كيف تصبر عن ارتكاب المعاصي؟
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إنَّ الله جل وعلا خلقنا في هذه الحياة ليبتلينا فيأمر وينهانا ثم بعد ذلك ينعم الإنسان أو يعذب في قبره ثم في آخرته.
إمَّا إلى جنة، وإمَّا إلى نار. نسأل الله أن يجعلنا من السعداء أهل الجنة ونعوذ بالله من حال أهل النار فأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكريم المُكرَم في هذه الحياة مُبتلًى، ولا شك لأنَّ الدنيا دار امتحان، دار اختبار، دار ابتلاء والله قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2). وقال: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2).
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: 7) إذا علمت ذلك فاعلم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أنَّ صنوف الابتلاء ثلاثة. إمَّا أن يأمرك الله بأمر والذي ينتظر منك أن تأتي هذا الأمر وأن تمتثل وربي بكل شيء عليم، ولا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، ابتلاء بالأوامر، والنوع الثاني: أو الصنف الثاني ابتلاء بالنواهي، أن ينهاك الله عن المعاصي ينهاك عن الذنوب ينهاك عن المحرمات والصنف الثالث: الابتلاء بالمصائب يبتليك الله ببعض المحن وببعض المصائب لترضى بقدر الله، لئلا تتسخَّط على قدر الله، لتُسلِّم أمرك لله جل وعلا.
وقد ذكر كثير من أهل العلم، أن الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية أشدّ من الصبر على المحن والمصائب لأن الإنسان إذا لم يصبر على المصائب، فإنَّ المصيبة واقعة لا محالة فليس أمامه إلا أن يصبر عليها الصبر على الطاعة يحتاج إلى مزيد من الجهد والصبر عن المعصية يحتاج كذلك إلى مزيد جهد وعمل والله قال ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾5 (العنكبوت: 69) والناظر في واقع كثير من الناس يجد أنهم لا يصبرون عن المعصية فحال أكثرنا عدم الصبر عن المعصية يعلم أنَّ هذا يغضب الله وأن هذا يسخط الله وأن هذه معصية فينظر نظرة محرمة أو يتعامل معاملة محرمة أو يتكلم بكلام محرم نهانا الله عز وجل عنه كالسخرية والغيبة والنميمة والاستهزاء وغير ذلك يعلم أنَّ هذا كله محرم لكنه لا يصبر عن المعصية إذا صبر وقتًا لم يصبر في بقية الأوقات فيبادر إلى الوقوع في المعصية وهناك قاعدة شريفة عظيمة نبيلة كريمة، وهي أن الدفع أسهل من الرفع وهي القاعدة التي يرددها الناس حين يقولون الوقاية خير من العلاج الوقاية خير من العلاج كونك تقي نفسك من الأدواء خير لك من أن تمرض ثم إذا بك تبحث عن الطبيب، وكذلك الإنسان إذا عصى الله فإنَّه يتجه إلى التوبة يتوب إلى الله ويرجع إلى الله ويسأل الله المغفرة والله تواب رحيم والأفضل لك أن تبتعد ابتداءً ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تقرب المعصية، وقبل أن تقع فيها أن تصبر عنها فإنَّك إذا صبرت عنها لم تقع فيها وإذا لم تقع فيها لم تترتب عليك آثارها فحينئذ تكون من السالمين الموفقين بفضل الله عز وجل الدفع أسهل من الرفع أن تدفع الشرَّ عنك وأن تدفع المحرمات عنك وحينئذ يأتي السؤال كيف نصبر عن المعصية كيف يتقي الإنسان المعصية ما الأسباب التي تعين العبد على الابتعاد عن المعاصي؟ كيف أكرهها كيف أبغضها كيف أتقيها كيف أتجنبها إليك أخي الكريم أمورًا عظيمة جليلة من شأنها أن تُعان بها على ترك المعصية
والصبر عنها. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الطاعة وأن يَقِيَنا شرَّ المعاصي من أعظم تلك الأسباب التي تعينك على الصبر عن المعصية والابتعاد عنها وبغضها وكراهيتها أن تعرف قبحها وأن تعرف خبث المعصية وأن تعرف دناءتها وإنني أسألك لو كان هذا الشيء الذي تتلذذ به والذي تريده من طعام أو شراب أو لباس أو نساء أي: شهوة من الشهوات المحرمة لو كان لها قدر عند الله ما حرَّمها الله عليك.
لكن الله حرَّمها لدناءتها حرمها لأنه بإمكانك أن تستغني عنها لأنك تقدر على أن تعيش بدونها. وقد قال النبي ﷺ في حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما وله شواهد قال ﷺ «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها» الله يكره السفاسف هذه المعاصي النظرة المحرمة المال المحرم كل شهوة محرمة هذا يبغضه الله فاعلم أخي الكريم أن الله حينما نهاك عن هذا الشيء نهاك عنه لأنَّه قبيح، لأنه غير مرضيٍّ عنه فالله كما قال: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ﴾ (الزمر: 7) وأيضا لا يرضى لهم المعصية لا يرضى لهم الابتداع في الدين فلذا حرَّم ذلك سبحانه جل وعلا فأول سبب تعان به على ترك المعصية، أن تعلم أن المعصية مبغوضة إلى الله مكروهة والله جل وعلا يقذف في قلبك الإيمان فتحب الطاعة وتكره المعصية ولذا قال الله ولكن الله ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ﴾6 (الحجرات: 7) ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7).
جعلنا الله من الراشدين بمنه وكرمه. وأما السبب الذي به تبغض المعصية وتصبر عنها وتتحمل تركها أن تعرف عاقبة المعصية أنت عرفت أنها قبيحة والذي يتعين عليك ثانيًا أن تعرف عاقبتها وأن هذه اللذة التي اشتهيتها، وأن هذا الحرام الذي ارتكبته، وراءه عواقب وخيمة ووراءه سوء كبير في الدنيا والآخرة. نسأل الله السلامة والعافية.
وإنني أسألك ما رأيك لو قدم لك طعام من أشهى الأطعمة ترغب فيه وتحبه وتؤمن، أن تطعمه. لكن فيه سمًّا هذا السم مخفيٌّ فيه. طعام شهي طعام لذيذ هل ستقر هل ستتناوله تقول أبدًا أنَّك ستتلذذ به لمدة دقائق أو سويعات. لكن بعدها سيصير حالك إلى مستشفى وربما قتلك هذا السم من منا يرضى لنفسه أن يطعم طعامًا مسمومًا؟ كذلك كل محرم إذا حرم الله عليك شيئًا وإن وجدت فيه لذة، وإن وجدت فيه شهوة فهو في حقيقة
الأمر فيه سم. ولذلك قالوا ضرر الذنوب على القلوب كضرر السموم على الأبدان. اسمع ضرر الذنوب على القلوب كضرر السموم على الأبدان فمن منا يرضى لنفسه، أن يتناول سما من السموم. نسأل الله السلامة والعافية. تفنى اللذاذة تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا … مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الْإِثْمُ وَالْعَارُ تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا … لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ لا خير في لذة من بعدها النار المعاصي ظلمة في القلب ظلمة في
الوجه سواد في القلب المعصية ذلٌّ وهوانٌ وصَغارٌ وضيقٌ في الرزق خراب في الدنيا ثم خراب في الآخرة وإنني أسألك ما الذي أهلك الأمم السابقة أهلكها تكذيبها، أهلكتها ذنوبها ومعاصيها ألم يقل الله جل وعلا: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ﴾ ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40).
وقال: ﴿فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأنعام: 6). وقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 11) هي الذنوب مدمِّرة تدمر المجتمعات تدمر الجماعات تدمر الأفراد تدمر الشعور. أما إذا أطاعوا ربهم فإنَّها السعادة في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يسعدنا في الدنيا والآخرة الذنوب خطرها عظيم رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ … وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا إذا رأيت ذلًّا أو هوانًا فاعلم، أن سببه ذنوب «وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ على مَن خالف أمري» قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم ثالثًا ما الذي يعينك على أن تصبر عن المعصية وتبغض المعصية وتكره المعصية محبتك لله جل وعلا يا عبد الله أسألك هل تحب الله تقول نعم أحب الله ما دليل محبتك ربك يقول لك: افعل، ولا تفعل إذا كنت محبًّا صادقًا فكيف تخالفه أو تتعمد مخالفته أو تصر على مخالفته تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ حب الله حب مع اجلال حب مع تعظيم تحب الله تجله أنت تعرف أنَّ هذه النظرة محرمة لكنك ترغب فيها أنَّ هذه الصفقة محرمة، أنَّ هذه التجارة محرمة، أن هذا الفعل قبيح يكرهه الله كيف تتجرأ عليه؟ وربك لا يحب منك أن تفعله فإذا أحببت الله صدقًا فطع ربك ولا تخالف لا تعصي ربك.
فإنَّ وقعت منك معصية بادرت بالتوبة والأَوْبة إلى الله لكنك ابتداء تحرص على عدم المخالفة ثم رابعًا إذا أردت أن تكره المعصية وأن تسلم منها وأن تصبر على تركها فأين أنت من الخوف من الله جل وعلا الخوف من الله سوط يسوق الله به عباده إلى فعل الصالحات وترك المنكرات. أما تخاف الله؟ أما تخاف الله؟ الذي يخاف الله لا يتجرأ على محارمه. تعرفون قصة ابني آدم ماذا قال أحدهما وهو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قال له ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ (المائدة: 28) لِمَ؟ هل أنا جبان؟ هل أنا ضعيف؟ لا، ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 28)
هذه هي القاعدة: ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 28) كم من معصية تكون سهلة وتكون ميسورة لكنك تتذكر ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنهم «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال» هي التي طلبت هي التي دعت. فقال: «﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾» هذا هو المقياس قال يوسف عليه السلام: ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) ثم خامسًا إذا أردت أن تبغض المعصية وتصبر عنها فعليك أن تستحيي من الله الحياء من الله أنا أسألك هب أن الله غفر لك.
أما تتذكر هذا الذنب الذي اقترفته وتجتنبه؟ والمرسلون لهم قدر عظيم عند الرب العظيم وهم بفضل الله سالمون. ومع ذلك يوم القيامة حينما يأتي الخلق ليستشفعوا أذنبت ذنبًا يقول يقول إبراهيم كذبت كذباتٍ مع أنها كما قرر أكثر أهل العلم ليست كذبات صريحة ﴿أَنَّمَا﴾ هي على سبيل التعريض وهي في الله جل وعلا ويقول موسى قتلت نفسًا لم أُؤمر بقتلها، ولم يكن موسى وقتئذٍ نبيًّا من الأنبياء لم يكن نبيًّا وقت أن قتل قبطيًّا خطأً لم يكن وقتها نبيًّا لكنه مع ذلك يتذكر هذا.
أما تستحيي من الله، أن تكون لك سيئات ولو غفرها الله لك يَا حَسْرَةَ الْعَاصِينَ عِنْدَ مَعَادِهِمْ … هَذَا وَإِنْ قَدِمُوا عَلَى الْجَنَّاتِ أنَّ الله عز وجل أكرمك وسترك استحي من ربك فإذا كنت ممن يستحيي من الله لم تتجرأ على معصية الله جل وعلا تستحيي من الناس، ولا تستحيي من الله تغلق عليك باب دارك وتدخل حجرتك فتتجرأ لا يا عبد الله ثم اعلم أخي الكريم أنه مما يعينك أيضًا على ترك المعصية، أن تبتعد عن فضول الطعام والشراب والشهوات. الإنسان المملوء الذي يأكل كثيرًا ويشرب كثيرًا ويضحك كثيرًا وينام كثيرًا هو أسرع إلى المعصية لذلك علمنا أن نزهد في الدنيا أمرنا بالصوم لما لن نعرف أن الشهوة رخيصة تصوم أحيانًا وتصوم رمضان لزامًا وللزوج جوبا لما لتعرف أنه بإمكانك، أن تستغني عن كثير الدنيا بقليل منها.
ولذلك الإنسان إذا ابتعد عن كثرة الطعام والشراب وتلك الشهوات هانت عليه واستصغرها فتقرب إلى ربه جل وعلا بالطاعات أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، يعينك أيضًا على الصبر عن المعصية وتركها وبغضها أن تتذكر نعم الله عز وجل عليك كم لله عليك من نعمة نعم الله لا تُعدُّ ولا تُحصى ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34). وقال: ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) فخير الله إليك نازل فلا يكن شرك إليه قاعدة خير الله إليك نازل، نعم لا تُعدُّ ولا تُحصى تستعمل نعمة الله فيما يسخط الله أعطاك الله العينين وحرم غيرك من العينين فلا تستعمل العين فيما حرم الله لا تستعمل المال الذي جعلك الله مستخلفًا فيه لا تستعمله في معصية الله أعطاك الله القوة فلا تستعملها في معصية الله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53) إذا وجدت النعم التي تعيش فيها قد ذهبت عنك فراجع نفسك النعم تحفظ بشكر الله لا بمعصية الله.
فإنَّ الله قال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7) إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا … فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمَ المعاصي تزيل النعم نعم والله قال ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾. وقال: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 79) فمن نفسك أي بسبب ذنوبك الله قدرها عليك لكنك السبب فيها فراجع نفسك حتى يحفظ الله عز وجل عليك النعم الموجودة وحتى تُجلب لك النعم غير الموجودة إذا أردت نعمة ليست عندك فاحمد الله، وأطعْ، واترك معصية الله فالله جل وعلا يعطيك ويزيدك وهو الشكور الحليم الرؤوف الغفور سبحانه جل وعلا يعينك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم على ترك المعصية وبغضها أن تزكي نفسك لأنَّ المعصية تأتي من خِسَّة النفس النفس الزاكية النفس المطمئنة تتعالى تتعالى عن سفاسف الأمور والله قال: ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53) والله قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (الشمس: 9).
﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10). وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى: 14). ولذلك دعا الرسول ﷺ: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها» اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها، أنت خيرُ مَن زكَّاها أنت وليُّها ومولاها زكِّ نفسك بالطاعة بامتثال أمر الله، حينئذ لا ترى المعصية، تبغضها وتكرهها لا تلتفت إليها لذة ثانية، لذة غير باقية ثم يعينك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم على ترك المعصية والصبر عنها قصر الأمل أن تعرف أنَّ الدنيا ذاهبة وأنها غير باقية وأنَّك ستنتقل من هذه الدار ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ (العنكبوت: 64)، أي: الدار الباقية السرمدية ﴿لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤) ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر: 3) قصر الأمل، لا يَطُلْ أملك والله قال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ (الحديد: 16) إياك، أن تشتغل بالناس فالناس ذاهبون، ورحم الله الفضيل بن عياض حين قال من عرف الناس استراح قاعدة عظيمة احفظها من عرف الناس استراح الناس لن ينفعوك، ولن يضروك، ولا يملكون لك نفعا، ولا ضرا ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يملك.
الأمر كله هو الله الذي بيده خزائن كل شيء من عرف الناس استراح استراح من الهموم استراح من التعلق بهم كان عمله لله لا لغير الله يسير على الطاعة ويترك معصية الله جل وعلا ثم أخي الكريم مما يعينك أيضًا على الصبر عن المعصية وبغضها ثبات شجرة الإيمان في قلبك، أن تكون مؤمنًا قوي الإيمان. وقد استمعتم إلى الآية ولكن الله ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 7) الله أكبر ما أجمل هذا الإيمان! الذي يزين في قلب الإنسان قال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ (الحجرات: 7) فاسمع يا رعاك الله ذكر الله الكفر والفسوق والعصيان ثلاثة في مقابلة ماذا في مقابلة الإيمان لأنَّ الإيمان يداويك فتسلم به من الكفر وتسلم به من الفسوق وتسلم به من العصيان سلمنا الله جل وعلا من الشرور كلها.
يا أيها الإخوة الكرام، هذه عشرة أسباب وغيرها كثير ذكرها أهل العلم ونص عليها مَنْ استشعرها وفهمها وأتقنها وعمل بها سلم من المعصية، والوقاية خير من العلاج. فإنَّ زلَّت نفسك أو قدمك ووقعت في المعصية فبادر بالتوبة فإننا نقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. تأمَّل! قبل كل سورة باستثناء سورة التوبة براءة نقول بسم الله الرحمن الرحيم فالله من أسمائه الرحمن، ومن أسمائه الرحيم فلنتب إلى الله، ولنعد إلى الله ونثبت على طاعة الله اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحة للأمن والأمان والسلم والسلام يا أرحم الراحمين اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرِّج كرب عبادك المسلمين من أهل غزة اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واحقن دماءهم يا أرحم الراحمين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)