هدي الرسول فى العشر الأواخر من رمضان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- فضائل العشر الأواخر وتواطؤ رؤيا الصحابة في تحري السبع البواقي
- معنى إحياء الليل في العشر الأواخر وتوجيه روايات قيامه ﷺ
- إيقاظ الأهل للصلاة ودلالة شد المئزر وحقيقة الاعتكاف بقطع العلائق
- مقاصد الخلوة الإيمانية وتفقد صحة القلب ومحاسبة النفس
- سر التماس العفو في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ووجل قلوب المطيعين عند الاجتهاد
- أحكام زكاة الفطر وعموم وجوبها وحكمتها في طهرة الصائم وإغناء المساكين
التفريغ النصي الكامل للدرس
فضائل العشر الأواخر وتواطؤ رؤيا الصحابة في تحري السبع البواقي
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ3 وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ4 ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ثبت عن نبيكم ﷺ كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر، وفي لفظ: «وجدَّ وشدَّ المئزر» صلى الله عليه وآله وسلم العشر الأواخر من شهر رمضان لها فضائل عظيمة عند الرب الكريم العظيم سبحانه وتعالى، والموفَّق من وفَّقه الله عز وجل لاغتنامها فلم يضيِّع تلك الفرصة السانحة.
وهذه الفرصة الجميلة العالية الغالية. نسأل الله سبحانه وتعالى، من كريم فضله، يا أيها الإخوة الكرام، ثبت أيضًا في المتفق عليه من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، أنَّ النبي ﷺ قال أرى رؤياكم قد تواطأت على السبع الأواخر من شهر رمضان5. وذلك أنَّ جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، رأوا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فرأوها في السبع الأواخر من رمضان.
فقال ﷺ: «فمن كان متحرِّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر». وبناءً عليه فإنَّ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ على قول كثير من المحققين هي في العشر الأواخر ثم إن أرجى ليالي العشر الليالي السبع الأواخر من شهر رمضان فهذه الليالي الباقية ولم يبقَ لنا على انصرام الشهر المبارك إلا هذه الليالي السبع. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعته وأن يرزقنا وأن يوفقنا لقيام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وأن يكتب لنا فيها أعظم الأجر، يا أيها الإخوة الكرام، ثبت أيضًا أنه ﷺ كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها صلوات الله وتسليماته عليه وأمُّنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما تقول كان ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله، وفي لفظ: «أحيا الليل» ما أجمل هذا التعبير الشريف الذي عبَّرت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «أحيا الليل» كم من أناس يُميتون ليلهم بالمعاصي والذنوب وطوبى لعبد أحيا ليله بطاعة الغفار وبالتسبيح والاستغفار، وكان قريبًا من الملك الجبار سبحانه وتعالى، كثير من الناس يُميتون ليلهم بما يصنعون فيه من ذنوب ونبينا ﷺ يضرب لنا أروع الأمثلة فيما يكون من هذه الليالي الفاضلة لنأخذ من رمضان إلى ما بعد رمضان.
معنى إحياء الليل في العشر الأواخر وتوجيه روايات قيامه ﷺ
نسأل الله أن يثبتنا على طاعته كان إذا دخل العشر أحيا ليله، أن تحيي الليل ما أجمل أن تحيي وقتك على طاعة الله سبحانه وتعالى، فوقتك قد يحيى بك. وقد يموت بسببك فإنك إذا عمرته بطاعة الله فأنت في الحقيقة حي وإن كنت على معصية الله فقد ذهب منك العمر هباءً منثورًا. نسأل الله السلامة والعافية.
كان ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، أحيا ليله واختلف الشراح هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يحيي الليل كله فلا يخلط معه ﷺ نومًا. فقال بذلك فريق. وقالوا هذا مستثنى فلهذه الليالي خصائص تخصها وفضائل لها تختلف عن غيرها ففي غير العشر كان رسول الله ﷺ يخلط الليلة ما بين قيام وما بين نوم صلوات الله وتسليماته عليه لكنه في العشر يجعله خالصًا لطاعة الله سبحانه.
وقد جاءت رواية عند أحمد ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يخلط في العشرين، أي: العشرين من رمضان من أول رمضان إلى العشرين كان يخلط في العشرين بين الصلاة والنوم. لكن الرواية فيها ضعف لذا ذهب فريقٌ من العلماء ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يحيي أغلب الليل لأنه قد جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ولا أعلمه قام ليلة إلى الفجر ﷺ لكننا نقول لا مانع أن يكون هذا من قبيل الاستثناء في العشر الأواخر الشاهد من ذلك، أن المراد من العبد أن يحيي هذه الليالي أو أكثرها قدر استطاعته، ومن استزاد فعند الله المزيد، ومن استزاد فعند الله المزيد كان ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله ما أجمل أن توقظ أهلك من أجل طاعة الله ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾6 (طه: 131).
إيقاظ الأهل للصلاة ودلالة شد المئزر وحقيقة الاعتكاف بقطع العلائق
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا7 ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (طه: 132). ما أجمل أن تكون النصيحة مبذولة بين الزوجين يعين أحدهما الآخر ويتعاونان على طاعة الله سبحانه وتعالى، يوقظ أهله من أجل الصلاة من أجل أن تغتنم شيئًا من هذه الليالي المباركة من أجل أن تقرأ القرآن من أجل أن تصلي من أجل أن تدعو الله سبحانه وتعالى. وقد كان من دأبه ﷺ في غير رمضان أنه ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يوتر أيقظ أهله حتى يوتروا، إن لم يكن قد وقع منهن الوتر كما جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها فإذا أراد أن يوتر أيقظني أو كما جاء عنها رضي الله عنها.
وهذا معناه أن الإنسان يحرص على إيقاظ أهله لطاعة الله دومًا لكنه في العشر الأواخر يزيد من ذلك والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. بل إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه ربما طرق فاطمة وعليًّا رضي الله عنهما ليلًا يطرق عليهما بابهما ويقول لهما «﴿إِلَّا﴾ تقومان فتصلِّيان من الليل» يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام، ليس في رمضان فحسب وإنَّما يقوله بصفة عامة يدعو عليًّا ويدعو فاطمة ابنته إلى القيام للصلاة بالليل فكيف عن صلاة الفجر وكيف عن الصلاة الواجبة كيف عن صلاة الفريضة يقوم كل راعٍ بمسؤوليته التي أُنيطت به وكما تسعى لإطعام أولادك وكفهم عن الحرام
والتسول فحريٌّ بك أن تدلهم على الله وأن تدعوهم للصلاة والوقوف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سبحانه وتعالى، كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر، والرواية الأخرى: «جدَّ وشدَّ المئزر» استدل بها عدد من المحققين على أن معنى قوله: «شدَّ المئزر» أي: اعتزل النساء لأن بعضهم قال: شدُّ المئزر كناية عن جدِّه واجتهاده ﷺ.
لكن وأو العطف تقتضي المغايرة فيكون قوله: «جدَّ» دليلًا على الاجتهاد و«شدَّ المئزر» دليل على عدم قربانه النساء لأنه كان يتفرغ في تلك الأيام والليالي لعبادة الله فيعتكف في المسجد صلوات الله وتسليماته عليه والأصل في الاعتكاف كما حرر بعضهم كابن «رجب أنه قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمه الخالق»8 قطع العلائق عن الخلائق، تقطع العلاقات والقيل والقال والكلام فيما لا يفيد وربما فيما يفيد في غير رمضان لأنَّ للعشر الأواخر شأنًا آخر لأنَّ للعشر الأواخر شأنًا آخر فإذا كانت الرهبانية قد أبطلها الإسلام وبيَّن بدعيتها، ولا رهبانية في الإسلام.
فإنَّ الخلوة المشروعة في الشريعة الإسلامية هي الاعتكاف، وفي المساجد. وقد قال الله: ﴿وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ﴾، وإنما كان الاعتكاف في المسجد لأنَّ عاد فإنَّه لا ينبغي أن يخلو الإنسان فإذا بخلوته تصدُّه عن صلاته مع المسلمين. فإنَّ للصلاة مع المسلمين شأنا عظيمًا. نسأل الله أن لا يحرمنا الصلاة والمحافظة عليها أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
مقاصد الخلوة الإيمانية وتفقد صحة القلب ومحاسبة النفس
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، هذه العبادة المشروعة التي شرعها ديننا وهي الاعتكاف قصد بها أن ينقطع المخلوق إلى عبادة الخالق سبحانه وتعالى. فإنَّ حيل بينك وبين الاعتكاف ولم تستطع، فلا أقل من أن تكون لك خلوة تراجع فيها نفسك وتتفقد قلبك وتتعرف على أحوالك. فإنَّ الرب سبحانه قد قال: ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ ما أحوجك إلى أن تحاسب نفسك وأن تنظر إلى قلبك.
فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم»، وفي لفظ: «وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ونسأل الله أن يرزقنا قلوبًا سليمة. وقد دعا الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، من فضل الله وإحسانه لعباده أن كانت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾9 في ختام الشهر في العشر الأواخر من شهر رمضان لينال العبد تلك الغنيمة العظيمة والفرصة الكبيرة فترتفع بها الدرجات وتُغفر له الذنوب والزلات، ومن لم يُغفر له في رمضان فمتى يُغفر له؟.
سر التماس العفو في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ووجل قلوب المطيعين عند الاجتهاد
ولذلك جاء في الحديث أبعده الله. نسأل الله أن لا يبعدنا منه وأن يقربنا منه وأن يجعلنا هداةً مهتدين، أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألت رسولنا محمدًا ﷺ يا رسول الله، إن وافقت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ما أقول فيها؟ قال: «قولي» «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
وقد ذكر بعض أهل العلم اللطيفة في ذكرهم: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا مع أنَّ العباد في هذه الليالي يتقربون إلى الله بالطاعات ويجدُّون ويجتهدون ويبذلون ويفعلون ويعملون الصالحات. ومع ذلك يدعون: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا وكأنك تقول: يا رب، رجائي فيك أن تعفو عني، مهما عملت فأنا مقصر مهما قدمت فأنا مفرط إن لم أكن أصلح للقرب فشأنك العفو وإن كنت لا أصلح للقرب وصدق الله إذ قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾، سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ عن هذه الآية: أهذا الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ فهو يخاف قال لا يا ابنة الصديق ﴿أَنَّمَا﴾ هو الرجل يصلي ويصوم ويقوم ويخاف ألَّا يُقبل منه فأنت تسأل الله، أن يعفو عنك مع أنَّك تقد وربما تألَّمت لكنك مع ذلك تسأل الله العفو كم لنا من ذنب لا نعلمه فضلًا عما نعلمه فنسأل الله، أن يغفر لنا سرنا وعلنيتنا وأن يغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا.
يا أيها الإخوة الكرام، إن الله قال في شأن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 1-3) ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾10 (القدر: 5). وقال الرسول ﷺ كما في المتفق عليه «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»11.
أحكام زكاة الفطر وعموم وجوبها وحكمتها في طهرة الصائم وإغناء المساكين
يا أيها الإخوة الكرام، في ختام رمضان يجدر بالمسلمين ﴿إِلَّا﴾ يغفلوا عن زكاة الفطر التي أوجبها رسول الله ﷺ بهذا التشريع العظيم. وقد فُرضت زكاة الفطر على الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين. ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن زكاة الفطر واجبة على كل من لديه ما يفضل عن نفقته ونفقة من يلزمه أن ينفق عليهم ليلة العيد ويوم العيد فمن كان لديه قوت يكفيه لليلة العيد وليوم العيد صارت زكاة الفطر واجبة عليه مع أنَّ الفقير في غير ذلك لا تجب عليه الزكوات فمن المعلوم أن الزكاة لا تجب إلا على الأغنياء «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى».
ولذلك في بقية الأبواب هناك ما يبلغ به النصاب هناك ما يبلغ به المال النصاب وما لا يبلغه فمن بلغ ماله نصابًا وجبت عليه الزكاة، ومن لم يبلغ ماله نصابًا لم تجب عليه الزكاة ثم هناك ما يشترط له الحول وهناك ما لا يشترط له الحول إلا زكاة الفطر فالأمر فيها مختلف عند جماهير العلماء وما ذلك إلا لأن الشرع قد دل عليه بهذا اللفظ الذي سمعتموه: على الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر من المسلمين وأيضًا لأنَّ الفقير سيشعر حينما يخرج شيئًا مما عنده، أن الله قد وفقه للعطاء فهو يعطي وإن كان فقيرًا، فكيف بالغني؟ وهو يتقرب بما معه قربةً إلى الله.
وقد شُرعت زكاة الفطر طُهرةً للصائم من الرفث. وقال أيضًا أغنوهم عن ذل السؤال في هذا اليوم اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ اللهم ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟﴾ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ۚ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- حديث: «أرى رؤياكم قد تواطأت على السبع الأواخر من شهر رمضان» — الذكر في الدرس: ابن عمر. نسبة الشيخ: المتفق عليه ↩
- آية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 131 ↩
- آية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ — كما ورد في الدرس: طه 132 ↩
- تعليق: أصل في الاعتكاف كما حرر بعضهم كابن «رجب أنه قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمه الخالق — قول: «قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمه الخالق». الذكر في الدرس: ابن رجب. ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 1-3 ↩
- آية: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 5 ↩
- حديث: «من قام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إيماناً واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» — نسبة الشيخ: المتفق عليه ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: أرى رؤياكم قد تواطأت على السبع الأواخر…
- شرح حديث: من قام ليلة القدر إيماناً واحتسابًا غفر…
- تفسير سورة القدر
- تفسير سورة طه