من صفات المؤمنين
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، من المقامات العلية والمراتب السنية التي على كل مسلم، أن يسعى إليها ومما يدل على ذلك قول رب العزة سبحانه ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ فالمؤمن قد حقق الإسلام وزاد على ذلك بما جعله من المؤمنين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فنسأل الله، أن يرزقنا الإيمان.
ولذلك قالوا: إن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا فالمسلم قد يكون ناقص الإيمان. وأما المؤمن كامل الإيمان فإنَّه يتحلى بصفات جليلة. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا إياها وجدير بالعبد، يا أيها الإخوة الكرام أن يتتبع الصفات التي وصف الله عز وجل بها عباده المؤمنين حتى يسعى إلى تحقيقها إذا أعجبتك خصال امرئٍ فكنه تكن مثل ما يعجبك فَلَيْسَ عَلَى الْجُودِ وَالْمَكْرُمَاتِ … إِذَا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكَ وكم تكرر في القرآن الكريم ذكر يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا وإذا سمعت يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا فإما خير يأمرك الله عز وجل به وإما شر ينهاك الله عز وجل.
وقد جاء في القرآن الكريم صفات كثيرة لعباد الله المؤمنين منها ما ذكر الله في صدر سورة المؤمنون ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1–2) ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ﴾ إلا على أزواجهم أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾.
نسأل الله الكريم من فضله، ومن صفات المؤمنين ما وصفهم الله به في صدر سورة الأنفال إذ قال عز من قائل ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، ومن فضل الله عز وجل أن تحدثت عن فنسأل الله، أن يرزقنا تلك الصفات. وأما اليوم فإنني أتحدث عن صفات أخرى من صفات المؤمنين وإن كان لك أخي الكريم أن تقرأ ختمة من القرآن الكريم وأنت تقرأ آيات القرآن تتوقف كلما مرت بك آية فيها يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا فقف كلما مضت أو مرت بك آية فيها ذكر الإيمان أو المؤمنين جدير بك، أن تلتفت إليها وأن تعتني بها وأن تعلم أنك مخاطب بها على وجه الخصوص.
كما أنَّك مخاطب بالقرآن الكريم على وجه العموم، ولم لا نحرص على الإيمان ورب العباد سبحانه قد بين، أن المؤمنين في أمان، ومن لا يريد أمانًا في الدنيا والآخرة ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ فمن يريد الهداية أقول له: ستجدها في الإيمان إذا وجدت في نفسك خللًا تريد أن تهتدي فاستمسك بالإيمان فالمؤمنون مهتدون كما قال الله عز وجل وهم مهتدون.
وقال الله سبحانه. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ قال كثير من المفسرين. المعنى يهديهم ربهم بسبب إيمانهم ثم هم على قولين منهم من قال يهديهم في الدنيا يهديهم سبل السلام يدلهم على الصراط المستقيم، وكذلك يهديهم في الآخرة إلى جنات النعيم فيسيرون على الصراط المستقيم في الدنيا، وفي الآخرة والمعنيان صحيحان ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
ولذلك أمر الله النبي محمدًا ﷺ أن يقول بوضوح وجلاء ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وأثنى الله على نوح وإبراهيم وإلياس عليهم السلام. فقال: في حق كل واحد منهم ﴿إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو من عباد الله عز وجل المؤمنين به. وقال في حق موسى وهارون ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمؤمن بفضل الله شريف عزيز له قدر ومنزلة عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
يا أيها الإخوة الكرام، من الصفات التي يتحلى بها عباد الله المؤمنون. جعلنا الله عز وجل منهم بمنه وكرمه المؤمن تائب لا ينفك عن توبة لأنَّ المؤمن بشر ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ويخطئ ويقع منه ذنب وأمر الله المؤمنين. فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ فإذا أردت أن تعرف ميزان إيمانك ومقدار إيمانك في قلبك فانظر إلى مبادرتك بالتوبة إلى الله عز وجل هل أنت ممن إذا وقع منه ذنب أتبع الذنب بذنب ونسي أن يتوب إلى الله الرب
والإنابة رجوع إلى الله مع قصد ومع إرادة ومع حياء من الله عز وجل والإنابة كما قال بعضهم: لا تستلزم ذنبًا سابقًا أي: أنك تديم الرجوع إلى الله بالطاعات فإذا أذنبت رجعت وإذا غفلت رجعت وأنت دومًا في رجوع إلى الله لأنك تعلم، أن الله هو ملجأك وهو الذي يفر منه إليه ﴿فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ لا تتحمل أن تبتعد عن ربك سبحانه وتعالى، دومًا أنت في قرب أنت في عودة أنت في أوبة أنت في توبة تفعل أمرًا مباحًا ثم تتذكر مع أنَّه مباح فتستغفر الله عز وجل وتريد أن تقبل على طاعة تطيع الله فتتذكر أنك ناقص والناقص لا يصدر منه إلا نقصان فترى أنك مستحِقّ للتوبة والأوبة إلى الله فتتوب إلى الله من طاعتك فكيف بتوبتك من معصية الله حينما تعصي ربك.
ولذلك تتبع الصلاة بقولك أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله قال الله ﴿وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ على أحد الأوجه الإعرابية في الآية الكريمة وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فهي بدل من قوله من أناب فالذين آمنوا هم من أنابوا إلى الله سبحانه وتعالى، التوبة والإنابة هذه صفة جليلة أو هما صفتان بينهما تقارب على المؤمن أو على العبد أن يتحلى بالتوبة والإنابة.
نسأل الله أن يجعلنا من التائبين المنيبين إليه سبحانه وتعالى،
يا أيها الإخوة الكرام، من صفات المؤمنين السمع والطاعة والتسليم والانقياد لرب العزة سبحانه وتعالى، ينقادون لله ويستجيبون لأمر الله ولأمر رسوله ﷺ شعارهم دومًا، وفي كل الأحوال ومع جميع الظروف، وفي جميع الأوقات ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285) إذا كنت مؤمنًا فأنت تقر بأن الله خالقك ورازقك ومالك أمرك وبيده.
الأمر كله ويتصرف فيك كيف يشاء ويحكم بما يريد وأنت عبده تستجيب له وتطيعه وتعبده، ولا تنفك عن ذلك طرفة عين هذا دأب المؤمن المؤمن يسمع ويطيع وينقاد لله ويستجيب لأمر رسول الله ﷺ فإذا أردت أن تكون مؤمنًا حقًا وصدقًا فأين أنت من ذلك إذا بلغك أمر الله أو أمر رسوله ﷺ فكنت ممن يبادرون بامتثاله ويستجيبون له فرحين مسرورين راضين مستسلمين منقادين فأنت على خير فاحمد الله عز وجل قال ربكم وهو أصدق القائلين ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ فلا قال بعضهم: هو تأكيد للقسم.
وقال آخرون: بل هو تعجيل وتأكيد للنفي فإذا قال فلا أنت تقول ما هذا الذي ينفيه الله أنت تنتظر فلا ما هذا الذي نفاه الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إذا وقع اختلاف بيننا وقع اختلاف بين الإخوة وقع اختلاف بين المتاجرين بين الشركاء بين الزوجين بين المتخاصمين بين المتنازعين من نحكم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ثم وثم تفيد التراخي ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ أي: أنت قد ترضى في الوقت وترضى وتستسلم في هذا الوقت ولكن بعد حين تقول: يا ليتني ما قبلت لماذا قبلت
كنت أردها. ماذا يضيرني أن أخالف لحظة أو أن أخالف أمرًا من الأوامر لا. ثم ولو بعد زمن ولو بعد حين ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ قال بعضهم: أي: شكا. وقال آخرون: أي: ضيقا ﴿لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ﴾ شكا ولا ضيقا ﴿مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾. وقال الله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ﴾ ضَلَٰلًا مُّبِينًا.
كما أنَّ المطيع مهتد. وقد قال الله وإن تطيعوه تهتدوا. فإنَّ العاصي قد ضل ضلالًا مبينًا. نسأل الله السلامة إذا أمرك الله بأمر إذا أمرك الرسول ﷺ بأمر عليك أن تمتثله. الأمر وأن تجتنب النهي وأن لا تتجاوزه لأنك عبد مؤمن والمؤمن ينقاد ويستجيب لله ولرسوله والله قال ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ نعوذ بالله من الفتنة، ومن العذاب الأليم.
وقد فهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، هذا المعنى وطبقوه في واقعهم بريرة رضي الله عنها، وكانت أَمَةً ثم أُعتِقت، وكان معها مغيث فرفضت مغيثًا لا تريده هو عبد. وقد صارت حرة فلها أن ترفضه ومغيث يسير خلفها ويطوف يبكي يريدها لا يريد مفارقتها فالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول لبريرة لو راجعتيه! فقالت: يا رسول الله أتشفع أم تأمرني؟ الذي تقوله لي شفاعة فقط، يعني: أنت تطلب طلبًا لا تأمرني به أم، أن هذا أمر تأمرني به «أتشفع أم تأمر؟». قال: «بل أشفع». قالت ليس لي حاجة فيه يا رسول الله والمعنى أن الرسول ﷺ لو أمرها فإنَّها تمتثل أمر الرسول ﷺ ولو كان مخالفًا لهواها وزوجة جليبيب حينما خطبها جليبيب وأبى أبواها أن يزوجاها لجليبيب قالت المرأة أتردون على رسول الله أمره ادفعوني إلى رسول الله.
فإنَّ رسول الله لن يضيعني: لأنهم يعلمون، أن الله قال ﴿ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم، إذا سمعوا. الأمر امتثلوه وإذا عرفوا النهي اجتنبوه حتى وإن كانت أهواؤهم على خلاف ذلك في فترة من الزمان حتى يتحول الهوى ليكون موافقًا لشرع الله عز وجل حينما حرمت الخمر. وقد كان عدد منهم ليس بالقليل يشربها. بل يكثر منها ما كان منهم إلا أن ألقوها حتى صارت تجري في سكك المدينة استجابة لله واستجابة لأمر رسول الله ﷺ حينما يسمع أحدهم، أن التختم بالذهب لا يجوز للرجال ما يكون منه إلا أن يلقي خاتمه.
أما اليوم إذا قيل له هذا حرام نهى الرسول عنه الله قال طيب حاضر سأفعل سأنظر سأفكر ليس الأمر كذلك. وقد بين الله جل وعلا الفرق بين المؤمنين والمنافقين. فقال: في سورة النور ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ﴾.
بل أولئك هم الظالمون ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء المؤمنين بفضله ومنه وكرمه. يا أيها الإخوة الكرام، حتى لا أطيل عليكم أختم بصفة ثالثة من صفات المؤمنين المؤمن ينتفع بالقرآن المؤمن ينتفع إذا قرأ القرآن المؤمن يتعظ بآيات الله المؤمن يتعظ بمعجزات الله المؤمن يتعظ بآيات الله في كونه وآيات الله في كتابه ألم يقل الحق سبحانه وذكر.
﴿فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الله سبحانه. ﴿إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال ﴿خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ. وقال إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الله أنزل آيات القرآن لنتعظ لنزداد بها إيمانًا ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ قال الله عز وجل ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ﴾ إِيمَٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾.
نسأل الله السلامة المؤمن ينتفع إذا قرأ القرآن يتعظ بما فيه من أحكام يقرأ فيتعظ يتذكر فيذكر يتذكر ويتعظ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾ ويتجنبها الأشقى. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى: 14). أما ناقص الإيمان فإنَّه يسمع المواعظ وكأنه لم يخاطب بها وكأن الحديث إلى غيره كذلك المؤمن يتعظ بآيات الله ينظر في السماوات ينظر في الأرض ينظر في المخلوقات ينظر إلى هذا الذي كان غنيًّا فافتقر وإلى هذا الذي كان عزيزًا فذل وإلى هذا الذي كان صحيحًا فمرض فيقول: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾ ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ يسأل الله العفو والمعافاة، فالمؤمن معه الدافع الذي يدفعه إلى الإقدام يدفعه إلى طاعة رب الأرض والسماوات اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم حبب إلينا الإيمان اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان اللهم إنا نسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنان الخلد اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك اللهم جدد الإيمان في قلوبنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم اغفر ﴿لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ اللهم اجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام وسائر بلاد المسلمين اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
من سلسلة: خطب (342 درسًا)