لا تجعل حياتك رخيصة عندك
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ (الفاتحة: 2–4) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيد المرسلين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، رخيصة تلك الحياة التي يعيش فيها صاحبها من أجل شهوته ولذته، ومن أجل نفسه فحسب لقد ذم الله الكافرين وبين، أن هذه الحياة الرخيصة هي حياتهم وأن هذه المسيرة مسيرتهم. فقال عزَّ من قائلٍ: بعدما أثنى على المؤمنين قال في حق الفريقين. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾.
نسأل الله السلامة والعافية. المؤمن حقًا هو الذي عرف هدفه وحدد مقصوده عاش حياته لله فقدم أحسن ما عنده وأستغفر الله عز وجل مما بدر منه وسأل الله الثبات على الهدى ولقي الله على ذلك. نسأل الله أن نكون كذلك ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾2 (العنكبوت: 69) ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ المؤمن حقًا يعرف أن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾، أي: لهي الحياة الدائمة الباقية المستمرة، ﴿لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾. يعلم أن أناسًا يقولون يوم القيامة كما قال الله جل شأنه ﴿وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾ ﴿يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾ قد كان في الدنيا في حياةٍ لكنَّها حياة ذاهبة حياة غير باقية ﴿يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾ الأبدية للحياة السرمدية للحياة الباقية.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة بمنه وكرمه المؤمن الصادق يقدم أفضل ما عنده في هذه الحياة لأنه يبتغي مرضاة الله عز وجل فيعيش في هذه الحياة عزيزًا ويموت يوم يموت عزيزًا ويلقى الله سعيدًا ﴿هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، ما أجمل أن يعيش المسلم في كنف هذا الفهم أنه يسعى في هذه الحياة وأنها وسيلة لغاية لذلك يقدم كلما عنده وينتظر الأجر والثواب من الله، ومن عرف ما يرجو هان عليه ما يبذل.
أما أن يعيش الإنسان لنفسه وحسب وإذا تجاوز الأمر عاش لمن حوله فحسب دون أن يمتد أمره إلى ما هو أعظم وإلى ما هو أجل. ذلكم أن المؤمن قد رزقه الله البصيرة فهو يعيش لتقديم الخير للناس كلهم. وذلك لأنه جدير بنا، يا أيها الإخوة الكرام، أن نشعر بمذاق التضحية في سبيل الله وأن التضحية تكون في شتى المجالات، وفي جميع الميادين فيضحي الإنسان بوقته ويضحي الإنسان بكلمته ويضحي بماله وبنفسه وبالنفيس الذي عنده كل ذلك ليرضي الله سبحانه وتعالى، ﴿أَنَّمَا﴾ بلغ الشهداء ما بلغوا لأنهم صدقوا في تضحياتهم فكانت دماؤهم دليلًا على صدقهم وشهادة لهم بأنهم يقدمون لله رب العالمين لذلك يبعثون يوم القيامة ومعهم الشهادة وهي أن الجرح يثعب دمًا.
لكن الدم هكذا لونه ولكن ريحه ريح المسك كما أخبر الرسول ﷺ والأمر كذلك يعم كلما يستطيعه الإنسان فالرسول ﷺ قال: «الدين النصيحة». ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فأين نحن من هذا البذل؟ وأنت تسير في الطريق هل إذا رأيت منكرًا نهيت عنه بمعروف؟ هل إذا رأيت تقصيرًا وتفريطًا نصحت لله عز وجل؟ إنَّ كثيرًا من الناس لا يشتغل إلا بنفسه ولا يفكر إلا في ذاته مع أنَّ المؤمن كما تقدم مرارًا نخلة معطاء. يقدم الخير في كل الأحوال والله قد أثنى، وذكر أن الناس يوم القيامة ينقسمون إلى هذا الانقسام. فقال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾.
وقال ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5). وقال: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. وقال ﷺ كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث ابن مسعود رضي الله عنه «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر» إنك لا تدرك أن الوقت الذي تبذله لله وأن المال الذي تبذله لله وأن الصحة التي تبذلها لله وأنَّ كلَّ شيء تبذله لله فإنما يبقى لك يوم القيامة محفوظًا تنال أجره وثوابه من الكريم الوهاب أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، إن الصحابة الكرام رضي الله عنهم عرفوا تلك الغاية فلذلك مهما بذلوا كانوا يرون أن بذلهم قليل في ذات الله سبحانه وتعالى، قدموا كلما لديهم يبتغون بذلك وجه الله عز وجل لذلك لا تعجب حينما يقول عمير بن الحمام رضي الله عنه حينما سمع الرسول الكريم ﷺ «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض».
فقال: جنة عرضها السماوات والأرض هذه التضحية جعلت سعد بن معاذ رضي الله عنه يهتزُّ لموته عرش الرحمن هذا الذي شيَّعه سبعون ألف ملك جعلت هؤلاء وهؤلاء يصلون إلى ما قد وصلوا إليه جعلت هذا تغسله الملائكة كل ذلك لأنهم علموا طعم التضحية في سبيل الله وبعضنا ربما يضيق عليه أن يقدم وقته أو شيئًا منه أو شيئًا من ماله أو شيئًا من جهده لله سبحانه وتعالى.
وقد علَّمنا الرسول ﷺ «مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» هذا هو المقصد الأسنى أن تكون كلمة الله هي العليا فإذا رأيت خللًا بين الناس اهتز فؤادك وتأثرت أيما تأثر لأنك تريد أن يكون الناس على وفق شرع الله يطيعون الله ويطيعون رسول الله ﷺ الله سبحانه فإذا عزم.
﴿ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ كثير من الناس يدَّعي أنه سيفعل وأن المال لو كان معه سينفق وسينفق وأن الصحة لو كانت معه سيفعل ويفعل وأن العلم لو كان معه سيقدم ويقدم مع أنَّ الله قد أعطاك وأعطاك كثيرًا وكثيرًا فابذل ما في وسعك وما عليك ﴿إِلَّا﴾ تؤدي إلا ما قد أقدرك الله عز وجل عليه قد أثنى الله على قوم وذم آخرين فذم الله أولئك.
فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك «اللَّهُمَّ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ نَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
من سلسلة: خطب (342 درسًا)