مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

حامل الأمانة

خطب · الدرس 137 من 342 · 30 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. سعة معنى الأمانة وثقل حملها وشهادتها على الصراط
  2. المجال الأول: العفة عن الحرام وفضل الخازن الأمين
  3. أداء الفرائض وأمانة الحديث والإشارة والسر
  4. رد مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وشرف التاجر الصدوق
  5. حفظ أسرار البيوت وتوسيد الولايات ونصيحة أبي ذر
  6. رفع الأمانة آخر الزمان وخطر ضياعها على الإيمان والمجتمع
التفريغ النصي الكامل للدرس

سعة معنى الأمانة وثقل حملها وشهادتها على الصراط

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوج المسلم إلى أن يعرف أنه في هذه الحياة مؤتمن وأن أمانته تتعدد مجالاتها وتختلف أنواعها وكثير من الناس لا يحسب الأمانة إلا ما كان من حفظ الودائع وما من شك، أن حفظ الودائع داخل في معنى الأمانة، بيد أنها ليست كل أبواب الأمانة.

وقد قال الله سبحانه ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾5 (الأحزاب: 72) ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان إلى أن تعرف أنك موصوف بهذا الوصف حامل أمانة أنت في الدنيا حامل أمانة فترى ماذا صنعت في تلك الأمانة التي تحملتها وحملتها إن كنت حافظًا لها فاحمد الله واثبت على

ذلك إلى أن تلقى الله وإن كنت مفرطًا أو مضيعًا أو مقصرًا فراجع نفسك قبل فوات الأوان، إن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه قد أخبرنا كما في مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا» إن الأمانة شأنها عظيم ترسل يوم القيامة وتصير كأنها شخص تقوم على جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا لتنظر المحافظ من المضيع، والقائم من المفرط.

المجال الأول: العفة عن الحرام وفضل الخازن الأمين

نسأل الله أن يجعلنا من الحافظين للأمانات، إن رب العزة سبحانه وصف المؤمنين بأوصاف جليلة، وكان من بينها ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾6 (المؤمنون: 8) فمن صفات المؤمنين حفظ الأمانات ورعايتها واعلم أخي الكريم، أن الواجب عليك في الأمانة أمور يمكن لك أن تتعرف عليها وأن تعرف معالمها في هذه الأمور الواضحة الجلية أولًا من معاني حفظ الأمانة أنك إذا كنت مؤتمنًا على شيء فتكون عفيفًا عن أخذ ما لا يحل لك.

فهذا من الأمانة، إذًا النوع الأول في معنى الأمانة في صفتها العامة، أن يكون الإنسان عفيفًا في أمانته فلا يأخذ إلا ما يحل له ويتجنب الذي عليه أن يمتنع منه لأنه ليس حقًا له. وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الذين يتخوضون في شيء من أموال المسلمين وأحوالهم يظن أن الأمر إليه فيصنع ما بدا له فيأخذ هذا ويترك ذاك هذه مسؤولية كبيرة وأمانة خطيرة ولذلك علمنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الجليل الذي يرغِّب كما ورد الترهيب لأنَّ بعض الناس قد يتخلى عن أمانة حينما يتعرف على الوعيد الشديد الوارد فيها فجاء الترغيب في حفظها وأن أصحابها لهم فضل عند الله جل وعلا قد تؤتمن على شيء وأنت لست مالكًا له ولا تستطيع أن تملكه وأنت تود وترغب أن يكون لك مثل الذي ائتمنت عليه لتؤدي مثل ما أدَّى من ائتمنك على تلك الأمانة ولتنال الأجر والثواب حينما تسخو وتجود بالخيرات فطمأنه الرسول عليه الصلاة والسلام.

فقال كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال الخازن الأمين المسلم «الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ» الله أكبر قد تؤتمن على أمانات كثيرة، وعلى أموال كبيرة وأنت فقير ليس معك ما تعطيه لكنك تعطي المال لهذا ولذاك ونفسك طيبة لأنك مؤتمن على المال وجعلك الله سببًا في إسداء الخير إلى الناس فأبشر فأنت أحد المتصدقَيْن، وكأن المال ملك لك وكأنك تصدقت به لعظم قدر الأمانة وجلال شأنها لأنه لا يتحملها إلا من وُفِّق لها وأُعين عليها؛ وإلا كانت وبالًا عليه يوم القيامة.

أداء الفرائض وأمانة الحديث والإشارة والسر

يا أيها الإخوة الكرام، المجال الأول في الأمانات ﴿إِلَّا﴾ تأخذ إلا ما يحق لك، أن تأخذه. وأما المجال الثاني فهو أن تؤدي ما أمرك الله بأدائه أنت أُمرت بأشياء لتؤديها، فهذه من الأمانات ويدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي فعلينا أن نأتمر بأمر الله وأن نجتنب ما نهانا الله عز وجل عنه. ولذلك الأمانات منها أمانات تتعلق بحق الله وأمانات تتعلق بحقوقكم فإذا أديت الصلاة فأنت تؤدي أمانة والزكاة أمانة والصيام أمانة والحج أمانة.

بل جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن أولئك الفائزين الذين إذا حافظوا على هذه الأمور فحافظوا على الصلوات والصيام والحج والزكاة قال: وأدَّى الأمانة، قالوا: وما أداء الأمانة؟. وهذا عجيب قال: الغسل من الجنابة. وقد حسّنه عدد من أهل العلم، أن يفسر الرسول الأكرم ﷺ أداء الأمانة بالغسل من الجنابة وما من شك، أن أداء الأمانة أوسع دائرة وأكثر أبوابًا وأكثر مجالات.

لكن الرسول فسَّر أداء الأمانة بالغسل من الجنابة مع أنَّ بعض الناس ربما لا يلتفت إلى مثل هذا الأمر يدلك على أن العبادات كلها ما تظنه منها صغيرًا أو كبيرًا يدخل في حيز الأمانة فإذا أديت الأمانة كنت من الفائزين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إذًا كل ما أمرك الله به عليك أن تؤدي الأمانة فيه. بل أقول لك: إن الله قد أعطاك هذا الجسد، أعطاك جسدًا وروحًا، أعطاك سمعًا وبصرًا أعطاك قوة هذه الجوارح أنت مؤتمن عليها فلسانك أنت مؤتمن عليه.

بل نظرتك أنت مؤتمن عليها ألم يقل الله ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾7 (غافر: 19) هذه الأعين قد تخون، تُحاسَب على ذلك. بل إن الرسول الأكرم ﷺ قال «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ». تأمَّل! الحديث إذا حدث الرجل أخاه بالحديث ثم التفت فهي أمانة حدثتك من حديث فيما بيني وبينك ثم تخوفت من أن يكون أحد من الناس يسمعنا فالتفت هل يسمعنا أحد

هذا سر لا أريد أن أُطلع عليه أحدًا آخر قال الرسول: فهي أمانة، يعني: لا يجوز لك لا يجوز لك، أن تجهر بهذا السر أو أن تنقله إلى أحد لأنَّ هذا الشخص قد ائتمنك مع أنَّه مع أنَّه لم يقل لك هذه أمانة مع أنَّه لم يقل لك لا تخبر بذلك أحدًا مع أنَّه لم يستحلف بالله وإنَّما التفت فقط وعدها الرسول من الأمانة، الله الله في الأمانات قال الرسول عليه الصلاة والسلام، «إِنَّمَا الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ» هذه المجالس التي يجلس فيها الناس من أمانات هكذا علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام، إذًا.

رد مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وشرف التاجر الصدوق

النوع الثاني من أمانات أن تؤدي ما أمرك الله عز وجل بأدائه. ولذلك قال ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾8 (النساء: 58) إن الله يأمركم، وتأمَّل الآية، لم يقل: أدوا الأمانات ﴿أَنَّمَا﴾ قال: إن الله يأمركم هذا إسناد عالٍ يعلمنا الله إياه يقول أن الله يأمركم مع أنَّ الرسول لو أمرنا لوجب علينا أن نأتمر بهذا كما قال الله ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً﴾ فقوله: إن الله يأمركم، أي: أن.

الأمر أمر إلهي أمر من الله جل وعلا لا ينبغي لأحد أن يتخلف عنه، إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا ونبينا صلوات ربي وتسليماته عليه حينما دخل مكة فاتحًا صلوات الله وتسليماته عليه وفتح له باب الكعبة ودخل ﷺ وكانت هذه المفاتيح مع عثمان بن طلحة رضي الله عنه وكان من المعلوم، أن شؤون الكعبة منقسمة بين قريش فهناك المسؤولون عن السقاية هناك المسؤولون عن الحجابة أو السدانة هناك من هو مسؤول عن كل باب من أبواب مكة هذا هو الذي يسقي فإذا أراد أحد أن يشرب من ماء زمزم فالمسؤولون عنه هذه قبيله من أراد أن يدخل الكعبة المفتاح مع هؤلاء فكان المفتاح مع عثمان، وكان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في آبائه وأجداده فلما أخذه الرسول عليه الصلاة والسلام قال علي بن أبي طالب كما جاء في بعض الروايات التي تصح بشواهدها وهي عند ابن إسحاق في السيرة قال: يا رسول الله، اجعل لنا الحجابة والسقاية، اجعلها لنا كما كان العباس رضي الله عنه هو الذي يسقي الناس اجعل لنا الحجابة اجعل لنا مفاتيح الكعبة.

فقال الرسول لا لا وأرسل إلى عثمان بن طلحة ثم أعطاه المفتاح. وقال له: اليوم وفاء وبر، اليوم وفاء وبر تُؤدَّى الأمانات إلى أهلها وبقيت المفاتيح مع عثمان ومع ذريته رضي الله تعالى عنه، إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وأما النوع الثالث: والمجال الثالث العام وأنا أتكلم عن معنى أمانة لأن بعض الناس يحصر الأمانة في أداء الأمانات المعروفة التي تسمى بالودائع إذًا هي على ثلاثة أبواب.

أما المجال الثالث فمعناه: المحافظة والرعاية لتلك الأمانة التي معك هناك أمانة بتأديتها وهناك أمانة بالإبقاء عليها أنت مؤتمن على جوارحك فلا تفرط في جوارحك فالمنتحر خان الأمانة؛ لأن نفسه أمانة ليس له أن يفرط فيها، ﴿وَلَآ أَن﴾ يعتدي عليها إذا رزقك الله بالأولاد، فالأولاد أمانة، «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» هذه أبواب الأمانة الثلاثة ثم إذا نظرت إليها وجدتها تملأ عليك حياتك كلها فكل أمر كل فعل تراه لا يخرج من باب من هذه الأبواب الثلاثة.

جعلنا الله من الأمناء بمنه وكرمه ولفضل الأمانة رفع الله أصحابها فلربما كان صاحبها مشتغلًا بأمر الأمانة التي عُهد بها إليه فإذا به يُشغل بها عن أبواب أخرى فيكافئه الله عز وجل. بل لربما اشتغل بأمر يتعلق به قال ﷺ «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» وما من شك أن التجارة تشغله أحيانًا وأن التجارة تأخذ من وقته لكنه متسم بتلك الصفة صادق أمين لأنَّ الأنبياء كلهم صادقون ولأن الأنبياء كلهم أمناء. ولذلك كانوا يقولون كما قال نوح: ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ويقولون: ﴿وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ هكذا يقول الأنبياء والمرسلون ناصح أمين فالأنبياء نُصحاء، ناصحون أمناء.

حفظ أسرار البيوت وتوسيد الولايات ونصيحة أبي ذر

نسأل الله أن يجعلنا من الآمنين ومن الأمناء التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ما أحوجنا إلى الأمانة في التجارة ما أحوجنا إلى أمانة في المعاملة ما أحوجنا إلى أمانة في هذا كله فبعض الناس ربما ظننته أمينًا فإذا اؤتمن على مال، مال قلَّ أو كثر، افتتن فيه أو اؤتمن على أمر يتعلق بالنساء افتتن فيه والنبي عليه الصلاة والسلام، ذكر أيضًا أن من شر الناس منزلة يوم القيامة هذا الذي تُسرُّ إليه امرأته الرجل يفضي إلى المرأة والمرأة تفضي إلى الرجل ثم ينشر سرها أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد جاء عنه ﷺ أن من شر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة والمرأة تفضي إلى الرجل ثم ينشر سرها لذلك الأسرار الزوجية لا يجوز لأحد أن ينشرها.

فإنَّ نشرها فهو خائن للأمانة ما يكون بين الرجل وامرأته من أسرار لا يجوز له أن يهتك تلك الأسرار لأنَّها أمانات وكثير من الناس يفرط في ذلك. وقد قالوا إن الرجل لا يحب أن يكون وصّافًا لفرجه وصّافًا لبطنه والناس صاروا اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ينشرون ما هب ودب ولا أدري ما الفائدة التي تعود عليك إذا قلت إنك أكلت كذا أو كذا أو شربت كذا أو كذا أو صنعت كذا أو كذا من أمورك الخاصة التي لا تنفع غيرك ولربما كانت سببًا في الإضرار بك فأُصبت بعين أو بحسد أو بغير ذلك فما الفائدة التي تعود عليك لكنه الفراغ فراغ القلب والعقل ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل.

يا أيها الإخوة الكرام، إذا كانت أمانة بهذه المثابة فاعلم أخي الكريم أنك إذا وُفِّقت فوثق الناس بأمانتك فأنت على خير فاحمد الله على ذلك واشكر الله على نعمائه واسأل الله العون والتوفيق. ولذلك فرق بين من يسند إليه أمر وبين من يطلبه فإنَّ من طلب الشيء وكل إليه. وأما من أُسند إليه الأمر دون طلب منه أعانه الله عز وجل عليه هكذا علمنا الرسول الأكرم ﷺ على أن الاختيار مطلوب لذلك فالنبي صلوات الله وتسليماته عليه لما ألحَّ الرجل في السؤال عن الساعة قال له: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة قال: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذًا وسد.

الأمر إلى غير أهله. وهذه مصيبة المصائب أن يُوسَّد الأمر إلى غير المتأهلين فينسب العلم إلى غير المتخصصين وينسب كل منصب إلى غير المستحقين فتضيع أموال الناس وتبدد جهودهم ونسأل الله السلامة والعافية.

ولذلك قالت المرأة الذكية الزاكية، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾9 (القصص: 26) والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، لما سأله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه كما عند مسلم. وقال: يا رسول الله، يا رسول الله، ﴿إِلَّا﴾ تستعملني؟ تجعلني عاملًا لك، تجعلني أميرًا على شيء، تستخلفني في شيء. فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا» يقول هذا لأبي ذر الغفاري أصدق الناس لهجة «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ» سبحان الله أصدق الناس لهجة والرسول يقول أني لاراك ضعيفًا ﷺ

وقال وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الحق الذي عليه أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. وهذا معناه:، أنَّ الإنسان قد يصلح في باب ولا يصلح في آخر. ولذلك مصيبة المصائب أن يوضع بعض الناس في غير أبوابهم إلا ترون أنه لا يصلح بحال من الأحوال أن نجعل المهندس في موضع الطبيب أو أن نضع الطبيب في موضع المهندس، وكذلك في كل الأبواب ينبغي للناس أن يعوا ذلك فمن يتعرض لفتيا الناس ينبغي أن يكون مؤهلا، ومَنْ يتولى بابًا من الأبواب لا بد أن يكون مؤهلًا هكذا علمنا الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، فإذا اسند.

رفع الأمانة آخر الزمان وخطر ضياعها على الإيمان والمجتمع

الأمر إلى مستحق فليحمد الله وليسأل الله الإعانة، لِمَ؟ لأن الحفاظ على الأمانة غريب إلا على من رحم الله جل وعلا. وقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، حدَّثنا رسول الله ﷺ حديثين، حفظت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جَذْر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة أمانة إيمان تنزل في القلوب وحدثنا عن رفعها من علامات الساعة،، أن الأمانة تُرفع من القلوب قال ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوَكْت أثر خفيف ثم ينام النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرها مثل المَجْل كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه مُنتَبِرًا وليس فيه شيء الفقعات التي تحصل لبعض الناس عند العمل تجد في يده فقعات، ولا قيمة لها تصير أمانة كأنها فقعات قال: فيتبايع الناس فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة الله أكبر ينادى على الأمين من وسط الناس يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا رجل واحد هو المعروف ويقال للرجل: ما أظرفه وما أجلده وما أعقله، وليس في قلبه حبة خردل من إيمان.

نسأل الله السلامة والعافية. قال حذيفة: ولقد أتى عليَّ زمان ما أبالي أيَّكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردَّنَّه عليَّ دينه، وفي لفظ الإسلام، وإن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردَّنَّه عليَّ ساعيه والمعنى يتعامل مع اليهودي ومع النصراني، ولا يخاف قال. أما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلانًا وفلانًا هذا يقوله حذيفة فماذا يقوله لو شهد أيامنا.

نسأل الله السلامة والعافية. وقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه عند أحمد واسمع هذا الحديث الجليل يقول أنس: قلَّما خطبنا النبي ﷺ إلا قال «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» لا يقولها الرسول في خطبة واحدة ﴿أَنَّمَا﴾ يقول أنس: قلَّما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له لأنَّ المؤمن أمين لا يخون قال الرسول «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» لذلك حتى في المعارك الرسول قال «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ».

لكن لا يجوز الخيانة يجوز في الحرب أن يكون هناك خدعه. لكن لا تجوز الخيانة إذا أمَّنت عدوك فلا تخنه. ولذلك قال الله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ10 سَوَآءٍ﴾ (الأنفال: 58) إذا خاف المسلمون من أعدائهم الخيانة لا بد أن ينبذوا العهد أولًا يقولون لهم نحن نخاف منكم وسمعنا عنكم أنكم تريدون الغدر بنا. أما أن نغدر نحن ابتداء ونخون ابتداء.

فهذا لا يكون من أهل الإسلام من أهل الإيمان، يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوجك إلى أن تتذكر ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: 72) فآفة الظلم والجهل أنت محمَّل بأمانة لكنك جاهل تفرط عندك السمع عندك البصر عندك القلب عندك الجوارح، أنت مؤتمن عليها.

لكن أنت مفرط في الأمانة، لِمَ؟ لأنك جاهل لا تعرف أنها أمانة أو أنك ظالم تميل إلى الظلم وتترك العدد فإذا أردت أن توفق في أمانة فعليك بأمرين، أن تكون عادلًا وأن تكون عالمًا بالأمانة التي اؤتمنت عليها وكيف تؤدي الأمانة التي ائتمنك الله عليها. أخيرًا قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه ﷺ قال «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ» إذا كانت فيك الخصال الأربع فلا يضرك شيء فاتتك الدنيا كلها بأسرها لا يضرك ماذا؟ حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خلق وعفة في طعمة وكلها داخلة في حفظ الأمانة اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم فرج كرب المسلمين في غزة ارحم ضعفهم واحقن دماءهم يا ذا الجلال والإكرام

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 72 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 8 ↩
  7. آية: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 19 ↩
  8. آية: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 58 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 26 ↩
  10. آية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 58 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة