شتَّان بين لذة الإيمان ولذة العصيان والإدمان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مقدمة الخطبة والموازنة بين لذة الطاعة الزاكية ولذة المعصية
- شؤم المعصية وأحاديث ذوق طعم الإيمان وحلاوته
- مكابدة الطاعة وكرامة حذيفة بن اليمان ليلة الخندق
- مجاهدة ابن رواد وقصيدة عمارة دار الآخرة الباقية
- حرمة إذهاب العقل بالمخدرات ويقين عروة بن الزبير عند
- لذة العلم عند الشافعي واستشعار حقيقة العبودية والرجوع لله
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة والموازنة بين لذة الطاعة الزاكية ولذة المعصية
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، من رحمة الله، جل وعلا ولطفه بعبادة وإحسانه إلى المؤمنين أنه لا يحرمهم السعادة في الدنيا قبل الآخرة فأهل الإيمان في الدنيا في نعيم ثم إذا قدموا على الله جل وعلا في الآخرة كان النعيم المقيم والثواب الدائم السرمدي بفضل الله جل وعلا لو أنَّ المؤمن حرم من اللذة في الدنيا من أجل أن يتلذذ في الآخرة ما كان مظلومًا.
لكن الله جل وعلا لم يحرمه من لذة الدنيا ونعيمها وفضلها وسعادتها لكنَّها سعادة من نوع آخر تختلف عن لذة أهل المعصية فشتَّان، شتَّان بين لذة الطاعة ولذة المعصية شتان شتان بين طعم الإيمان وشؤم العصيان، إنَّ أهل المعصية يتلذذون، ومن أجل لذاتهم ينفقون ويتعبون ويكدحون ويشربون ويطعمون لكنها لذات غير دائمة ولا باقية لكنَّها لذات تعقبها حسرات. وأمَّا المؤمنون وإن تعبوا.
فإنَّ التعب يلحقه النعيم واللذة في الدنيا قبل الآخرة بفضل الله جل وعلا وانظر إلى حالك لا أقول إلى حال غيرك. انظر إلى حالك حينما تكون في وقت الطاعة، وفي وقت تقترب فيه من الله بإقبال على الله فيزداد إيمانك كما يجري من الناس كثيرًا في الأيام الفاضلة، وفي شهر كشهر رمضان المبارك ترى قوة وثباتًا وترى همة ونشاطًا وترى لذة وأُنسًا وانظر إلى حالك حينما تكون في المعصية حينما تكون في ظلمة المعصية والبعد عن طاعة الله جل وعلا كم تجد من آلام وكم تجد من حسرات.
شؤم المعصية وأحاديث ذوق طعم الإيمان وحلاوته
وهذه حسرات الدنيا وهي أهون بكثير من حسرة الآخرة. وقد قال الله ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾5 (مريم: 39)، إنَّ العبد العاقل هو الذي يضع الأمر في نصابه الصحيح لذلك كان الإمام أحمد رحمه الله، كثيرًا ما يتمثل بقول القائل تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا … لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ لا خير في لذة من بعدها النار إنَّ الشباب الضائع، إنَّ الشباب المغيَّب ما الذي غيبه وما الذي ضيعه إنَّها اللذة العابرة التي أغراه بها شاب جهول مثله فضَلَّ وأضلَّ وفسد وأفسد وغوى وأغوى ونسأل الله السلامة والعافية.
وأما الشاب العاقل اللبيب الذي صلى فأحسن صلاته وذكر الله فاطمأن قلبه وتلا القرآن فتدبَّر وحسُن عمله فإنَّه يستمر على الطاعة ثابتًا عليها يسعد في الدنيا ثم في الآخرة. جعلنا الله من السعداء بمنه وكرمه حقيق بك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ اللبيب أن تدرك هذا وأن تتأمَّله، إن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه قال كما في صحيح مسلم من حديث العباس رضي الله عنه «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» فالإيمان له حلاوة يذوقها أهل الإيمان يتذوقون ويطعمون ويحسون بها.
وقال ﷺ في حديث أنس رضي الله عنه المتفق عليه «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» هذا الذي قدَّم الله، آثر الله مولاه على هواه، آثر الله عز وجل على غيره وجد بذلك حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما إذا أحبَّ وإذا أبغض فلله جل وعلا يكره، أن يعود إلى الكفر، يعني: يكره، أن يصير كافرًا فالإيمان عنده أغلى من كل شيء يريد أن يبقى على الإيمان ويخاف أن يسلب الإيمان من قلبه. نسأل الله أن يثبتنا على دينه وثبت عند أبي داود أيضًا أنَّ النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ» ما هي قال ﷺ «مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ». ثم قال: «وَزَكَّى نَفْسَهُ» أن يزكي الإنسان نفسه وان يطهرها من أدناس الشرك والكبائر والمعاصي وما يبعده عن الله جل وعلا وتأمَّل! قوله وأدَّى زكاة ماله طيبةً بها نفسه تسخو نفسه بالزكاة ونفسه طيبة لأنه يتقرب بها إلى الله جل وعلا فطيب خاطرًا بنفسك وبعملك وأنت تتقرب به إلى الله تتقرب إلى الله بصلاتك تتقرب إلى الله بذكرك تتقرب إلى الله بتلاوته بتضرع باخبارك ببكائك وأنت قرير العين منشرح الصدر تقول: يا رب ارضَ عني ورضِّني حينئذ تذوق حلاوة الإيمان حينئذ تطعم طعم الإيمان، إنَّ بعضهم كان يقول، ثابت البناني رحمه الله، كابدت نفسي عشرين سنة وتلذذت عشرين سنة أخرى.
مكابدة الطاعة وكرامة حذيفة بن اليمان ليلة الخندق
الأمر في أوله تعب وفي أوله عناء ومشقة لأنَّ الله قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾6 (البلد: 4). الأمر يحتاج إلى مجاهدة لكنك بعد المجاهدة تجد الصفاء وتجد اللذة والحلاوة ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾7 (العنكبوت: 69) قال بعضهم: والله لقد سقت نفسي إلى الله وهي تبكي فلم أزل بها حتى انساقت إلى الله وهي تضحك سقت نفسي إلى الله حملتها على الجد حملتها على التضحية حملتها على البذل حملتها على الصلاة حملتها على الذكر حملتها على غض البصر حملتها على ﴿إِلَّا﴾ تقول إلا خيرًا حملتها على أن تصمت عن كل شر وهي كارهة تكره ذلك تقول غيري يتكلم وغيري يلهو ويلعب وغيري يفعل ويفعل وهي كارهه فلم يزل بها حتى انقادت نفسه إلى الله وهي تضحك وهي سعيدة لأنَّها تلذذت لأنَّها عرفت لأنَّها اغترفت، لأنَّها ذاقت لأنَّها بفضل الله رزقت عطاء الله وعطاء الله جليل وكبير ما أسعدك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن حينما تشعر بهذه السعادة وتتلذذ بهذه اللذة مهما عصفت بك الشهوات والأزمات والكربات تهون عليك وتسهل عليك الصعوبات فيتيسر عليك العسير يتيسر لك العسير ويسهل أمامك الصعب لأنك بفضل الله عز وجل في معية ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
وقد جاء عن النبي ﷺ فيما حسَّنه بعضهم، «إِنَّ الْمَعُونَةَ تَأْتِي مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ» المعونة من الله تأتيك على قدر المؤونة إذا تعبت، إذا اجتهدت، أتتك معونة الله جل وعلا فسهل عليك العسير، ومن الأمثلة الجليلة الشهيرة التي لا ﴿تَكَادُ﴾ تخفى على كثير منكم ما وقع لحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، صاحب سر رسول الله ﷺ في غزوة الأحزاب حينما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقد أصابتهم ريح شديدة وقُرٌّ والله جل وعلا ذكر لنا هذا. فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾8 (الأحزاب: 9) جاءتهم ريح شديدة عاصفة اقتلعت خيام المشركين فما كان منهم إلا أن رجعوا فارِّين. وقد عزموا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ على استئصال شأفة الرسول والمسلمين.
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام في وسط هذه الريح الشديدة والبرد الشديد قال من يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة أو رفيقي يوم القيامة قال: فسكتنا، فلم يُجبه منا أحد الله الله ما أشدّ البرد إذا الصحابة الكرام الذين عرفوا المشقة وصبروا عليها الرسول يقول من يأتيني بخبر القوم يكون رفيقي أو معي يوم القيامة فيسكت الصحابة ولا يتكلم منهم أحد ثم يعيد الرسول ﷺ الكلام مرة ثانية من يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ثم يقول من يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يُجبه منا أحد.
فقال الرسول قم يا حذيفة قال: فلم أجد بُدًّا إذ سمَّاني رسول الله ﷺ عين حذيفة لا مناص، ولا مهرب حينئذ فقام حذيفة رضي الله عنه. فقال له الرسول ﷺ: «ائْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ» قال فانطلقت فكأنَّما أمشي في حمام والحمام من الحميم وهو الماء الحار مشى حذيفة رضي الله عنه وكأنَّه في وسط حمام في وسط ماء ساخن أو في جو دافئ لا يشعر بالبرودة إلى أن أتى القوم وعرف أخبارهم وجرى ما جرى من أمر أبي سفيان ثم عاد إلى الرسول ﷺ قال: «وَرَجَعْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ» جاءني البرد حينما انتهى من المهمة وأبلغ الرسول الخبر قُرَّ، عاد إليه برده إلى البرودة التي كان يشعر بها قال: فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فنمت حتى أصبحت فلما أصبحت قال لي الرسول قم يا نومان.
صلوات الله وتسليماته عليه فانظر كيف أن الرسول ﷺ دعا لحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، لأنَّ الدعوة أصابته فهو المخصوص بها في هذا المقام وكيف أنه لما تابع الرسول ورافق أو وافق أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، صار كأنما يسير في حمام يسير في مكان دافئ لا يشعر بالبرودة لماذا؟ لأنه في معية الله جل وعلا لأنه يطيع الله لأنَّه يستجيب لأمر رسول الله ﷺ وهكذا يعطيك الله من المعونة على قدر المؤونة إذًا بذلت أكرمك الله إذًا قرأت أكرمك الله إذًا ذكرت أكرمك الله إذًا أحسنت أسعدك الله وهكذا المؤمن يعيش بفضل الله جل وعلا في سعادة غامرة لا تحدها حدود لذلك كان بعضهم يقول والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه أي: من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف لحاربونا، لأنَّهم وإن أُوتوا ما أُوتوا فإنَّهم لم يعطوا تلك السعادة التي رزق الله عز وجل بها عباده الصالحين.
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه هذه
مجاهدة ابن رواد وقصيدة عمارة دار الآخرة الباقية
لذة الطاعة تحتاج إلى همة، إلى مشقة أنها مشقة تذهب. لكن الثواب يبقى. لكن اللذة تبقى «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» لذلك كان بعضهم يجاهد نفسه عبد العزيز بن أبي روَّاد رحمه الله، كان يأتيه الليل فينام ما تيسر له ثم ينظر إلى فراشه ويضع يده عليه ويقول له ما أطيبك وما ألينك.
لكنَّ نعيم الجنة ألين وألذ ثم يقوم ويصلي لله رب العالمين نعم إنها المفاضلة، إنها المقارنة يعقد مقارنة بين دنيا رخيصة وبين آخرة باقية لا تفنى، ولا تبيد ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾9 (العنكبوت: 64) النفس تبكي على الدنيا. وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها «لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها».
فإنَّ بناها بخير طاب مسكنه فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ ... وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا أَمْوَالُنَا لِذَوِي الْمِيرَاثِ نَجْمَعُهَا … وَدُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا أَينَ المُلوكُ الَّتي كانَت مُسَلطَنَةً حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَوتِ ساقيها لا تركنن إلى الدنيا وما فيها فالموت لا شك يُفْنينَا وَيُفْنِيهَا «واعمل لدار غد رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن ناشيها» قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن محض ومن عسل والخمر يجري رحيقا في مجاريها وَالطَّيْرُ تَجْرِي عَلَى الْأَغْصَانِ عَاكِفَةً ... تُسَبِّحُ اللَّهَ جَهْراً فِي مَغَانِيهَا تسبح الله جهرًا في مغانيها مَنْ يَشْتَرِي الدَّارَ فِي الْفِرْدَوْسِ يَعْمُرُهَا ... بِرَكْعَةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ يُحْيِيهَا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
حرمة إذهاب العقل بالمخدرات ويقين عروة بن الزبير عند
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، حلاوة الإيمان تتحقق لك إذا ثبتَّ على طاعة الله جل وعلا استقمت على الجادة تبت إلى الله وأكثرت من استغفاره إذا كنت من العابدين لله حقًا وصدقًا كنت مخلصًا من المخلصين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، أن تُكثر من ذكر الله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾10 (الرعد: 28) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾.
﴿فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ أن تتقرب إلى الله جل وعلا بالطاعات أن تصاحب الصالحين الذين إذا رأيتهم ذكرت الله فكنت من الذاكرين بفضل الله جل وعلا أن تترك صحبة السوء أن تتدبر في آيات القرآن الكريم، وفي خلق الله فإذا بإيمانك يزداد بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أن تعرف قبح المعصية فالدنيا غرَّارة والشهوات فتَّانة والعبد الذي يلتفت إلى هذا ولا يغتر به.
أما على الجانب الآخر فأنظر إلى لذة المعصية التي تنقضي سريعًا ثم تعقبها الحسرات وتعقبها الندامة فماذا يكون بعد حينما تتحسر على أمر مضى ولم يبق وبقيت السيئات. نسأل الله السلامة والعافية. أهل المعصية في غفلة عن طاعة الله جل وعلا. فهذا يودي بنفسه إلى التهلكة من أجل نظرة محرمة أو من أجل سُكرة أو شربة محرمة وما أكثر هؤلاء في أيامنا هذه من أصحاب السوء ممن أدمنوا المعصية وأقبلوا عليها ورتعوا فيها فغرَّت وأغوت وأضلَّتهم وأنستهم ذكر الله.
نسأل الله السلامة. ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾11 (المجادلة: 19) نسأل الله السلامة. انظر إلى كثير من الشباب اليوم حينما تغرهم الدنيا فيضيع أمرهم وعقلهم كيف يذهب أحدهم عقله بنفسه وعروة بن الزبير، تعجب غاية العجب وها هي رجله تقطع ويعرض عليه الطبيب شرابًا يشربه لئلا يشعر بألم القطع فيتأبى ويأبى ويرفض.
وقال: ما ظننت أنَّ أحدًا يذهب عقله بنفسه حتى لا يعرف ربه أو حتى يحال بينه وبين ذكر ربه فتقطع رجله دون أن يشرب شرابًا يذهب معه عقله وهو ثابت راض بقسمة الله صابر محتسب فكان من الصابرين، أمَّا الآخر فيظن، أنَّ الدنيا بهذا تكتحل في عينيه وأنها تحلو له فيدمر نفسه وصحته وعقله وماله وقوته ﴿إِلَّا﴾ ما أحوجنا إلى أن نعود إلى الله عودة صادقة لنعلم أولادنا هذا كما أنَّنَا نشتهي الأطعمة الفاخرة فأين اشتهاؤنا لطاعة الله جل وعلا؟.
وقد قال قائلهم
لذة العلم عند الشافعي واستشعار حقيقة العبودية والرجوع لله
أهل الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم أين من يقرأ القرآن فيتلذذ به، إن الشافعي رحمه الله، حينما سُئل عن فرحه وسروره بطلب العلم أو بقراءة العلم أو بسماعه فأخبر أنه إذا سمع شيئًا لم يسمعه من العلم أو الأدب فرح به وطرب له قال حتى إنني أود أن تكون لأعضائي جميعها أسماع حتى تتلذذ كما تلذذ سمعي يريد أن يكون ليده سماع وأن تكون لرجله سماع لِمَ؟ حتى يتلذذ بما يسمع عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه لذة حقيقية تعيش بها في الدنيا ثم تلقى الله عز وجل عليها بفضله سبحانه وتعالى، فتهون عليك البليات تهون عليك المحن والمصائب، تفرح بطاعة الله وتحزن إذا عصيت الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أني سائلك أنت لا تتحمل قيظًا وحرًّا، ولا تتحمل بردًا وقُرًّا وانظر إلى حالك في برد يسير والنار قد اشتكت إلى ربها.
«فَقَالَتْ: رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» فحينما يشتد البرد في أعلى درجاته يكون هذا نفسًا تنفسته النار فكيف بالنار وعذابها فكيف بالنار وزمهريرها، وأنت لا تطيق، ولا تقدر، ولا تقوى، ولا تستطيع فلئن تعبت اليوم من أجل طاعة الله فإنَّك تسعد في الدنيا قبل الآخرة.
جعلنا الله من السعداء بمنه وكرمه ختامًا، يا أيها الإخوة الكرام، هي معادلة تحتاج إلى تعقل وإلى حكمة ولب من أنت؟ أنت عبد لله، وإلى مَن تصير؟ إلى الله. وهذا معنى ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ فإذا علمت أنك لله عبد وأنَّك إليه راجع فلا ينبغي أن يشغلك عن ذلك شاغل وإنَّما الدنيا مطية إلى الآخرة اعمل فيها واكسب وكُلْ حلالًا واشرب حلالًا واجمع حلالًا وكن غنيًّا قدر استطاعتك لا حرج عليك.
لكن هذه وسائل والحقيقة التي لا ينبغي أن تغفل عنها أنا عبد وأنا إلى الله راجع ثم افعل ما بدا لك فمن عاش على هذا الأصل أنا لله عبد وأنا إليه راجع عاش سعيدًا ومات سعيدًا عاش على الطاعة ودخل الجنة بفضل الله اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا واجعله الوارث منَّا اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم فرِّج كرب المسلمين من أهل غزة، اللهم فرِّج كربهم وأزل غمهم واحقن دماءهم وتولَّ أمرهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 39 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 4 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 9 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 64 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 28 ↩
- آية: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 19 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)