مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

كيف يتعامل المسلم مع نعمة المال

خطب · الدرس 229 من 342 · 31 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار ونسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، كيف يتعامل المسلم مع نعمة المال هذا هو عنوان هذا اللقاء.

نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، إن الله جل وعلا ينعم على خلقه بنعم كثيرة، ومِنَن جليلة لا تُعد ولا تُحصى وصدق الله إذ قال ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وقال ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومن هذه النعم التي ينعم الله بها على من شاء من خلقه نعمة المال والمؤمن له مبادئه وأسسه التي ينظر بها إلى هذا المال الذي أعطاه الله إياه وأنعم به عليه هذه النظرة مستقاة من كتاب الله، ومن هدي الصادق رسول الله ﷺ وإذا كانت هناك أنظمة كثيرة وقوانين عديدة وأفكار متشابكة ومختلفة قد حاولت أن تبرز الاقتصاد في صورة مشرقة لكنَّها أخفقت وضلت وزاغت وأزاغت. وأما الاقتصاد في الإسلام فله شأن آخر وما ذلك بعجيب على هذا الدين الذي ارتضاه رب العباد لنفسه وجعله دين عبادة الذي لا يرتضي دينًا سواه.

وقد قال الله جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ فهو الذي حدد المنهاج وبين الطريق الذي علينا أن نسلكه فيما يتعلق بالأموال. نسأل الله أن يرزقنا الحلال الطيب وأن يجنبنا الحرام الخبيث، يا أيها الإخوة الكرام، مما على المسلم، أن يتعامل معه تجاه الأموال أن يعلم، أن المال نعمة. وقد تنقلب النعمة إلى نقمة إذا لم يشكر العبد ربه جل وعلا عليها.

وقد قال الحق سبحانه ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ فهي زينة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ وما من شك، أن النفس البشرية تميل إلى ما يزينها وإلى ما يجعلها في رغد من العيش وسعادة وهناء. نسأل الله أن يرزقنا السعادة في الدنيا والآخرة فالأساس الأول أن يعلم العبد أن المال نعمة.

وهذه النعمة تستوجب شكرًا، ومن لم يشكر الله عز وجل عليها وكفرها فرت منه وحوسب. بل عوقب عليها. نسأل الله سبحانه، أن يرزقنا الجنة بغير حساب، ولا سابقة عذاب وأن الميراث ميراثه وأن المدد مدده وأن الخير خيره وأننا مستخلفون في هذا المال راجعون إلى الله عز وجل. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

وقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ فلا المال يبقى، ولا المتاع يبقى. وقد جاء عن الرسول الكريم ﷺ فيما أخرجه الشيخان «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله» المؤمن يعلم أنَّ هذا المال ﴿أَنَّمَا﴾ هو مستخلف فيه جعله الله مؤتمنًا عليه مستخلفًا فيه وأنه ليس بباق، ولا بدائم له.

بل سيزول الإنسان عن هذا المال. كما أنَّ المال قد يزول عنه قبل زواله من تلك الحياة لذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. وقال ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، من الأسس العظيمة التي علينا أن نتعلَّمها أن الله جل وعلا قد جعل المال قوامًا للحياة فالحياة تقوم بهذه الأموال والأموال أعم من أن يراد بها النقود.

بل إن كلما ينتفع به الإنسان ويبذل في تحصيله ما يريد أن يبذله من متاع أو مال أو ما أشبه فكل ذلك داخل في حدود المال كما تبينه شريعة الإسلام فربنا بين، أن المال به تقوم الحياة وتستقيم أمور الناس في معاشهم حتى يأخذوا من معاشهم لمعادهم. وذلك باستعمالهم المال في طاعة الله عز وجل من هذه الأسس العظيمة التي ينبغي للمسلم، أن يعلِّمها أن الشريعة الإسلامية جعلت حفظ المال من ضرورياتها فهناك ضروريات أولاها الإسلام اعتناءه واهتمامه، ومن بينها حفظ المال فحفظه ضرورة شرعية وهو من مقاصد الشريعة العظيمة التي أولاها الإسلام العناية أيما عناية لذلك حرم الله الاعتداء على الأموال بجميع الصور فحرم النهب وحرم الخيانة والخداع والسرقة وغير ذلك مما ربما نشير إليه بعد قليل بإذن الله جل وعلا.

كذلك من هذه المبادئ العظيمة التي علينا أن نتعلَّمها أن النعم التي بإمكاننا أن نحصل عليها إذا بذلنا الأسباب يجب علينا أن ننظر إليها من جهتين. أما الجهة الأولى إذا كانت النعمة ليست معك فأنت تسعى لتحصيلها وأنت تسعى للحصول عليها والنظرة الثانية، أن تكون النعمة في يدك وفي قبضتك فأنت عليك، أن تحافظ على تلك النعمة وأن تسعى في الازدياد منها.

وهذا ليس في نعمة المال فحسب وإنَّما في عموم النعم التي تكون على هذا الضرب فمثلًا نعمة العلم من أراد أن يحصلِّ على نعمة العلم فعليه أمران. أما الأمر الأول فهو، أن يسعى في تحصيل العلم، وفي تعلم العلم فإذا حصل العلم عليه أن يحافظ على العلم الذي معه وأن يسعى إلى تنميته، وكذلك نعمة الزواج مثلًا فنظرتنا إلى المال من جهتين.

أما الجهة الأولى أن المال ليس معك أنت تريد أن تحصل على المال، تريد أن يكون معك المال فكيف أتعامل كيف علمنا الإسلام ذلك ما الذي نصنعه حتى نحصل على الأموال حتى نصير في عفة في غنى عن سؤال الناس هذه جهة والجهة الثانية المال الذي معي كيف أتعامل معه وكيف أحافظ عليه وكيف أستثمره وكيف أنميه كل

ذلك علمنا إياه ديننا بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. أما الجهة الأولى وهي جهة تحصيل المال فالمال قد يكون لديك بدون تعب لكنه أتاك بطريق شرعي حلال كما يكون في باب الميراث لو أنَّ شخصًا ورث أباه، وكان أبوه من الأغنياء الأثرياء. فهذا مال قد ساقه الله عز وجل إلى العبد بطريق شرعي ولو أنَّ شخصًا وهب آخر ممن تصح الهبة له مالًا من الأموال فحصل على المال من طريق الهبة دون كدح ودون تعب.

فهذا من تيسير الله عز وجل للعباد. أما المال الذي يحتاج إلى كدحه وإلى جهده وإلى تعب فقد وضع الإسلام لنا خطة ووضع لنا منهاجًا علينا أن نرتسمه وأن نخطوه وأن نسير عليه من أول ذلك، أن ديننا حثنا على العمل ودعانا إلى الكسب الحلال وإلى السعي في الأرض والمشي في نواحيها حتى نصير أغنياء نعفُّ أنفسنا ونعف من حولنا.

فإنَّ هذا المؤمن خير عند الله ممن يتكاسل ويتقاعس عن العمل وتُحفظون جميعًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام، كما عند البخاري وغيره «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده» وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده صلوات الله وتسليماته عليه. ولذلك قال الله سبحانه ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.

وقال في شأن صلاة الجمعة ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال كثير من أهل العلم ﴿وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ بماذا بل إن الإسلام جعل العبد الذي ينوي نية صالحة في تحريه الكسب ويسعى ويجتهد من أجل أن يكسب الحلال، ومن أجل أن يغني نفسه، ومن تلزمه نفقته من نوى خيرًا أُجر على ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى، لذلك أخرج الطبراني في معاجمه الثلاثة الكبير والأوسط والأصغر من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، أنَّ رجلًا مر على ﷺ وأصحابه فلما رآه أصحاب ﷺ تعجبوا مما وجدوا من جلد الرجل ونشاطه فلما وجدوا ما في الرجل من جلد وقوة قالوا لو كان هذا في سبيل الله هذه الفتوة والقوة والرجل الخارج يتحرك قالوا لو كان هذا في سبيل الله.

فقال الرسول الأكرم ﷺ «إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا» فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وفي لفظ: «وإن كان خرج على أهله» فهو في سبيل الله وإن كان خرج رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان. إذن هذا الرجل ذو النشاط ذو الجلد ذو القوة حينما رآه الصحابة قالوا لو كان هذا في سبيل الله في الجهاد يخرج في المعارك فالرسول بين أنه حينما يخرج يريد أن يعف نفسه أو أن يعف أولاده أو أن ينفق على والديه وأولاده وزوجه فهو في سبيل الله العبد الذي يسعى على رزقه ويتجه لتحصيل المال ويبتغي وجه الله ويقصد مقصدًا حسنًا فهو في سبيل الله وله حسنات في هذا العمل الذي يعمله فهو بذلك في طاعة الله، وفي معية الله.

نسأل الله أن يرزقنا طاعته. ثم إنَّ الإسلام علمنا كذلك ونحن نجلب المال ونسعى لتحصيل المال أمرنا بتحرِّي الحلال وتجنب الحرام. ثم إنَّ من رحمة الله، بنا أن أباح لنا كلما نحتاج إليه من معاملات. وقال الله في حكم عام ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ والأصل في المعاملات على قول الجمهور وهو الحق الأصل فيها الحل والإباحة بمعنى أن أيَّ معاملة من المعاملات التي يتعامل الناس بها من تجارة وبيع وشراء وما أشبه الأصل فيها أنها حلال إلا إذا دل الدليل على أنها معاملة محرمة.

لذلك هناك المضاربة هناك الشركات هناك الرهن هناك البيع هناك الشراء هناك السلم إلى غير ذلك من الأبواب الكثيرة، ومن نظر منكم في كتب فقهاء الأمة وجد أبوابًا كثيرة تتحدث عن المعاملات وتبين، أن الأصل فيها أنها حلال إلا ما حرمه الشرع إذًا دعانا الإسلام إلى تحرِّي الكسب الحلال وأن نتعامل بالمعاملات المباحة وأن نترك الحرام قال ﷺ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ﴾ وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام «وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، هذه هي النظرة الأولى وهي النظرة إلى المال في جلبه في تحصيله وبقي منها أن ندعو الله سبحانه وتعالى، بأن يرزقنا الحلال الطيب. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام من أدعيته «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمَّن سواك» وورد عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يدعو بعد صلاة الفجر اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا، وفي لفظ واسعًا وعملًا متقبَّلًا، وفي لفظ صالحًا.

يا أيها الإخوة الكرام، وأما إذا كان المال معك وكان في قبضتك فأنت أحد رجلين إمَّا أن يكون المال الذي معك كثيرًا قد بلغ نصابًا وإمَّا أن يكون قليلًا لم يبلغ نصابًا فإذا بلغ المال نصابًا وجب عليك، أن تؤدي زكاته. وقد جعل الإسلام الزكاة أحد أركان الإسلام. وهذا يدلك على قيمة المال في الإسلام، ولملاه وأنت إذًا قلبت المصحف لتنظر في كلمة المال والأموال، بمفردها وبجمعها وتعريفها وتنكيرها تجد أنها بلغت عشرات المرات في كتاب الله عز وجل وكذلك الحج وهو شعيرة عظيمة وأحد أركان الإسلام ﴿أَنَّمَا﴾ يشترط أو يكون واجبًا على المستطيع والاستطاعة تشمل الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية فإذا كان مع الإنسان مال كثير وجب عليه أن يزكي من هذا المال وجعل الله الزكاة قليلة وشيئًا يسيرًا حتى لا يظن الإنسان أنه شاق عليه ثم فتح الله باب الصدقات وباب الإحسان وباب التطوعات. وأما إذا كان المال قليلًا فإنَّه لا يجب عليه الزكاة.

ومع ذلك لو أنفق من الإقتار. فإنَّ الله يخلف عليه ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (سبأ: 39). ومع ذلك دعاه الله عز وجل إلى الشكر ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ من النظرة الحقَّة أن يقدم الإنسان حقوق من تلزمه نفقته فيقدم الأقرب فالأقرب فعليه أن يقدم النفقة الواجبة عليه من نفقة أولاده وزوجه وأبويه وماله.

ومنهم من تجب عليه نفقته بإطلاق، ومنهم من تجب عليه نفقته ببعض الأحوال كما لو كان والداه فقيرين، وكان من الأغنياء فتجب حينئذ عليه النفقة فيقدم ذلك على كل تطوُّع والرسول أخبرنا أن الدينار الذي ينفقه العبد على أهله في حضرتك، وفي غيبتك فحرم الله السرقة وجعل لها حدا أكيدًا ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لأنَّ هذه اليد الكادحة لأنَّ هذه اليد الأمينة لأنَّ هذه اليد العاملة يد أمينة فحينئذ هي عند الله ثمينة حرم الله الاعتداء على أموال الناس بجميع الصور في التجارات في البيع في الشراء في كل الأبواب فنهينا عن بيع المجهول وعن بيع الغرر وعمَّا فيه إغرار أو تغرير أو خداع بالناس.

وقال الله عز وجل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ حرم الله الرشوة حرم الله الغش. فقال: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». كل صور الاعتداءات حرمها الإسلام حتى يحافظ على المال الذي جمعته بفضل الله سبحانه وتعالى. بل من تشريعات الإسلام الحكيمة، أن أحدنا لو وجد مال غيره وهو لا يعرف صاحب المال أن يأخذ المال ليحفظه لصاحبه حتى يظهر صاحبه وهو ما يُسمَّى في الإسلام باللقطة ولها أحكام كثيرة منشورة ومنثورة في دواوين السنة، وفي كتب الشريعة والفقه تحفظ مال الناس وأنت لا تعلم من هم فكيف بمن تعلم أنه صاحبه أو بأنه قريبك لا يجوز الاعتداء على مال أحد إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا «فِي شَهْرِكُمْ هَذَا».

ثم إنَّ ديننا علمنا أن المال تكتنفه البركة إذا جمعه الإنسان من حلال فطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية علمنا إياه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وأخيرًا، يا أيها الإخوة الكرام، من الضوابط العظيمة التي علمنا الإسلام إياها إذا جمعنا المال ﴿إِلَّا﴾ نسرف في هذا المال وألا نبذره وألا نختال فيه فكل ما شئت والبس ما شئت من غير إسراف ولا مخيلة لا تختال لا تتكبر على خلق الله بالمال الذي أعطاك الله وكُلْ واشرب.

وقال، ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا﴾ واعلم أخي الكريم، أن كل مال ولو كان قليلًا ولو كان يسيرًا إذا أُنفق في معصية الله فهو من الإسراف. اعلم أن كل مال ولو كان قليلًا ولو كان يسيرًا ولو كنت غنيًّا إذا أُنفق في معصية الله فهو من الإسراف. وإنني أقولها بملء الفم والقلب.

وكونك تسعى في إعفاف ولدك أو في إعفاف ابنتك وأن تنفق عليهما هذا خير عظيم وباب من التطوعات كبير. وأما أن يتحول الأمر إلى ترف وإلى صرف وإلى اختيال. فهذا مما ينهى عنه الإسلام وأقول لك: إنك لا تسيء إلى نفسك فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ تعين غيرك على أن يكون مثلك وأن يحذو حذوك وما أضرنا وما ضرنا مثل قول من قال سروا البلد هكذا وأختها تزوجت هكذا وابنة عمتها جاءت بكذا وابنة خالتها جاءت بكذا الله الله في أنفسكم، وفي أولادكم نريد رجالًا أقولها نريد رجالًا أبو البنت وأبو الولد يتفقان على أن يخفف كل واحد منهما عن الآخر ليس نظريًا دعوكم من النظريات حينما نأتي في عند الخطبة اللي تقدر عليه جيبه واللي لا نقدر علي أجيبه، وبعد كده كل واحد طلع عيني تاني ما هكذا وربما لم يطلب الطرف من الطرف الآخر شيئًا لكنه الحياء، لكنه الخجل لكنَّها الزوجة أحيانًا لكنهم الأقارب لكنَّها البنت نفسها والله قال ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ قف وقفة رجل وقل لن آتي إلا بما يحتاج إليه ما هكذا يكون الأمر

خففوا على أنفسكم ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ ربكم وإنني أرى من الناحية التطبيقية أننا إذا وجدنا رجلين أبا ولد وأبا فتاة اتقيا الله في ذلك، أن نعلن الشكر لهما وأن نثني على صنيعهما وأن نقول معلنين جزاكم الله خيرًا وأن لا نشارك في العبث حينئذ سيتحول حال البلد إلى تخفيف وما أحوال الناس عنكم ببعيدة فلماذا يشق بعضنا على بعض.

وقد أمرنا بالتخفيف وخير النكاح أيسره وأفضل النكاح أيسره قاله الرسول الكريم الأكرم عليه الصلاة والسلام، سامحوني على الإطالة لكنَّها غصة في الحلق والقلب مما نرى من الواقع. أسأل الله عز وجل أن يصلحنا وأن يصلح بيوتنا اللهم ﴿ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا﴾ ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة