شهر القرآن والإحسان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مقدمة الخطبة واقتران القرآن بالجود والإحسان في رمضان
- نزول القرآن في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وهدايته المنجية من الظلمات
- مدارسة جبريل للقرآن ليلاً وجود النبي كالريح المرسلة
- الصدقة بين يدي تلاوة القرآن وشفعاء القيامة وغرف الجنة
- الإنفاق من الإقتار وحكمة إيجاب زكاة الفطر لتعويد السخاء
- اغتنام العشر الأواخر وأداء زكاة الفطر طُهرة للصائم
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة واقتران القرآن بالجود والإحسان في رمضان
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، شهر رمضان شهر القرآن والإحسان، نعم فنسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يكفِّر عنا سيئاتنا وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال شهر رمضان شهر القرآن والإحسان.
وقد قال الزهري رحمه الله تعالى «إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام» ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم ضرب في ذلك أروع الأمثلة كما جاء في الصحيحين عند الشيخين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وفي لفظ بالخير، «وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ»، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وفي لفظ كان أجود الناس، «وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» صلى الله عليه وآله وسلم فرسولنا الكريم ﷺ هو أجود الناس بصفة عامة ثم إنَّ جوده يزداد في شهر رمضان لأنَّ رمضان شهر البركات والخير.
نزول القرآن في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وهدايته المنجية من الظلمات
نسأل الله سبحانه وتعالى، من فضله شهر رمضان شهر القرآن، ولم لا. وقد أنزل الله فيه القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ5 وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185). وقال سبحانه: بِّسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾6 (القدر: 5) وليلة القدر في شهر رمضان عليه جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا.
وقال سبحانه ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾7 (الدخان: 3) فأوحاه على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان أول ما نزل من القرآن في شهر رمضان فصدر سورة العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ هذه الآيات الخمس الأولى من صدر سورة العلق أنزلها الله على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان ووجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما فيه أنَّه قد نُسخت نسخة وفُصِّلت نسخة من اللوح المحفوظ فوضعت في بيت العزة من السماء الدنيا.
وذلك في شهر رمضان فلله الحمد والمنة على نزول هذا القرآن العظيم. وقد قال الله: أوليس إنزال القرآن كافيًا في هدايتهم؟ أوليس إنزال القرآن الكريم؟ إن الله عز وجل أنزل هذا القرآن للهداية في الدنيا والآخرة قال الله، ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾8 (الإسراء: 9-10).
وقال سبحانه ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾9 (إبراهيم: 1) فما أجمل أن يكون رمضان ممتلئًا بقراءتنا للقرآن وفهمنا للقرآن وتدبرنا للقرآن وعملنا بالقرآن؛ وإلا فما أنزل الكريم كتابه إلا لينير لنا الطريق، ولنصل به إلى مرضات الله سبحانه. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يرضى عنهم ويرضيهم شهر رمضان هذا الشهر أنزل الله عز وجل فيه القرآن وها هو الشهر قد انتصف في النصف من شهر رمضان يا ترى كم قرأت من القرآن كم ختمة ختمت وكم آية قرأت وكم سورة تدبرت وكم آية عملت بها ما أحوجنا إلى أن يراجع كل واحد منا نفسه أمام هذا القرآن العظيم الذي ينبغي أن يؤمن به وأن يستمع إليه وأن يُقرأ ويتلى وأن يتدبر ويتفهم وأن يعمل به وأن يستشفى به وأن يتحاكم إليه.
مدارسة جبريل للقرآن ليلاً وجود النبي كالريح المرسلة
فإنَّ الأمة إذا فعلت ذلك عصمها الله وحفظها ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ كان النبي ﷺ أجود الناس، «وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ»، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان كان جبريل ينزل على النبي ﷺ في كل رمضان فيعارضه الرسول ﷺ بالقرآن، أي: يقرأ عليه القرآن، يقرؤه ﷺ على جبريل عليه السلام وذهب بعض شراح الحديث إلى أن جبريل نفسه كان يقرأ أيضًا على رسول الله ﷺ فيتشاركان في القراءة ويتناوبان على القراءة فبين للناس أن القرآن ينبغي أن يتلقى وأن يتعلم وأن يستمع إليه فما أحوجنا إلى ذلك وكان النبي ﷺ «حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» عليه السلام في غاية السعادة وما من شك، أن صحبة الصالحين لها أثر عظيم في استقامة العبد، وفي فعل الخير والإقبال على الخيرات وهكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان الرسول يجود ويجود عليه السلام فإذا انصرف جبريل ازداد العطاء منه ﷺ أيضًا تأثرًا بلقيا جبريل عليه السلام وانظر إلينا، ما أن تعتاد المساجد وحينما تقابل تلك الوجوه المباركة المنيرة التي لم تشغلها تجارة ولم يشغلها بيع ولا شراء عن طاعة رب الأرض والسماوات.
فإنَّ ذلك يكون عونًا لك على فعل الخيرات فمن الناس ناس مفاتيح للخير مغاليق للشر. نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه لقاء الرسول الكريم لجبريل عليه السلام كان سببًا في زيادة العطاء الذي يعطيه الرسول ﷺ مع أنَّه أكرم الناس حتى وصفه ابن عباس بأنه كان أجود من الريح المرسلة، ومعنى الريح المرسلة أنَّها ريح عامة، عطاء عام يصل إلى كل أحد ولا ينقطع عن أحد وهكذا كان ﷺ تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتى لو أنَّه ....ثناها لقبضٍ لم تُجِبهُ أنامِلُهْ ترَاهُ إذا ما جِئتَهُ مُتَهَلِّلاً.....كأنَّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ آمِلُهْ هو البحرُ من أيِّ النَّواحي أتيتَهُ.....فلُجَّتُهُ المَعروفُ والجودُ ساحِلُهْ ولو لم يكُنْ في كفِّهِ غيرُ روحِهِ.....لجادَ بها، فليتَّقِ اللهَ سائِلُهْ ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتقي الله سائله صلوات الله وتسليماته عليه، وكان ﷺ يعرض على جبريل القرآن مرتين في رمضان الأخير من حياته.
وهذا يدل على أن الله، ومن أعظم الطاعات قراءة القرآن واسمع يا رعاك الله كيف أن جبريل عليه السلام حينما كان يأتي الرسول الكريم ﷺ كان يأتيه في الليل، وكان يلقاه كل ليلة قال كثير من الشراح لأنَّ ليل رمضان أفضل من نهاره مع أنَّ نهار رمضان هو وقت الصوم. ومع ذلك قالوا أن ليل رمضان أفضل الحق أن الليل فاضل وأن النهار فاضل.
لكن الليل فُضِّل بأشياء، منها: أنَّ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فيه، على أنَّ على ﴿أَنَّمَا﴾ يجري من واقع كثير من الناس حين يفرطون في ليل رمضان يبين أنَّهم على خطر عظيم وأَّنهم يُفرِّطون في كثير من الحسنات فكثير من الناس لا يعرفون من رمضان إلا النهار فإذا أتى الليل كان لهم شأن آخر وربما لم يتلو آيات من الذكر الحكيم مع أنَّ ليل رمضان مليء بالخيرات ولله عتقاء من النار في كل ليلة أسأل الله أن يجعلنا من المقبولين.
الصدقة بين يدي تلاوة القرآن وشفعاء القيامة وغرف الجنة
يا أيها الإخوة الكرام، قد ذكر عدد من الأئمة لما كان يصنعه الرسول ﷺ في شهر رمضان من تلاوة القرآن والجود والإحسان ذكروا لذلك فوائد جليلة وحكمًا عظيمة واني ذاكر لك بعضها أنَّ الله جل وعلا أمرنا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نناجي الرسول وأن نحدِّث الرسول عليه الصلاة والسلام، كان من المشروع ابتداءً.
بل من الواجب بعد ذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ10 فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: 12) ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أحدهم، أن يحدث الرسول وأن يكلم الرسول ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يكلمه يتصدق بصدقة بين يدي نجواه لرسول الله ﷺ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتحدث مع الرسول يتصدق بصدقة تقديرًا واحترامًا وإجلالًا لرسول الله ﷺ وصار الحكم منسوخًا أو انتقل من الوجوب إلى الندب والاستحباب على قول فريق من أهل العلم قال بعض العلماء، وكذلك نحن ونحن نقرأ القرآن في شهر رمضان نقدم بين يدي نجوانا لله صدقة فأنت حين تتصدق وحين تحسن تقول: يا ربي إنني أريد مناجاة لك وإحسانًا لخلق الله كذلك من حكم ذلك، أن الجزاء من جنس العمل فأنت حين تجود بالخير وحين تحسن إلى الناس، وكأنك تقول: يا رب شهر رمضان شهر العطاء وشهر الجود وشهر العتق من النيران وشهر دخول الجنان يا ربي أحسنت بما عندي فأحسن إلي بما عندك فالجزاء من جنس العمل فأنت تحسن ليحسن الله إليك والله عز وجل يُحسن إليك وهو أكرم الأكرمين سبحانه، ومن المعلوم، أن الجزاء من جنس العمل كذلك طيب الكلام وأعظمه قراءة القرآن سبب من أسباب دخول الجنان قال الرسول عليه الصلاة والسلام، «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا» ويُرى بطون هذه الغرف في الجنة، قال ﷺ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ» ومن المعلوم أنَّ الصائم لا يلغو ولا يرفث ولا يجهل ولا يصخب قال لمن أطاب الكلام وفي رواية لمن ألان الكلام وفي لفظ: «وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» وما من شك أن هذا يتحقق في شهر رمضان حين يصوم بالنهار وحين يقوم من الليل ما يسر الله له وحين يطعم وحين يتصدق وحين يقول الكلام الطيب وحين يتلو القرآن الكريم وجاء عن نبيكم ﷺ قال ﷺ «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يقول الصيام: «أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ» قالوا: أنَّ يشفع فيك كذلك، يا أيها الإخوة الكرام أنَّ الإنسان حين يجود ولو لم يكن معه سعة، فهو يمتنع عن الطعام ويمنع نفسه عن الشراب ثم إذا هو يسخو وإذا به يكرم وإذا به يجود بما يمنع نفسه منه وهذا لا شك أفضل وأكرم كذلك.
فإنَّ الجمع بين هذه الأشياء سبب في تكفير الخطيئات، وفي زوال ومحو السيئات وهكذا علَّمنا الرسول الكريم ﷺ. فإنَّ الرسول قال في الصوم «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» قال عدد من العلماء: جُنَّة، أي: وقاية من النار فأنت حين تصوم يبعد الله وجهك عن النار كما جاء في الحديث «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، وكذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
انظروا إلى تلك النار كيف يطفئها الماء كذلك الصدقة فإنَّها تطفئ الخطيئة بفضل الله جل وعلا قال وصلاة الرجل من جوف الليل أي: وقيام الليل أيضًا والصلاة بالليل سبب في تكفير الخطيئات وعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وتعرفون حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي أخرجه مسلم حين قال الرسول لأصحابه يومًا «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟».
الإنفاق من الإقتار وحكمة إيجاب زكاة الفطر لتعويد السخاء
فقال أبو بكر: أنا، قال: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» فقال أبو بكر: أنا، قال: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» شهر رمضان موسم تصوم تصلي تقوم تقرأ القرآن تقدم الخير ولو بدريهمات قليلة ولو بجنيهات يسيرة حتى وإن كنت مُعسِرًا.
فإنَّ عمارًا رضي الله عنه قال: ثلاث من جمعهن جمع الإيمان. ومنها الإنفاق من الإقتار أن تكون مُقتِرًا وأن تكون مُعسِرًا في شظف من العيش، وفي قلة من المال. ومع ذلك تسخو ولو بالقليل ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ زكاة الفطر تجب على الغني وتجب على الفقير تجب على الحر والعبد، إن الزكاة في الأصل لا تجب إلا على الغني والرسول قال «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى».
لكن زكاة الفطر حين تجب فهي واجبة على كل من لديه ما يزيد عن قوته وقوت من تلزمه نفقتهم فإذا كان في بيته ما يطعم به ويطعم عياله في هذا اليوم في آخر رمضان، وقبل العيد وجبت عليه زكاة الفطر مع أنَّه فقير، وكان ديننا يعلمنا أن نتعلم السخاء والجود والكرم حتى وإن لم يكن معنا إلا القليل فكيف بمن فتح الله له الأبواب كيف بمن رزقه الله الأموال هي
هذا المال حجة عليه يوم القيامة وأن يكون سببًا في أن يرد الموارد والرسول عليه الصلاة والسلام، قد قال «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اغتنام العشر الأواخر وأداء زكاة الفطر طُهرة للصائم
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، إننا إذ نقرر أن شهر رمضان هو شهر القرآن وشهر الجود والإحسان فلا نعني بذلك أبدًا أن يترك الإنسان القرآن بعد رمضان وإنَّما يتربى المسلم في رمضان وتتهذب أخلاقه ويُقوَّم بهذه العبادات العظيمة الجليلة حتى تستقر في قلبه لأنَّ الإنسان إذا ذاق حلاوة الإيمان وعرف طعم الطاعة أحب وإذا أحبها لم يتركها وإنَّما ثبت عليها.
نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا ثم أنك إذا فعلت ذلك فافعله على سبيل اليقين وأنت تعلم، أن الخلف عند الله أعظم وأن العوض عند الله أكبر ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾11 (سبإ: 39) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إذا كان قد فاتك من الشهر ما فاتك فلا يفوتنك ما بقي فإنما بقي من رمضان أعظم مما مضى.
فإنَّ مما بقي العشر الأواخر من شهر رمضان وليس بيننا وبينها إلا أيام قليلة فما أحوجك إلى أن تعلي همتك وأن تقوي عزيمتك وأن تقبل على الله ربك وأن تسأل الله الهداية والثبات وأن تطرق الباب، فمَنْ طرق الباب يوشك أن يُفتح له والله هو الفتاح العليم الكريم الرحيم اللطيف العظيم العليم فنسأل الله، ألَّا يحرمنا فضله أقبل على القرآن فاتله وأقبل على الصدقات فتقدم بها ثم لا تفرِّط بعد ذلك في آخر رمضان في الزكاة التي أوجبها الله عز وجل عليك وهي زكاة الفطر إذ هي كما بين الرسول عليه الصلاة والسلام، طُهرة للصائم.
ولذلك من رحمة الله، أنَّه جعل مع باب الصوم أبوابًا أخرى لأنَّ الإنسان لا يسلم من التقصير فمن باب جبر النقص أيضًا طُعمة للمساكين. نسأل الله أن يكفينا بحلاله عن حرامه وأن يغنينا بفضله عمَّن سواه اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ اللهم ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم ارزقنا من اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا اللهم يسر لنا أمورنا اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والمحن والفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سبحانك اللهم وبحمدك «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
- آية: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 5 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 3 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 9-10 ↩
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: سبإ 39 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)