ليشهدوا منافع لهم وقفات مع منافع الحج
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، قال ربنا وهو أصدق القائلين ﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ قال ربنا: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ﴾ نقف.
يا أيها الإخوة الكرام، في هذا اللقاء وقفات يسيرة مع هذه الجملة العظيمة الجليلة التي يبين الله جل وعلا لنا فيها الحكمة من الحج لِمَ شرع الله عز وجل الحج، ولِمَ فرضه على المستطيع؟ وأوجبه على القادر قال ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ﴾ فالحجاج يشهدون منافع كثيرة لهم وقوله: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ﴾ هكذا منكَّرًا، بدون أل، ليدل على معنى التعظيم، وفيه دلالة على التكثير أي: ليشهدوا منافع عظيمة، ومنافع كثيرة في أثناء حجهم فيعودون إلى أوطانهم.
وقد أحرزوا تلك المنافع وحققوا تلك المصالح. نسأل الله الكريم من فضله. وهذه المنافع تكلَّم العلماء عنها وأفاضوا، وحاصل القول فيها أنها منافع دنيوية، ومنافع دينية، ومنافع أخروية فالحجاج يغنمون في حجهم يتعرف بعضهم على بعض فتتوثق العلاقات وتقوم المصالح على أقصى ما يكون فيزدادون خيرًا وبركة تزال الإشكالات وتتقارب وجهات الأنظار بفضل الله سبحانه وتعالى، منافع دنيوية تفتح لهم أبواب الأرزاق والخيرات كما بيَّن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قال ابن عباس في مواسم الحج فيستفيدون في مواسمهم من أمور الدنيا.
لكن المنافع الأعظم والمنافع الأجل والأكبر والاهم هي المنافع الدينية والمنافع الأخروية التي ينبغي للمسلمين وإن غابوا عن الحج ألَّا تفوتهم تلك المنافع فلئن كنا قد حرمنا من الحج هذا العام أو حرم بعض الناس من الحج في كل عام فلا أقل من أن يشهد تلك المنافع بعقله وفؤاده وإن لم يشهدها ببدنه وجسده.
فإنَّ المقصود أن يحصل الإنسان تلك المنافع وهكذا شرائع الإسلام ما شرع الله شريعةً ولا افترض فرضًا إلا من ورائه حِكَم كثيرة ومصالح عظيمة عَلِمَها من عَلِمَها وجهلها من جهلها، ولِمَ لا والله جل وعلا هو العليم الحكيم؟ لا يشرع شيئًا إلا لحكمة سبحانه جل وعلا يا أيها الإخوة الكرام، من هذه المنافع العظيمة التي يشهدها الحجاج وعلينا أن نتفهمها وأن نتعقلها أن نعرف حقيقة الدنيا وأن نعرف أن الدنيا حقيرة وأنها ذاهبة ليست باقية وأن الناس فيها ليسوا بمخلدين ها هم الناس قد تجرَّدوا من ملابسهم الفاخرة، ولا يرتدون إلا الإزار والرداء لا فرق بين رئيسهم ومرؤوسهم وكبيرهم وصغيرهم وزعيمهم وغيره فالكل في هذا الأمر. سواسية، كلهم يلبسون لباسًا واحدًا وينطلقون انطلاقًا واحدًا يرمون يلبّون يطوفون يسعون إلى غير ذلك من الشعائر أعني شعائر الحج لتعرف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أنك مهما أُوتيت من مال فأنت إلى مَ تصير؟ إلى مثل هذا الرداء إلى مثل هذا الإزار ﴿إِلَّا﴾ تتذكر موتك؟ ﴿إِلَّا﴾ تتذكر دفنك؟ فيمَ ستُدفن؟ في أثواب ثلاث هذه الأثواب تُلف لفًّا ثم توضع في القبر ولو كنت أغنى الناس ولو كان معك ما معك فهكذا يعلمنا الحج أن الدنيا رخيصة وليست بعظيمة وبإمكان الإنسان، أن يستغني عن كثير من الثياب ورحم الله الإمام أحمد حينما علم أولاده حينما فاتهم ما فاتهم من نفقات.
فقال لهم يا بني ﴿أَنَّمَا﴾ هو طعام دون طعام وشراب دون شراب الفقير يشرب والغني يشرب الفقير يطعم والغني يطعم فرق بين طعام هذا وذاك، وفي النهاية هذا طعم. وهذا طعم ولربما كان الفقير أقرب إلى الله من الغني والذي يقدم هذا على ذاك إيمانه بالله وعمله الصالح ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ هذا درس ينبغي ألَّا يفوتك لتقبل على الحلال وتقنع به فلا تَطعَم ولا تُطعِم إلا حلالًا ترضى بقسمة الله عز وجل لك وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
يا أيها الإخوة الكرام، من هذه المنافع الجليلة التي يشهدها حجاج بيت الله الحرام وينبغي ألَّا تفوتنا تذكر الدار الآخرة تذكر الحشر والنشر هذا الجمع الكبير والجم الغفير من كل حدب وصوب من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأشكالهم اجتمعوا في صعيد واحد بهذا اللباس يتذكرون الدار الآخرة.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: ما أعطيناكم تركتموه وراء ظهوركم أين هو ذهب لذا. فإنَّ الرب الكريم سبحانه صدَّر سورة الحج بهذه الآية ليجعلها في مطلع سورة الحج ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ يتذكر الحجاج هذا المشهد المهيب مشهد يوم القيامة حينما يتخلى الناس عن كل ما لديهم.
بل إن الأمر كما قال الله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ الله في الآخرة لذلك. فإنَّ الله جل وعلا لما ذكر أحكام الحج في سورة البقرة ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في أول آية في سورة الحج تذكير بزلزلة الساعة وآخر آية ذكر الله فيها أحكام الحج في سورة البقرة قال الله جل وعلا: ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ هذا هو الختام ختام آيات الحج في سورة البقرة ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: كما اجتمعتم في الحج فستُجمعون في يوم الجمع ﴿ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾.
نسأل الله أن يثبتنا على دينه فجدير بك ألَّا تنسى آخرتك وألَّا تنسى موتك فأنت ستقبر وتدخل القبر ثم تكون الآخرة لا يحسن بالإنسان أن يغفل عن الموت فلا يذكره إلا إذا مات له مَيِّت. نسأل الله أن يرحم مَيِّتنا وأن يرحم أموات المسلمين وإنَّما ينبغي أن يكون الموت على ذكر منا لا شيء مما ترى تبقى بشاشتُه، يبقى الإله ويُودِي المالُ والولدُ لم تُغنِ عن هرمز يومًا خزائنُه والخلد قد حاولت عادٌ فما خلدوا أين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوبٍ إليها وافدٌ يفدُ حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ، لا بد من ورده يومًا كما وردوا لا بد من ورد
هذا الموت فالجميع يرده ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ فحقيق بك، أن تتذكر الدار الآخرة وأن تعمل لها ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لهي الدار المستمرة الباقية ﴿لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤)، يا أيها الإخوة الكرام، كذلك منافع الحج أن يتعلم الناس درسا عظيمًا وهو انتظار الفرج نعم انتظار الفرج.
انظر إلى حال المسلمين وهم يريدون في الحج رمي الجمرات وهناك زحام شديد مع أنَّ هناك عدة طوابق الطابق الأول والثاني والثالث والرابع هؤلاء يرمون من الدور الأول وهؤلاء من الثاني وهؤلاء من الثالث تتنوع مراميهم. ومع ذلك هم يريدون رمي تلك الجمرات وكل منهم يشعر بالصعوبة وبالمشقة البالغة من كثرة الزحام ويقول هل سأتمكن من الرمي وأمامي عدد كبير، وكذلك في طواف الإفاضة.
وقد اجتمعوا، لا يتحرك الإنسان. بل يحركه من خلفه فيسير سيرا بطيئًا في غاية البطء ثم بعد مدة طالت أو قصرت رمى جمرة العقبة واتجه إلى مكة وطاف ببيت الله الحرام وسعى إن كان عليه سعي ثم عاد مرة أخرى ليبيت بمنى فانظر يا عبد الله هكذا الإنسان في الحياة يظن، أن الكربات لن تنفرج ويفرجها الله عز وجل.
فهذا الحج يعلمنا انتظار الفرج أنت في الحج تتعلم الصبر تتعلم، ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ تظن أن الأمر لن يتحقق، يحققه الله عز وجل لك وترى المرأة الضعيفة والرجل الكبير في السن الطاعن المريض. ومع ذلك ييسر الله عز وجل له سبل الحج فنتعلم من ذلك انتظار الفرج. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ نتعلم من ذلك انتظار الفرج.
نسأل الله أن يفرج كربنا، يا أيها الإخوة الكرام، من المنافع العظيمة التي ينبغي للمسلمين، أن يتعلموها في الحج اعتياد الذكر والدعاء نعم ما أكثر المفرطين في ذكر الله، وفي الدعاء هناك في الحج يلبُّون ويهلُّون ويكبِّرون ويُذعنون لله رب العالمين يلبّون «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» ثم يكون منهم التكبير الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد لما ذكر الله أحكام الحج في سورة البقرة قال في وسط الآيات، وقبل نهايتها، ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾.
تأمَّل! ماذا يقولون ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار هذا دعاء مبارك كان من أكثر دعاء الرسول ﷺ أن يدعو ربه اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار وعلمنا الله ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أنهم كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يتفاخرون بالآباء والأنساب والأحساب يجتمعون في الحج فيقول: أحدهم أنا من قبيلة كذا والشاعر فلان من قبيلتي وأنا انتسب إلى كذا وحسبي ونسبي.
فقال الله لهم ﴿فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ الأولى والأحرى أن تذكروا الله رب الأرض والسماء لا أن تشتغل بمدح الأجداد والآباء فأنت تتعود في الحج على الذكر، وعلى الدعاء وكثير منا في واقعه العملي يغفل عن ذكر الله عز وجل حتى إن أحدنا إذا انتهى من صلاته يأتي ليسبح الله ويحمده ويكبره فيشتغل بأمر آخر فينصرف دون أن يذكر الله يأتي أحدنا قبل نومه ليذكر الله قبل النوم فيتشاغل بأمر فينام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يذكر الله كذلك إذا صلى الصبح يأتي ليذكر أذكار الصباح وكذا في المساء ليقول أذكار المساء فينساها.
انظر إلى واقع كثير منا يغيبون عن الذكر ويغيب الذكر عنهم لذلك تقسو القلوب لأنَّ القلوب تلين بذكر الله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ ﴿إِلَّا﴾ ترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أن الحجاج يمكثون في منى، ومن عبادتهم المبيت وذكر الله عز وجل الحجاج بعد أن يرموا جمرة العقبة يتوجهون للطواف وللسعي ثم يتجهون إلى منى ماذا يصنعون في منى مبيت وذكر لله
ثم يأتي اليوم الآخر بعد ذلك، يوم القَرِّ يوم الحادي عشر ليرموا بعد ذلك الجمرات الثلاث وكذا في اليوم الثاني عشر الشاهد أن المبيت عبادة، ينامون وهم يتعبدون يذكرون الله وهم يتعبدون فما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم إلى أن تكون ذاكرًا لله لذا أمرنا الله بذكره ذكرًا كثيرًا. فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الذكر أيسر العبادات لكنه أعظم العبادات وأجلِّها على الإطلاق ويتقوى الإنسان به على الطاعات.
ولذلك قال الرسول لمن قال له: «إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ» قال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» فإذا أحسست في نفسك تقصيرًا وتفريطًا تجد أن الصلاة ثقيلة تجد أن العبادات ثقيلة أقول لك: أين أنت من ذكر الله وأين أنت من الدعاء. جعلنا الله من الذاكرين بمنه وكرمه أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من المنافع العظيمة التي ينبغي للمسلمين أن يتعلموها ممن يذهب إلى الحج تقبل الله من الحجاج حجهم اغتنام الأوقات وعدم تضييعها نعم، إن هؤلاء، يا أيها الإخوة الكرام، يحجون ففي أيام قليلة يفعلون ويعملون أعمالًا كثيرة صحيح أنَّ رب العزة قال: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ فالحج له أشهر: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ﴿وَقِيلَ﴾ شهر ذي الحجة.
لكن مع ذلك فأكثر المناسك تقضى في أيام يسيرة ﴿إِلَّا﴾ ترون أنه لا يمكن لأحد أن يأتي في شهر شوال مثلًا في شهر شوال ويقول أنا سأقف بعرفات هل يصلح هذا لا يصلح عرفات له وقته وهو يوم التاسع من شهر ذي الحجة فتأمَّلوا رحمكم الله في يوم التاسع من شهر ذي الحجة توجَّه المسلمون من منى إلى عرفة وقفوا بعرفة ودعوا ربهم سبحانه وتضرعوا إليه ثم اتجهوا إلى مزدلفة فباتوا بمزدلفة، وبعد الفجر توجهوا يدعون الله في المشعر الحرام ثم ذهبوا لرمي الجمرة، أعني جمرة العقبة ثم حلقوا، ومن كان عليه نحر أو هدي نحر ثم اتجهوا في يوم العيد من أجل الطواف بالبيت ثم السعي ثم العودة مرة أخرى من أجل المبيت بمنى الله أكبر كل هذه الأعمال في وقت يسير يا مسلم يا عبد الله والله لديك طاقة قوية لكنك تضيعها تفرط فيها تفرط فيها يمر عليك اليوم وتمر عليك الليلة دون أن تتلو صفحة من كتاب الله عز وجل إلا من رحم الله أين وردك أين وردك القرآني اليوم هو ختام العشر التي قال الرسول فيها ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من
هذه العشر هذا ختامها فماذا صنعت فيها ماذا قرأت من القرآن وماذا صليت لربك العزيز الغفار ما أحوجك إلى أن تراجع نفسك في الأوقات التي تذهب في تقليب الصفحات وتقلب كذا وكذا مما شئت من أمور الدنيا مع هذا الانفتاح الرهيب ولكن أين حظك من طاعة الله سبحانه وتعالى، الحج يعلمك كيف تحافظ على وقتك.
نسأل الله سبحانه، أن يجعلنا من الموفقين، يا أيها الإخوة الكرام، الحج يعلمنا الإحسان، الإنسان في الحج ينتفع بهذا المبدأ العظيم، أن يكون محسنًا فتراك في الحج ينبغي لك ألَّا ترفث وألَّا تفسق. بل أن تتحمل الناس «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» والله قال ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ يأتي أحد الناس ليجادلك، لا تجادله يأتي ليرفث ليفسق ما لك وله فأنت في الحج تحسن إلى الناس تحسن بكلامك ثم يكون هناك الهدي الذي يصنعه المتمتعون والقارنون لأنه واجب عليهم، وكذلك من يضحون فإنَّهم يضحون فتعلِّمهم الأضاحي ويعلِّمهم الهدي الإحسان فكن محسنًا وبيت القصيد أقول لك: إذا جمعت بين التقوى والإحسان فأنت على خير عظيم واسمع إلى المقارنة بين ختام سورة النحل قال الله في آخر آية منها: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ إذا كنت من المتقين فالله معك إذا كنت من المحسنين فالله معك الحج الأضحية يعلمان الناس ذلك ألم يقل الله جل وعلا في آخر آية يحدثنا فيها عن الهدي عن الاضاحي عن مناسك الحج وشعائره قال الله سبحانه ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا﴾ (الحج: 37)، ﴿وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
تأمَّل! ﴿يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾، تقوى، ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، إحسان هما عَلَمان ينبغي للمسلم أن يعيهما أن تكون من المتقين وأن تكون من المحسنين من المتقين، أن تراقب الله والحج يعلمنا التقوى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ قال كذلك: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ تقوى وإحسان فإذا جمع الله لك بين التقوى تراقب الله تخاف الله في السر والعلن وأن تكون من المحسنين والإحسان له معنيان إحسان بمعنى الإتقان في العبادة واحسان بأن تحسن إلى الخلق حينئذ يسعد الناس بك لا يشقى الناس بك لأن.
الأمر كما قال الرسول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم اغفر لحينا ومَيِّتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)