مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

شرح حديث من سأل الله الشهادة بصدق

خطب متنوعة شرح حديث شريف أو حديث قدسي · الدرس 12 من 14 · 30 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة خطبة الحاجة وحديث نيل منازل الشهداء بصدق النية
  2. مناقب راوي الحديث سهل بن حنيف وفقه حديث الإصابة
  3. سلطان النية في بلوغ الأجور وعذر البكائين في غزوة
  4. علامات الصدق في النية وفقه تحويل العادات الحياتية إلى
  5. ملحمة الأعرابي الصادق إن تصدق الله يصدقك وأجر نية
  6. خصال الشهيد الست وتعدد أبواب الشهادة واستجابة دعاء عمر
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة خطبة الحاجة وحديث نيل منازل الشهداء بصدق النية

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 70-71). أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة

جنَّبنا الله البدعة والضلالة كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال

«مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» نعيش، يا أيها الإخوة الكرام، مع هذه الكلمات الموجزة النبوية من رسولنا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه لنرى فيها الخيرات والبركات

وقبل أن نلج إلى الحديث نذكر كلامًا مختصرًا وموجزًا عن هذا الصحابي الجليل وهو سهل بن حنيف رضي الله عنه فسهل بن حنيف رضي الله عنه أحد الذين شهدوا بدراً

والذين شهدوا بدرًا لهم منزلةٌ كبيرةٌ عند الله سبحانه وتعالى. وقد قال النبي ﷺ «لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»

مناقب راوي الحديث سهل بن حنيف وفقه حديث الإصابة

فهو بدري رضي الله تعالى عنه وأحد الصحابة الأجلاء الذين ثبتوا وما فروا يوم أحد حينما التقى الجيش المسلم مع جيش الشرك. نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان

وسهل بن حنيف رضي الله عنه كان جميل الجسد ومن أجل ذلك وقعت له حادثة شهيرة أخرجها ابن ماجه وغيره أن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه كان يغتسل يومًا

فمر عليه أحد الصحابة وهو عامر بن ربيعة رضي الله عنه فلما رآه يغتسل في الماء رأى جلده فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة

المخبأة هي الجارية الجميلة التي لم تتزوج بعد فهي مصونة ولها قدرها ومنزلتها فعامر بن ربيعة حينما رأى سهلًا قال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلُبِطَ به

أي: فأصيب سهل بن حنيف رضي الله عنه بالصرع وأغمي عليه فأتي به إلى النبي ﷺ فقيل له يا رسول الله أدرك سهلًا فإنَّه صار صريعا. فقال النبي ﷺ: من تتهمون به؟ يعني: من تظنون أنه أصابه بالعين فقالوا له: عامر بن ربيعة رضي الله عنه وغفر له وهو صحابي وهو ما قصد ذلك لكنه قال تلك الكلمة. فقال النبي ﷺ «علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدعُ له بالبركة»

وهذا الحديث واضح جلي في أن العين حق وأن العين قد تؤثر لكن بإذن الله سبحانه وتعالى وأنَّ الإنسان قد ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ غيره دون قصد منه

أما عن حديثنا هذا فقد قال ﷺ فيه من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه

هذا فتحٌ لباب الخير، فالإنسان قد يقصر به العمل، وقد لا يوفق لبعض الأعمال ظاهراً، لكن قد يوفق لنيةٍ يبلغ بتلك النية ما لا يبلغه العمل، ولذلك قال أهل العلم رب عمل صغير عظمته النية ورب عمل كبير حقَّرته النية ﴿إِلَّا﴾ ترون أن أول مَنْ تسعر بهم النار يوم القيامة أناس قد قاموا بأعظم الأعمال الصالحة

أحدهم كان عالمًا قارئًا للقرآن والآخر كان مجاهدًا والثالث كان جوادًا كريمًا منفقا سخيًّا لكن الثلاثة ما عملوا لله وإنَّما عملوا ليقال عن هذا جريء وليقال عن هذا قارئ

وَلِيُقَالَ عَنْ هَذَا كَرِيمٌ أَوْ سَخِيٌّ أَوْ جَوَادٌ فَقِيلَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا إِلَى النَّارِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَ أعمالٌ عظيمة لكنهم لم يبتغوا بها وجه الله

فذهبت هباء منثورًا وآخر قد يعجز عن بعض الأعمال الصالحة لكنه يرغب فيها ويدعو الله أن يوفقه لها فيكرمه الله عز وجل بأجرها وإن لم يكرمه بها. وهذا من فضل الله سبحانه وسعة رحمته. نسأل الله الكريم من واسع فضله

سلطان النية في بلوغ الأجور وعذر البكائين في غزوة

ولعلكم تتذكرون حال أولئك المسلمين الأفاضل حينما أتى بعضهم في غزوة تبوك إلى الرسول ﷺ جاء أولئك المعذورون الذين لا يقدرون على الجهاد أو أولئك ﴿ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾

يريدون الخروج والسفر بعيد والسفر شاق ويريدون أن تكون لهم الرواحل أو أن يكون لهم ما يركبون عليه فأتوا إلى الرسول «صلى الله عليه وسلم»

يريدون الجهاد معه لكن ليس معهم نفقة وليس معهم دواب يركبون عليها يريدون الخروج معه في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله فجاءوا إلى الرسول باكين

يريدون أن يكونوا معه وأن ينالوا شرف الجهاد في سبيل الله. فقال الله عز وجل في شأنهم ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ﴾5 (التوبة: 92) إنها دموع ثمينة

ذهبوا إلى تبوك بالشام وهؤلاء في المدينة لا يستطيعون الذهاب مع رسول الله ﷺ فقال: «إن بالمدينة قومًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديا وفي لفظ» ولا سلكتم شعبا إلا كانوا معكم شاركوكم الأجر وفي لفظ: حبسهم المرض، وفي لفظ: حبسهم العذر

إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. يعني: هم مثلكم مع إنهم ما قاتلوا لما لأنَّ نيتهم صادقة «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ». وكذلك قال ﷺ كما في مسلم من حديث أنس رضي الله عنه «من طلب الشهادة صادقًا أُعطيها ولو لم تصبه» من سأل الله الشهادة أو طلب الشهادة صادقًا أعطاه الله عز وجل ذلك وإن لم تصب؛ وإلا فإننا نقول إن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه

ما معنى بصدق بصدق أي: بإخلاص وجاء ذلك عن النبي ﷺ أيضًا «من سأل الله الشهادة مخلصًا من قلبه أعطاه الله أجر شهيد وإن كان على فراشه» كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. عند الإمام أحمد رحمه الله

مخلصا من قلبك بعض الناس يقول نحن نريد أجر الشهادة ومنزلة الشهادة لأنَّها منزلة عظيمة لكنه غير صادق في نفسه ولا مخلص في عمله؛ وإلا فإننا نقول إن للصدق علامات وإن للإخلاص علامات أين العمل اليسير الذي يمكنك أن تقوم به

أليس من يخون «حي على الصلاة» يسهل عليه أن يخون «حي على الجهاد»؟

الذي يسهل عليه أن يسمع داعي الله حينما ينادي عليه: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلا يجيب مع أنَّه لو أجاب سيجيب وهو صحيح وهو قوي. ولن يكلفه هذا الأمر لا مال ولا يكلفه كثير من الأعمال ﴿أَنَّمَا﴾ يكلفه أن يصدق وأن يستعين بالله سبحانه وتعالى

هذا يريد الآخرة ويريد وجه الله

أم أن الدنيا قد غلبت عليه؟ غالِب نفسك وجاهد نفسك أولًا في أن يكون مالك لله أن تقدم مالك لله وما تتمتع به من المال فيكون لتُعان على طاعة الله سبحانه وتعالى

وكذلك صحتك منَّ الله عز وجل بها عليك فاغتنمها حتى يوفقك الله عز وجل لمرضاته قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾6 (العنكبوت: 69) ما أحوجنا إلى إصلاح النوايا ما نيتك

ما نيتك إن الرجل العاقل بإمكانه أن يحول العادات إلى عبادات،

فيؤجر على أموره العادية. إذا جاء ليأكل إذا جاء ليشرب فاحتسب وقال سآكل وأشرب لأقوى على العمل، ولأعفَّ نفسي وأعفَّ أولادي، ولأقوى على طاعة الله؛ لئلا أُصاب ببعض الأمراض فأقعد عن العمل والجهد والجد وما إلى ذلك

علامات الصدق في النية وفقه تحويل العادات الحياتية إلى

وصار هذا الشراب في ميزان حسناته فتحولت العادات إلى عبادات

لكن العكس موجود عند كثيرين حتى العبادة الصلاة يؤديها على أنها عادةً. لذلك لا يشعر فيها بخشوع ولا يشعر فيها بسكينة ولا يشعر معها بطمأنينة فيخرج منها كما أنه لو لم يدخل فيها إلا من رحم الله سبحانه وتعالى

فأهل اليقظة عاداتهم عبادات وأهل الغفلة عباداتهم عادات. نسأل الله أن يعيننا على طاعته وأن يثبتنا على دينه

إن قول الرسول ﷺ من سأل الله الشهادة بصدق يعلمنا أن يعالج كل واحد منا نيته وأن يراجع كل واحد منا إخلاصه

أنت مخلص في عملك هل تصلي لله وتصوم لله وتزكي لله وتصل الأرحام لله وتفعل الخيرات لله انوِ الخير، لا تزال بخير ما نويت الخير فكن دائمًا ناويًا للخير حتى يكون الخير ديدنك وعادتك وانظروا إلى هذا الأعرابي الصادق الذي ليس لديه كثير علم

لكنَّه لمَّا دخل في الإسلام دخل صادقًا وقصته ثابتة صحيحة أخرجها الإمام النسائي في سننه من حديث شداد بن الهاد رضي الله عنه أن أعرابيًّا أتى النبي «صلى الله عليه وسلم» فأسلم واتبع رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله أهاجر معك

ثم لما كانت غزوة من الغزوات خرج مع النبي ﷺ عليه وآله وسلم فلما كانت غزوة غنم النبي «صلى الله عليه وسلم» غنيمةً وغنم أصحابه فقسم النبي ﷺ وقسم له الرسول يوزع هذه الغنيمة فجعل لهذا الأعرابي نصيبًا منها. وكان يرعى ظهرهم

يرعى ظهرهم لئلا يأتي العدو ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ظهرهم فأعطى النبي ﷺ قسمه لبعض أصحابه فلما آتاهم. قالوا له خذ نصيبك قال ما هذا قالوا له قسم قسمه لك رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما على هذا اتبعتك

ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقة بسهم فأقتل فأدخل الجنة. فقال رسول الله: ﷺ «إن تصدق الله يصدقك»

إن تصدق الله يصدقك فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو فقاتل الرجل فقُتل وأصابه سهم حيث أشار فأتي به النبي ﷺ فلما رأى قال أهو نفسه. قالوا نعم أهو نفسه قالوا نعم قال: صدق الله فصدقه

صدق الله فصدقه. ثم كفنه النبي ﷺ في جبته ﷺ ثم قدمه فصلى عليه. فكان فيما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك صلوات الله وتسليماته عليه صدق الله فصدق

أنت إذا عزمت وكنت صادقًا على فعل الخيرات سيوفقك الله عز وجل لذلك ليس في باب الشهادة فحسب وإنَّما في كل أبواب الخير لذلك ثبت عن النبي «صلى الله عليه وسلم» أيضًا

أن هذا الرجل إذا أتى ونوى أن يقوم من الليل كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه وقال المنذري جيد وهو كذلك نوى أن يقوم من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى. وكان نومه صدقة عليه

ملحمة الأعرابي الصادق إن تصدق الله يصدقك وأجر نية

إنسان نوى أن يستيقظ في الساعة الثالثة أو الرابعة ليصلي ما تيسر من الليل وأعد العدة واستعد ووضع المنبه وأخذ بالأسباب لكن لإرهاق وتعب لم يستطع القيام وغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى أن يقوم به. وكان نومه صدقة من الله عز وجل عليه

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم

وَبَارِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ. أمَّا بعدُ: فيا عباد الله، جاء في حديث الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما يروي عن ربه سبحانه إن الله كتب الحسنات والسيئات. ثم بين ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها

هذا من كرم الله أنَّ الإنسان يهم بالسيئة. ثم يتراجع ويترك السيئة وكما في بعض الروايات ﴿أَنَّمَا﴾ تركها من جرَّائي، تركها من أجل الله سبحانه فعُدَّت هذه بحسنة كاملة عند الله. فإنَّ هو هم بها أي: السيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة

فالعبد العاقل لا يمكن أن تغلب الآحاد العشرات السيئة بواحدة والحسنة بعشرة ومع ذلك بعض الناس تغلب آحاده من السيئات عشراته المضاعفة من الحسنات فنسأل الله أن يعيننا على طاعته

من سأل الله الشهادة بصدق الإخلاص كن مخلصًا في أعمالك والإخلاص ليس دعوى ﴿أَنَّمَا﴾ الإخلاص برهان الإخلاص دليل يظهر على صفحات وجهك ويظهر على لسانك «ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ»

لذلك المخلص يُعلَم بما وضع الله عز وجل له من القبول. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء لأنَّ منازل الشهداء عظيمة إنه يوم القيامة كما جاء عن الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»

«ما من نفس تموت لها عند الله خير تريد أن ترجع إلى الدنيا، وأن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد». يعني: من يلقى ربه فيجد له خيرًا عند الله لا يريد أن يرجع إلى الدنيا لماذا يرجع. وقد رأى منزلته في الآخرة إلا الشهيد فإنَّه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا حتى يقتل مرة أخرى

كما ثبت في الصحيحين وفي رواية حتى يُقتل عشر مرات. «لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ». وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه للشهيد عند الله ست خصال يُغفر له عند أول دفعة. وفي لفظ قطرة من دمه

عند أول دفعة من دمه يغفر له ذنبه قال ﷺ «وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» «وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ» ويوضع على رأسه تاج الوقار

من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه مات على الفراش لكنه صادق في نيته يعيش على طاعة الله يغار على حرمات الله أما هذا الذي ينتهك المحارم والذي يرى الحرام فلا يتغيَّر ولا يتأثر

خصال الشهيد الست وتعدد أبواب الشهادة واستجابة دعاء عمر

هذا عنده خلل عليه أن يراجع نفسه أن يغار على دين الله وأن يحافظ على حدود الله قدر استطاعته. نسأل الله أن يجعلنا من المحافظين على محارمه، يا أيها الإخوة الكرام، العمل الصالح فيه مشقة لكنَّها مشقة محتملة والله ما كلفنا إلا بما نطيق ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾7 (البقرة: 286) ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾8 (التغابن: 16) إياك أن تظن أن ما أمرك الله به لا تقدر على فعله

بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في شأن الشهيد الذي ﴿يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ «ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة» أنت تظن أنه سيعذب وسيحدث له الشهيد لا يشعر عند قتله إلا بما يشعر أحدنا بمس القرصة. ثم يفتح الله له الأبواب وييسر له الأمور

ويرفع درجاته. كذلك الذي يستيقظ من الليل يقوم من الليل وإن كان الجو باردًا الذي يخرج إلى صلاة الفجر وإن كان الطريق مظلمًا فإنَّه سيجد الأمر ميسورًا ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69)

ومن كرم الله وتيسيره أنه لم يجعل الشهادة مقصورة على القتل في سبيل الله لذلك فتح لنا الرسول عليه الصلاة والسلام أبوابًا وطرقاً فالذي يسلك طريقًا في العلم في سبيل الله فهو في سبيل الله حتى يرجع والذي يغدو. كذلك على إعفاف أهله وعلى الأكل الحلال فهو في سبيل الله حتى يرجع

والذي يصاب بمرض البطن فالمبطون شهيد، وكذلك الغريق شهيد. إذن أبوابها كثيرة. وهذا من فضل الله ورحمته لكن أين المحتسب أين الذي يخلص أين الذي يصدق مع الله فهل ستكون ممن سيسأل الله الشهادة هل تذكرت يومًا ذلك إن عمر بن الخطاب

رضي الله عنه وهو الخليفة الراشد أمير المؤمنين كان يدعو ربه كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له يقول اللهم اللهم اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك

كان يدعو بذلك اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك. وقد وقع له ذلك فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي وهو صابر محتسب يصلي بالمسلمين فقتل شهيدًا ودفن في مدينة رسول الله بل إلى جوار الرسول وجوار الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه

فأخلصوا وانووا الخير. إذا نويت الخير وفقك الله عز وجل له اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتنا في الدنيا حسنة

وَفِى ﴿ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ اللهم ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ اللهم ﴿ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا

اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا اللهم أصلح أحوالنا

اللهم أصلح أحوالنا اللهم آمِنَّا في أوطاننا اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام، وسائر بلاد الإسلام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
  5. آية: ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 92 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
  7. آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩
  8. آية: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: التغابن 16 ↩

من سلسلة: خطب متنوعة شرح حديث شريف أو حديث قدسي (14 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة