كيف تحسن اخلاقنا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ... ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، كيف تحسن أخلاقنا هذا هو موضوع خطبتنا في هذا اليوم وأسأل الله سبحانه كما حسن خلقنا أن يحسن أخلاقنا وأسأله أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها فإنَّه لا يصرف عنا سيئها إلا هو عز وجل.
يا أيها الإخوة الكرام، من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين فالمعيار الذي يوزن به الناس عند رب الناس أن تحسن أخلاقهم فأحسن الناس خلقا أكملهم إيمانًا أخبرنا بذلك الرسول ﷺ حينما قال «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا». وقال ﷺ: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق» وقال «صلى الله عليه وسلم» «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» ويشهد لهذا المعنى، يا أيها الإخوة الكرام، إنَّ الله جل وعلا فسر البر بالإيمان أن الله عز وجل فسر البر بالإيمان فقال ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ الآية ففسر الله عز وجل البر بالإيمان والبار المؤمن.
وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال البر حسن الخلق فالآية القرآنية تقتضي أن البر هو الإيمان وحديث الرسول ﷺ يقتضي أن البر حسن الخلق فنستفيد من ذلك أن الإيمان حسن الخلق لكن حسن الخلق هنا بالمعنى العام الشامل الذي تحسن فيه أخلاق العباد مع رب العباد وتحسن فيه أخلاق العباد مع العباد أيضًا فيكون العبد حسن الخلق مع الله وحسن الخلق مع خلق الله. وقد أثنى الله جل وعلا على الرسول محمد ﷺ ثناء عاطرا. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ﷺ وقد قال عدد من المفسّرين معنى قوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أي: لعلى دين عظيم فكلما استمسكت بالإسلام وأصوله وثوابته حسنت أخلاقك بفضل الله جل وعلا لذلك الإجابة العامة المجملة لمن سأل.
وقال كيف أحسن خلقي أقول لك: بتمسكك بدينك فعلى قدر تمسكك بدينك يحسن الله أخلاقك فتكون حسن الخلق مع الله ومع خلق الله. نسأل الله أن يرزقنا الهداية والسداد، يا أيها الإخوة الكرام، حسن الخلق لا ينبغي للمسلم، أن يغفل عنه وكيف يغفل عنه والإسلام كله قائم عليه. وقد قال الرسول الأكرم ﷺ «﴿أَنَّمَا﴾ بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق»، وفي لفظ ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأخلاق فالرسول عليه الصلاة والسلام، بين، أن دعوته.
بل بعثته مقصورة على هذا وما من شك، أن المراد بمكارم الأخلاق ما يشمل الدين كله ﴿إِلَّا﴾ ترون أن أركان الإسلام تدعو إلى الأخلاق فلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ أصل الدين. وعليه أساسه وهو الدعوة إلى كل خلق حميد. وأما عن الصلاة فالله قال ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ فمن صلى لله بخشوع وخضوع حسنت أخلاقه بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وأما عن الزكاة.
فإنَّ الله قال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. فهذا معناه:، أن تلك الزكاة التي يخرجها الإنسان تطهر نفسه وتزكيها. وهذا هو حسن الخلق. وأما عن الصيام فالصيام صبر، والصبر من أعظم أركان حسن الخلق كما سنبيِّن بإذن الله. وقد جاء في حديث ﷺ المتفق على صحته «وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ» فلا يرفث، ولا يصخب.
«فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ» أو قاتله فليقل: «إني امرؤ صائم»، وفي لفظ أني صائم أني صائم مرتين فإنَّه حينما يقول أنا صائم ويعلن ذلك بلسانه على القول المحرر عند المحققين لا سيما في صيام الفرض، وكذلك ينعقد على ذلك قلبه معلنا ذلك بلسانه أني صائم أي: أنا أستطيع أن أرد عليك سبَّك وأستطيع أن أرد عليك مقاتلتك وشتمك.
لكن الذي يمنعني. لكن الذي يحول بيني وبينك إنني صائم لله ومن كان صائمًا لله فليتحلَّ بالصبر الذي جعله الله عز وجل سببًا لكل الخيرات والبركات ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. وأما عن الحج. فإنَّ الله عز وجل قال ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟﴾.
﴿فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ فعلمنا الله جل وعلا أن الحاج ينبغي له ألَّا يقع في ﴿رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ لأنه قد تلبَّس بتلك الشعيرة العظيمة، شعيرة الحج رزقنا الله إيَّاها بمنه وكرمه، يا أيها الإخوة الكرام إن الانفصام النكد إن الانفصام النكد الذي نجده عند كثير من الناس حينما نرى بعض الناس فيما يبدو للناس تحسن أخلاقهم في المعاملات فيعامل الناس معاملة جيدة «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» لا يسيئون إليهم.
بل يحسنون إليهم لكنهم مفرطون في جنب الله جل وعلا مضيِّعون للصلاة أو لبعض الفرائض التي أوجبها الله جل وعلا هذا انفصام خاطئ في حقيقة الأمر والذي يظهر للناس أنه ذو خلق حسن بيد أنه مفرط في حق الله عليه أن يراجع أمره وشأنه فما يدريه أو فما يدري لعل هناك خللًا في نيته ونسأل الله، أن يرزقنا الإخلاص والسداد، وعلى الجانب الآخر حينما نرى بعض الناس يحرصون على الصلوات في جماعة ويحرصون على الصيام والصدقات لكنهم يظلمون لكنهم يسيئون لكنهم يتسمون ببذاءة هذا يدل على خلل في أخلاقهم، وأنهم حينما تعبَّدوا لله بالصلاة والصوم والصدقة.
فإنَّ تلك العبادات لم تثمر الثمرة المرجوة فحقيق بهم أن يراجعوا أمرهم من جديد هل هم في حقيقة الأمر حققوا ما أراد الله منهم حينما أمرهم بالصلاة وأمرهم بالصدقة وأمرهم بالصوم وأمرهم بغير ذلك من العبادات الشرعية، إن المؤمن الحقيقي هو الذي يجتمع فيه الأمران نحن بشر، وكل ابن آدم خطَّاء والناس يتفاوتون.
لكن المؤمن هو المؤمن يحافظ على دينه يتقي الله ربه ويحسن في معاملته للناس وخيركم خيركم لأهله علمنا ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، فتراه في باب الطاعات متقدمًا وتراه في معاملاته مع الناس متقدمًا يحسن في طاعته لربه ويحسن في معاملته للناس وبهذا يجتمع له الأمران تقوى الله وحسن الخلق نعم ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من تقوى الله وحسن الخلق.
جعلنا الله من الأتقياء، ومن ذوي الأخلاق الحسنة، يا أيها الإخوة الكرام أن نبيكم محمدًا ﷺ كان أحسن الناس خلقا، وكان أخشى الناس لله رب الناس، وكان اتقى الناس، وكان ﷺ أرحم الناس بالناس وها هو أنس بن مالك رضي الله عنه يقول كما في الصحيح. بل في الصحيحين خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي قط أُفٍّ ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟، ولا لشيء لم أفعله: ألَا فعلت كذا؟ الرسول ﷺ يصوِّر لنا خادمُه أنس بن مالك رضي الله عنه أنه عاشره وعاش معه.
بل خدمه لمدة عشر سنين، ومن المعلوم، أنَّ الإنسان يتنازل كثيرًا مع أقرب الناس إليه لا سيما إذا كان خادمه فلربما فعل معه ما لم يفعله مع غيره فإذا كان الرسول لم يقل لخادمه لمدة عشر سنوات خدمه أنس بن مالك فيها لم يقل له أُفٍّ قط فماذا يكون الرسول في أخلاقه وكيف كان يتعامل مع عموم الناس مع عموم الناس ومع الأجانب والأقارب صلوات الله وتسليماته عليه أنه «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» صلوات الله وتسليماته عليه لذا أقبل الناس على دينه وأقبل الناس على دعوته وتحوَّل كثير من الناس من بغضهم لرسول الله حين سمعوا عنه خلاف الحق إلى أن صار الرسول أحب الناس إليهم لما رأوا من خلق حسن ولما رأوا من تعاليم عظيمة علَّمه إيَّاها ربه لأنه دين الإسلام وكفى.
يا أيها الإخوة الكرام، هناك قاعدة متينة هناك قاعدة متينة ينبغي للمسلم، أن يتعلَّمها ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يحسن خلقه مع الله وإذا أراد أن يحسن خلقه مع خلق الله قررها عدد من المحققين حين قالوا كن مع الحق بلا خلق وكن مع الخلق بلا نفس نعم كن مع الحق بلا خلق وكن مع الخلق بلا نفس ما معنى تلكم العبارة، يا أيها الإخوة الكرام، كن مع الحق وهو الله جل وعلا بلا خلق أي: إذًا عاملت ربك وتقربت إلى ربك بالطاعة فلا تدخل نفسك واسطة بينك وبين ربك لأنَّ نفسك قد تحملك على الرياء.
وقد تحملك على العجب. وقد تحملك على التكاسل وترك الطاعة فإذا تقربت لربك فانزع نفسك من هذه المعاملة واجعل قصدك وجه الله عز وجل لذلك قال الله للرسول ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ أي: إذا صبرت فاصبر لله وحده. وقال ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فبعض الناس قد يصبرون بيد أن صبرهم ليس لله رب العالمين فكن مع الحق بلا خلق إذا وقفت لتصلي فتذكر أنك تصلي لله وانك تقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فلا تلتفت إلى حظ نفسك، ولا تنتظر شهواتك وأمنياتك وإنَّما ليكن تقربك لله ولله وحده فكن مع الحق بلا خلق إذا تصدقت، إذا أحسنت فأحسن حتى ولمن أساء إليك.
فإنَّ الله قال ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ والسيئه، ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ فكيف تأمرني أن أحسن إلى مَن أساء إليَّ؟ إنسان أساء إليَّ وأنا أحسن إليه إنسان سبَّني وأنا أتصدق عليه مَن يتقبل ذلك؟ يتقبل ذلك من تقرب إلى الله ونسي حظ نفسه تذكر أنه متقرب إلى ربه ومولاه وأن الله سيعطيه الأفضل والأحظ والأنفع والأكمل في الدنيا والآخرة ثم كن مع الخلق بلا نفس إذا عاملت الخلق فلا تلتفت أيضًا إلى نفسك وإنَّما عامل الخلق ابتغاء مرضات الله جل وعلا لذا قال الله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾.
وهذه الآية الكريمة آية عظيمة في مكارم الأخلاق لذا قال بعضهم ليس في القرآن الكريم آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية المباركة وذلكم، أن الواحد منا لا يخلو من أن يكون راعيًا على غيره اويا عليه فأنت في بيتك راع على بيتك الأم راعية على أولادها والأب راع على أولاده والمدرس راع على تلاميذه وكل رئيس في عمله راع على من كان تحته فكيف يتعامل معهم يقول الله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ الواجب عليك أن تأمر بالعرف الواجب عليك إذا كنت مسؤولًا أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر وأن تدل على الخير وأن تنصح فيه وله.
فهذا معنى قوله: ﴿وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾ اؤمر بالخير اؤمر بالمعروف والهدى والتقى ثم أن الناس معك على أحد حالين. إما أن يستجيبوا لك، وإما أن يتطاولوا عليك ويسيئوا إليك. وإما أن يتطاولوا عليك وأن يسيئوا إليك فماذا أنت صانع مع من اطاعك وماذا أنت صانع مع من عصاك قال الله خذ العفو أي: لا تنتظر من الناس كمالًا وإنَّما خذ ما فضل منهم وما تيسر من اخلاقهم فلا تنتظر أن يأتيك الناس بكل ما تريد، فخذ العفو، خذ ما تيسر من أخلاقهم وما سهل، وغض الطرف عن بعض أخطائهم. وأما عن الجاهل الذي جهل عليك وأساء إليك وقصر في حقك.
فقال الله واعرض عن الجاهلين. وقد فطن لذلك عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه حينما دخل عليه عيينة بن حصن بعدما استأذن الحُرُّ بن قيس له فدخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال له عيينة هيه يا ابن الخطاب والله ما تحكم فينا بالعدل، ولا تعطينا الجزل يتطاول على الفاروق عمر وهو الذي إذا سلك فجًّا سلك الشيطان فجًّا غير فجِّه ظلم عمر واعتدى على عمر وهو الخليفة الراشد الأمير المؤيد رضي الله عنه فهم عمر أن يوقع به لأنه ظلم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.
فقال له الحُرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين، أن الله يقول ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾. وهذا من الجاهلين قال فما تجاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها، وكان وقافا لكتاب الله أو وقافا عند كتاب الله عز وجل ما أجملك وما أحسنك حينما تكون وقَّافًا عند كتاب الله عز وجل تريد أن تثأر لنفسك تريد أن تفعل كذا وكذا ثم تتراجع حينما تسمع آية قرآنية تتلوها أو تسمعها من آيات الذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، أعود إلى السؤال من أجل الجواب اعود إلى السؤال من أجل الجواب كيف تحسن أخلاقنا أولًا بمعرفتنا لاخلاق نبينا ﷺ ونحن مأمورون باقتفاء أثر واتِّباع هديه والله قال ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾5 (الأحزاب: 21). كيف تحسن أخلاقنا بتمسكنا بديننا لأنَّ ديننا خلق كله بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ كيف تحسن أخلاقنا بقرأت لكتاب ربنا وتدبر له أن النبي ﷺ حينما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُق، عن خُلُق نبي الله ﷺ
فقالت لمن سألها: «ألست تقرأ القرآن؟». «فإن خُلُق نبي الله ﷺ كان القرآن» فإذا أردت أن تحسن اخلاقك ما عليك إلا أن تقرأ القرآن وتدبره ثم تعمل بما فيه فحينئذ تكون من أحسن الناس خلقا بفضل الله كيف تحسن أخلاقنا حينما نعرف الثواب الذي ينتظره من كان ذا خلق حسن ربما لا تدري أنك حينما تحسن إلى مَن أساء إليك أو تتحمل الأذى أو تصبر عليه أو تحسن إلى غيرك أو تتبسم في وجه الناس ما تدري أن لك حسنات وأجرًا وثوابًا ربما لا لا يعدله عمل من عملك الصالح والرسول قال كما سمعتم، «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» إنسان يصوم، إنسان يقوم جمع بين الصوم والقيام مَنْ الذي يبلغ درجته الذي حسنت أخلاقه بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ كيف نُحسِّن أخلاقنا بالدعاء بأن ندعو الله، أن يحسن أخلاقنا وأن يحسن أخلاق أولادنا.
انظروا إلى أولاد المسلمين اليوم. انظروا إلى أخلاقهم ماذا يقولون وماذا يفعلون حينما يعجز الآباء عن تربية الأولاد والأبناء فما أحوجهم إلى أن يتعلموا كيف نحسن أخلاقنا وكيف نحسن أخلاق أولادنا بالدعاء كان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت فادع بذلك كان من دعائه الذي علَّمه لبعض أصحابه «اللهم كما حسَّنتَ خَلْقي فحسِّن خُلُقي» فادع ربك سبحانه وتعالى، بذلك.
يا أيها الإخوة الكرام، يعينك على حسن الخلق بمراعاة هذه القاعدة كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس وأخيرًا يعينك على حسن الخلق أن تعلم، أن حسن الخلق يقوم على أركان هذه الأركان كفيلة بأن يتفرع عنها كل خلق حسن هناك أركان أصول عظيمة هذه الأصول إذا حصَّلتها كانت بفضل الله مدعاة لكل خلق حميد.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وهذه الأركان أركان عظيمة أولها الصبر ثم العفة ثم الشجاعة ثم العدل، ولا مانع من تقديم بعضها على بعض فإنها تجتمع، ولا تفترق هذه أركان أربعة ينبغي للمسلم، أن يتحلى بها أن يكون صابرًا، أن يكون عفيفًا، أن يكون شجاعًا، أن يكون عدلًا فمن حقق الأربعة حسنت أخلاقه في كل الأحوال بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أن يكون صابرا ﴿إِلَّا﴾ ترى أنك إذا صبرت احتملت الأذى وإذا صبرت كففت الأذى وإذا صبرت فعلت الخير وإذا صبرت كففت عن الشر.
ولذلك قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾. وقال ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ ثم بعد ذلك العفة، أن تكون عفيفًا فإذا كنت عفيفًا لم تأكل حرامًا إذا كنت عفيفًا لم تعتدِ على المحارم إذا كنت عفيفًا كففت عن أذى الناس وعن غيبة ونميمة كذلك الشجاعة، أن تكون شجاعًا فإذا كنت شجاعًا بذلت الخير وتصدَّقت وأكرمت وأنفقت.
فإنَّ الله يخلف عليك ثم العدل أن تكون عدلًا تتوسط في أمورك كلها لأنَّ بعض الناس إذا غضب تهور وبعض الناس وبعض الناس يكون جبانا. وأما المسلم فإنَّه عدل في كل أموره في أقواله، وفي أفعاله، وفي كسبه، وفي إنفاقه ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ الصبر والشجاعة والعفة والعدل إذًا حققتها كنت على خلق قويم اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيء الأخلاق والأقوال والأعمال لا يصرف عنا سيئها إلا أنت اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرج كرب المسلمين من أهل غزة اللهم ارفع عنهم البلاء وارحم ضعفهم واحقن دماءهم وتولَّ أمرهم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)