من صفات اليهود
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- أخبار بني إسرائيل في العهد المدني ونقض طوائفهم لعهود المدينة
- إنصاف القرآن للمؤمنين منهم وتأصيل الفروق بين بني إسرائيل واليهود
- سوء أدبهم مع الله بزعم الفقر والغل وحرصهم على أدنى حياة
- سعي الإفساد في الأرض وإشعال الحروب وجبن القتال خلف الجدران
- قسوة القلوب ونقض المواثيق ومعاداة جبريل وقتل الأنبياء
- موقف المقداد ببدر ضداً لنكوصهم وحسد كعب بن الأشرف في تفضيل الوثنية
التفريغ النصي الكامل للدرس
أخبار بني إسرائيل في العهد المدني ونقض طوائفهم لعهود المدينة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام أن الناظر في آيات القرآن الكريم ليجد أن رب العزة سبحانه وتعالى، قد فصَّل القول في أخبار بني إسرائيل وذكر لنا طرفًا كبيرًا من أحوالهم وأوصافهم لا سيما في العهد المدني، وفي السور المدنية التي نزلت على رسولنا محمد صلوات ربي وتسليماته بعد هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية.
وذلك لأنَّ الرسول صلوات الله وتسليماته عليه حين قدم المدينة وجد تلك الطوائف من اليهود، وكان لا بد من التعامل معهم وديننا دين الإسلام والسلام فعلمنا ديننا كيف نتعامل مع الموافق والمخالف بيد أن طبيعة هذا الفريق أعني اليهود طبيعة خاصة بيد أنه لا عهد لهم ولا ميثاق لا يقدرون الله حق قدره، ولا يقدرون رسل الله وأنبياء الله فضلًا عن المؤمنين لذلك لفت الله عز وجل انظار المؤمنين إلى صفات أولئك ليكونوا على حذر وليكونوا على بينه من أمرهم ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ﴾.
ومع ذلك، أن ديننا لم ينهنا عن العهود والمواثيق ولذا عاهدهم الرسول ﷺ على اختلاف طوائفهم، وكان ﷺ عازمًا على الوفاء بتلك العهود لا ينقضها صلوات الله وتسليماته عليه لولا ما وقع منهم من تفريط في جنب الله وهتك لتلك العهود والمواثيق فوقع ما وقع لبني قينقاع ولبني النضير ولبني قريظة، وكانوا في هذا كله هم الذين بدأوا بنقض العهد والميثاق ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، وكان من الخير المترتب على ذلك، أن تكون المدينة النبوية مدينة خالصة من أولئك، ومن خبثهم وأن تكون خالصة لأولئك الأصحاب الأطهار رضي الله عنهم، وإن وُجد في صفوفهم بعض المنافقين بيد أن التمكين لهم كما كان ولله الحمد والمنة.
إنصاف القرآن للمؤمنين منهم وتأصيل الفروق بين بني إسرائيل واليهود
[تُراجع العبارة في التسجيل؛ يوجد انقطاع واضح في الكلام] لأنَّ هذا أمر يتجدد في كل عصر وفي كل زمان، ومن وراء ذلك فوائد كثيرة أولًا رب العزة أنصفهم، ولم يظلمهم. فهذا يدل على أن القرآن حق من عند الله سبحانه. وقد سجل الله في القرآن ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ أي: عادلة ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ فالقرآن حكم وقضى بأن منهم أمة عادلة.
لكن الكثير منهم ساء عمل. [تُراجع العبارة في التسجيل؛ يُحتمل سقوط جزء من الآية قبل «وهم يسجدون»]. وقال ﴿قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩﴾ إنهم الصادقون الذين لما قرأوا القرآن وجدوه موافقًا للكتب السابقة لا يخالفها وإنَّما يعاضد ويساندها فآمنوا بالله حقًّا وصدقًا وآمنوا برسوله ومصطفى محمد عليه الصلاة والسلام.
بل إن الله وعدهم. ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لما وصل الله القول لأهل الكتاب، ولما ذكر تلك الأخبار في القرآن الكريم لعلهم يتذكرون ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِۦ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ إنه الإنصاف في أعلى صوره، ولم لا والله هو الذي أنزل الميزان وهو الذي أمر بالعدل والإحسان، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ ﴿وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لكنه، ولأن.
الأمر جد خطير، ولأن أكثر هؤلاء لا يعون، ولا يعقلون، ولا يفقهون، وعندهم ما عندهم من خلل واضح جلي من تحريفات وانحرافات عقدية وسلوكية نبهنا الله على تلك العداوة الصريحة وصدق الله إذ قال ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ وصدق الله إذ قال ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ فإنَّ عداوتهم عداوة بيِّنة وواضحة أعلمنا الله بتلك العداوة لنأخذ حذرنا مع إننا نرغب في التعايش السلمي ونرغب في الأمن والأمان والسلم والسلام ولكن هيهات هيهات مع ناقضي العهود وقاتلي الأنبياء والمرسلين.
بل والمكذبين لأمر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ والطاعنين في ذات الله العليَّة، يا أيها الإخوة الكرام، [تُراجع العبارة في التسجيل؛ تداخلت الكلمات عند بيان الفرق بين اليهود وأهل الكتاب] أن اليهود بعض أهل الكتاب من جهة وأن اليهود يدخل فيهم من لم يكن من نسل يعقوب عليه الصلاة والسلام، فاسرائيل هو يعقوب عليه السلام وبنو إسرائيل منسوبون إليه بيد أن اليهود منهم من هو من نسل يعقوب عليه السلام، ومنهم من دخل عليهم بعد ذلك واليهود طائفة من الطوائف تنتسب إلى تلك الملة اليهودية.
كما أنَّ النصارى ينتسبون إلى النصرانية [تُراجع العبارة في التسجيل لضبط المقارنة بين أهل الكتاب واليهود وبني إسرائيل] حيث أن بني إسرائيل يدخل فيهم النصارى أيضًا. ولذلك. فإنَّ المسيح عيسى قال. ﴿وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، وفي الواقع العملي فالنصارى يسعون بالتبشير ويريدون أن يدخل الناس فيما هم عليه بينما اليهود في الأغلب الأعم لا يريدون ذلك أنهم يرون إنهم شعب الله المختار فلا يريدون أن يحظى أحد بما كانوا أو بما هم عليه من مزية إلا ما استثني من ذلك وهو خلاف الأصل عندهم الناظر.
سوء أدبهم مع الله بزعم الفقر والغل وحرصهم على أدنى حياة
يا أيها الإخوة الكرام، في آيات القرآن الكريم يجد أن الله جل وعلا بيَّن أنهم وصفوا الله بأشنع الأوصاف، بأشنع الأوصاف وأقبح النعوت فوصفوا الله بأنه فقير ووصفوا الله بأن يده مغلوله قال الله سبحانه ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.
وذلك أنَّ الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام حين دعاهم إلى الإسلام ودعاهم إلى إقامة الصلاة وإلى أن يتصدقوا وأن يقرضوا الله قرضًا حسنا. فقالوا مشوِّشين مشغِّبين وما أكثر الشبهات التي يثيرونها في كل عصر ومصر. فقالوا ربنا يريد أن يقترض منا إذًا ربك هذا يا محمد فقير إذًا هو قد افتقر وأصيب بالفقر معاذ الله.
فقالوا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾، ومن المعلوم، أن الذي يقرض يقرض إنسانًا وأن الله ﴿أَنَّمَا﴾ قال ذلك ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ليبين، أن من اقرض فكأنَّما اقرض الله وأن الخلف والعوض عند الله ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾. وقال الله أيضًا. وقالت اليهود ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾. تأمَّل! قولهم ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ المراد بذلك إنهم زعموا أن يد الله قد غلت وأمسكت عن الإنفاق فوصفوا الله بالبخل وهم به أليق وله أجدر لكنه الوصف القبيح من قوم لا يعرفون لله قدرًا، ولا تعظيمًا، ولا إجلالًا إلى غير ذلك مما وصفوا به رب العزة سبحانه وتعالى، وأما عندهم في كتبهم من تحريف يزعمون، أن يعقوب صارع الله عز وجل وكاد يصرعه، ولم يتركه حتى يباركه الإله معاذ ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إلى غير ذلك مما لا يتنزهون عنه وهم يصفون به رب الأرباب سبحانه وتعالى، في الوقت الذي يقول المسلمون كلهم كبيرهم وصغيرهم سبحان الله العظيم في الوقت الذي يردد جميع المسلمين سبحان ربي الأعلى في الوقت الذي نقول: الله أكبر في الوقت الذي نقول: لا إله إلا الله. وأما إذا نظرت إلى بقية أوصافهم على سبيل العموم فإنَّهم موصوفون بأوصاف كثيرة في القرآن الكريم فمن ذلك الحرص على الحياة ولو كانت رخيصة ذليلة مهينة قال الله جل وعلا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ وجاءت كلمة حياة نكرة للإشارة إلى خِسَّتها فمهما كانت الحياة رخيصة فإنَّهم يرغبون فيها، ولا يريدون الآخرة ثم إنهم أيضًا مما قرروه إنهم إذا ماتوا.
فإنَّ النار ستمسهم، بيد أنها ستمسهم مدة وجيزة وهي المدة التي عبد فيها أسلافهم العجل. ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾. ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾. فهذا ما يعتقدونه في شأن النار إنهم سيدخلون النار حتمًا بيد أن دخولهم إليها لن يكون إلا مدة وجيزة ثم يخلفهم المسلمون وسائر الملل الأخرى.
سعي الإفساد في الأرض وإشعال الحروب وجبن القتال خلف الجدران
وقال الله سبحانه وتعالى، مبينًا أيضًا أنه من أوصافهم الإفساد في الأرض. فقال ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا﴾ ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا﴾. وقال ﷺ ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾، وكذلك بين الله سبحانه وتعالى، أن هؤلاء معروفون بالجبن والهلع.
فقال ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ وقال ﴿لَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا
قسوة القلوب ونقض المواثيق ومعاداة جبريل وقتل الأنبياء
عباد الله، ذكر الله الكريم سبحانه من أوصاف هؤلاء إنهم ينقضون العهود وأنهم يخونون ولا يفون. فقال الله سبحانه ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ﴾ ﴿لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ وتأمَّل! قوله وجعلنا قلوبهم قاسية لئلا تستغرب وتتعجب حينما ترى تلك القسوة التي وصفها الله أيضًا ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فلا تلتفت بعد إلى قتل طفل أو شيخ أو امرأة أو ما أشبه ذلك.
فهذا أمر لا يخفى على ذي لُبّ لمن أدرك عن الله، ولمن قرأ كتاب الله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾. ثم قال ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. تأمَّل! ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ نعم خيانة تلو خيانة ونقض عهد تلو نقض عهد ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ هكذا علمنا الله سبحانه وتعالى.
بل إنهم أيضًا طعنوا في كتب الله فلذلك كذبوا بالقرآن الكريم، ولم يؤمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام. بل إن المعاداة لم تتوقف عند الرسل، ولا عند البشر. بل إنهم من عادوا الملائكة من عادوا جبريل عليه السلام فحينما سأل جماعة منهم رسول الله ﷺ [تُراجع العبارة في التسجيل؛ يوجد فساد واضح في التفريغ] فأخبرنا من صاحبك.
فقال جبريل قالوا جبريل عدونا ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والسلاح وأنزل الله قوله ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عداوة حتى مع الملائكة ثم تكذيب بكتب الله وبرسل الله ثم قتل للأنبياء والمرسلين ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ قتل للأنبياء فضلًا عن غيرهم من الأبرياء.
وهذا أمر واضح وصريح أنها أوصاف كثيرة ذكرها الله في القرآن. ومن ذلك قوله أيضًا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
وهذا قول اليهود حينما يزعمون هذا إنهم قتلوا عيسى رسول الله ولكن الله رفعه إليه بفضل الله سبحانه وتعالى. وقال ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ثم استثنى. فقال. ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أنه الحق المبين الذي بينه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فإذا علم المسلمون ذلك فعليهم، أن ينتبهوا.
موقف المقداد ببدر ضداً لنكوصهم وحسد كعب بن الأشرف في تفضيل الوثنية
وقد اعلمنا الله. فقال، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أن آيات القرآن الكريم ليست فيها دعوة إلى الغدر وليس فيها دعوة إلى نقض العهد بيد أن فيها دعوة إلى معرفة الحق والصواب وإلى أن نعرف العدو من الولي وإلى أن نعرف أنه يجب لنا يجب علينا أن نطيع الله وأن نطيع رسول الله ﷺ لا أن نكون أمثال هؤلاء ولذا صدق المقداد بن الأسود رضي الله عنه حينما رأى رسول الله محمدًا ﷺ يوم بدر ما رأى فحينئذ بشره المقداد بن الأسود.
فقال له: يا رسول الله لا نقول لك لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون يا رسول الله فنحن من أمامك ونحن من خلفك وعن يمينك وعن يسارك إنهم أصحاب الرسول محمد ﷺ ورضي الله عنهم.
وقد قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ من الأقوال الشهيرة في الآية لِمَ النقمة علينا، ولِمَ الحسد للمسلمين على وجه الخصوص أذلك لأن المسلمين يتقون الله يخافون الله لا يظلمون لا يغدرون من أجل ذلك من أجل ذلك تكرهونه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾.
فقال كعب بن الأشرف ومن معه للمشركين عُبَّاد الأصنام أنتم خير من محمد حسدا منهم على رسول الله محمد ﷺ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾. ومع ذلك. فإنَّ المسلمين دومًا يقولون الحق وإذا قال أحدهم غير الحق أو فعل فعلًا ليس بحق رده أهل الإسلام إلى ما بينه الله وإلى ما بينه الرسول الصادق صلوات الله وتسليماته عليه اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا وسائر بلاد الإسلام واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام اللهم انصر عبادك المستضعفين في غزة اللهم أيِّدهم بتأييدك وقوِّهم بقوتك وأمددهم بمدد من عندك اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا متين اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واجبر كسرهم واحقن دماءهم اللهم عليك بعدوك وعدوهم يا قوي يا متين اللهم فرِّق جمعهم وشتِّت شملهم وارنا فيهم عجائب قدرتك سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)