في رمضان، وفي غير رمضان يُقوِّم فزعا من الليل ليقوم وليصلي لله رب العالمين ويقول يا ربي إنك عالم بحاجتي غير مُعلَّم وما أريد إلا فكاك رقبتي من النار. فهذا خير عميم وفضل عظيم قد أنعم الله به وغمرنا به من تلك الخيرات والنفحات والبركات فلا تحرمن نفسك منها وما يدريك لعل الله يعطيك في هذه الليلة عطاء يكون سببًا في سعادتك وسعادة أهلك، ومن حولك ممن تحب والله عز وجل واسع الفضل والمن والإكرام.
يا أيها الإخوة الكرام، نبيكم ﷺ كان يوقظ أهله حتى يتعبد لله وحتى يصلي لله وحتى يحيى الليلة. وهذا معناه: أن البيت أجمع ينبغي أن يعلم، أن تلك الليالي ليال خاصة لها قدرها ووزنها ومقدارها وشرفها عند الله جل وعلا وليس من عجب أن تسمى تلك الليلة بليلة القدر. فإنَّ قلت: وما سر تسميتها بليلة القدر فالجواب ذكر أهل العلم لذلك أسبابًا فمنهم من قال: إن معنى ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾9 أي: ليلة الشرف يقال فلان ذو قدر ذو منزلة ذو مكانة فهي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: ليلة الشرف ليلة الشرف والقدر والمكانة عند الله، ولم لا.
أسرار تسمية ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بالشرف والتقدير السنوي وضيق الأرض بالملائكة
وقد اختصها الله عز وجل بأن جعلها أول الليالي التي ينزل فيها وحيه ونوره إلى الأرض وهو النور القرآني. نسأل الله الكريم، أن يمتعنا بنور القرآن وأن يرزقنا الهداية بهذا القرآن ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾10 (القدر: 1-3) أول آيات نزلت من القرآن ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾11 (العلق: 1-5) ﷺ كان يتعبد لله في غار حراء وما كان يدري ما الكتاب، ولا الإيمان، ولا يدري أنه سيصير رسولًا صلوات الله وتسليماته عليه ينزل جبريل عليه السلام بتلك الآيات المباركة في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من شهر رمضان.
ولذلك سماها الله بليلة مباركة. ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾12 (الدخان: 3) والسر الثاني أو السبب الثاني في تسمية ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بليلة القدر لأنَّها ليلة يقدر الله فيها الأمور ويقسم فيها الأشياء التي تقع في هذا العام أو في هذا الحول. وهذا ما قاله كثير من أهل العلم في قوله جل وعلا ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾13 (الدخان: 4-5) قال كثيرون في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يقسم الله أرزاق السنة يقدر الله ما في السنة من أرزاق، ومن آجال، ومن أعمال وما إلى ذلك ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾14 (القدر: 4) والسر الثالث أو السبب الثالث الذي من أجله سُمِّيَت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بليلة القدر لأنَّ القدر معناه: الضيق فالله قال ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ﴾15 (الطلاق: 7) أي: ومن ضيق عليه رزقه.
وقال الله ﴿يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾16 (الرعد: 26) أي: ويضيق أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» تكون أكثر من عدد الحصى فلكثرة الملائكة وتزاحم الملائكة في الأرض تضيق الأرض من كثرة الملائكة فلذلك قيل لها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وربنا قال ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾17 (القدر: 5)، ولم يقل هي سلام لم يقل هي سلام ﴿أَنَّمَا﴾ قال سلام هي وأهل العلم يقولون.
إن سلامًا هنا خبر مقدم، ومن ثم فإنَّه يفيد الحصر والقصر أي: هذه الليلة ليس فيها إلا سلام. ليست إلا سلامًا من الآفات والمكاره والشرور فالموفق من وفقه الله. ولذلك قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عن شهر رمضان «فيه ليلة هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ من حرم خيرها فقد حرم» من حُرم خيرها فقد حُرم فنسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا خير هذه الليلة أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ». «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
حكمة إخفاء تعيين ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في العشر لاستدامة العبادة ونيل فضلها
فيا عباد الله، الذي قرره جماهير أهل العلم وأكثرهم، أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليست متعينة في ليلة معينة وإنَّما هي متغيرة في العشر الأواخر من شهر رمضان القول المرجح جمعًا بين الأدلة الواردة عنه عليه الصلاة والسلام. وقد قال الرسول ﷺ «التمسوها في العشر الأواخر» وكثيرًا ما يخفي رب العباد جل وعلا عنا بعض الأشياء حتى نجتهد.
فإنَّ الناس إذا علموا أنها ليلة بعينها ربما تكاسلوا في غيرها لكنه مع ذلك سهل وقرب وخفف فجعلها في عشر ليال لا أكثر على القول المرجح فمن اجتهد في العشر فقد نال حظًّا من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. نسأل الله الكريم من فضله وحينما تعلم، أن هذه الليلة كما قال الله عز وجل ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3) قال كثير من أهل العلم، أي: العمل في هذه الليلة خير من العمل في ألف شهر ليس فيه ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فمن يضمن حياته والموت يأتي بغتة، ومن يخلو من التقصير، ومن يخلو من التفريط فإذا جاءتك منحة ربانية وعطية إلهية فتقبلها من ربك بقبول حسن.
بل اعلم أنك حينما تقدم الطاعة فإنَّك مهما بذلت فإنَّك على قصور وتفريط فتسأل الله العفو والعافية لذلك لما سألت أمنا عائشة رضي الله عنها رسول الله محمدًا ﷺ يا رسول الله أرأيت إن وافقت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ما أقول قال قولي «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» وذكره ﷺ اسم الله العفو مع أنَّ الناس تجتهد في هذه الليلة.
سر التماس اسم الله «العفو» مع كمال الطاعة وطلب المغفرة بالأسحار
ومع ذلك تطلب العفو إشارة إلى أنك مهما أطعت الله فإنَّك بحاجة إلى أن يعفو الله عز وجل عنك لذلك نحن إذا صلينا نسلم من صلاتنا ثم نقول أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله وإذا قمنا من الليل ما فتح الله لنا قال الله عز وجل ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾18 (الذاريات: 18) فشرع لنا الاستغفار عقب الأعمال الصالحة فكيف بعد الأعمال السيئة إذا كان العبد يطلب المغفرة ويطلب العفو ويسأل الله ذلك في حالة الطاعة فكيف إذا كان في موقف معصية فنسأل الله عز وجل أن يعفو عنا عباد الله.
تيسير أبواب العبادة في الليالي المباركة واغتنام ختام الشهر
إن الرسول ﷺ قال «من قام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» نؤمن بما جاء في كتاب ربنا ونحتسب الأجر والمثوبة من الله سبحانه وتعالى، يا أيها الإخوة الكرام، إن العبادة ميسرة بفضل الله عز وجل في هذه الليالي بإمكانك أن تصلي وأنت قائم وبإمكانك أن تصلي وأنت قاعد بإمكانك أن تقرأ القرآن الكريم بإمكانك أن تذكر الله وأن تدعو الله وأن تدعو أهلك إلى ذلك فلا تحرم نفسك من هذا الخير اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم بلغنا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ووفقنا لحسن قيامها يا ذا الجلال والإكرام اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا اللهم اشفِ مرضانا اللهم ارحم موتانا اللهم أصلح أحوالنا ويسر لنا أمورنا واقض لنا حاجاتنا وكفِّر عنَّا سيئاتنا واغفر لنا ذنوبنا وتوفَّنا مع الأبرار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ المسجد الأقصى وأهله من كيد الأعداء يا ذا الجلال والإكرام اللهم احفظه يا ذا الجلال والإكرام واحفظ أهله من شر الأشرار وكن لهم معينًا ونصيرًا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانفطار 5 ↩
- آية: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 20 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 9-10 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿بِّسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 1-3 ↩
- آية: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 3 ↩
- آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1-5 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 3 ↩
- آية: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 4-5 ↩
- آية: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 4 ↩
- آية: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 7 ↩
- آية: ﴿يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 26 ↩
- آية: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 5 ↩
- آية: ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 18 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الانفطار
- تفسير سورة الدخان
- تفسير سورة الذاريات
- تفسير سورة الرعد
- تفسير سورة الشمس
- تفسير سورة الطلاق