توقير الرسول صلى الله عليه وسلم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- حقوق النبي ﷺ ومعنى تعزيره وتوقيره واختصاص الله بالتسبيح
- بشرية النبي وخصوصية الوحي وحدود التعظيم المشروع
- حجية السنة وعصمة البلاغ ورد دعوى الاستغناء عنها بالقرآن
- حفظ السنة بالإسناد والجرح والتعديل ضمن حفظ الذكر
- نزاهة نقاد الحديث والرد على دعوى تقديس الرواة والمصنفين
- تعظيم الصحابة للنبي ومن خدمه وتقديم هديه في الإمامة
- توقير أبي أيوب للنبي وكراهته ما كرهه
التفريغ النصي الكامل للدرس
حقوق النبي ﷺ ومعنى تعزيره وتوقيره واختصاص الله بالتسبيح
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إن لرسول الله محمد ﷺ حقوقًا على الأمة ينبغي لهم أن يتعلموها ويَعُوها وأن يراعوها ويؤدُّوها ويحافظوا عليها ويتمسكوا بها ومن هذه الحقوق العظيمة التي على المسلم، أن يتعلَّمها ويعرفها تجاه رسول الله محمد ﷺ وجوب تعظيمه وإجلاله ﷺ ومن ثم وجوب تعظيم سنته صلوات ربي وتسليماته عليه.
فإنَّ رب العزة سبحانه وبحمده قال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾5 (الفتح: 8-9) فبيَّن الله جل وعلا أنه أرسل رسوله محمدًا ﷺ من أجل أن يقوم الناس بهذه الأمور التي ذكرها ربنا. فقال لتؤمنوا بالله ورسوله والقراءة الأخرى بالغيبة: ﴿لِّيُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ فالأمر الأول الإيمان بالله وبرسول الله صلى عليه وسلم نؤمن بالله جل وعلا فهو إلهنا مالك الملك ذو الجلال والإكرام لا معبود حق إلا هو سبحانه عز وجل ونؤمن برسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقًا وصدقًا لذلك لا يدخل الإنسان الإسلام حتى يشهد الشهادتين: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» قال الله ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.
أما تعزير الرسول ﷺ فالمراد به نصر رسول الله ﷺ وتأييده صلوات الله وتسليماته عليه، ومنعه من كل ما يؤذيه صلوات الله وتسليماته عليه. فهذا كله في معنى: التعزير فالتعزير التقوية والتعزير التأييد والتعزير المنع من الضرر أو الإيذاء ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.
أما توقير الرسول ﷺ فإجلاله وتفخيمه وتعظيمه واحترامه وتقديره صلوات الله وتسليماته عليه وإلى هذا ذهب كثير من أهل التفسير إذ رأوا أن الضمير في قوله وتعزروه وتوقروه يعود على الرسول الكريم ﷺ وأما الضمير في قوله وتسبحوه بكرة وأصيلًا فإنَّه يعود على الله جل وعلا لأنَّ التسبيح لا يكون إلا لله رب العالمين. وبناءً عليه فقد جاءت الآية على هذا النسق لتؤمنوا بالله ورسوله.
وهذا حق مشترك لكنه في حق الرسول بأن يؤمن بأنه رسول الله، وفي حق الله بأن نعتقد أنه الله لَّآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وحده لا شريك له. وأما قوله وتعزروه وتوقروه. فهذا متعلق بالرسول. وأما قوله ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فهذا حق لله جل وعلا ويشهد لذلك أمران. أما الأمر الأول فلأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور وأقرب مذكور هو الرسول الكريم ﷺ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه فالضمير يعود إليه والأمر الثاني: لأنَّ الله جل وعلا ذكر التعزير في موضع آخر.
فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. وأما التسبيح فلأنه لا يكون إلا لله انصرف إلى الله جل وعلا مباشرةً. ولذلك اختار عدد من المحققين الوقف على قوله ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ فيقرأ ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ثم يقفون ثم يقولون ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، ولا حاجة إلى القول بالوقف فالأمر في ذلك واسع والعلم عند الله تبارك وتعالى، ومن أهل العلم من قال.
بل إن التعزير والتوقير والتسبيح يتعلق بالله جل وعلا ودليلهم في ذلك، أن تشتيت الضمائر غير مستحب وأن الأولى أن تعود الضمائر كلها على شيء واحد، وعلى كل حال. فإنَّ تعظيم الرسول من تعظيم الله جل وعلا وإجلال الرسول من إجلال الله جل وعلا. وقد دلت الأدلة على ذلك بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
بشرية النبي وخصوصية الوحي وحدود التعظيم المشروع
يا أيها الإخوة الكرام، إن الله جل وعلا قد أخبرنا عن الرسول ﷺ وبين لنا حقيقته. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ6 إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ (الكهف: 110) هذه حقيقة رسول الله ﷺ كما علَّمه الله، أن يقولها للناس ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ أنا بشر مثلكم فالرسول لا يخرج عن كونه بشرًا فلا يصح أن يُعطى الرسول ما يُعطاه الإله فهو رسول بشري وليس إلهًا صلوات الله وتسليماته عليه ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ أنا بشر مثلكم.
لكن الفرق بين الرسول وغيره، أن الله قال يوحى إليه، أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام، يوحى إليه دون غيره فإنَّه خاتم الأنبياء والمرسلين. وقد أوحى الله إلى الأنبياء والمرسلين من قبله صلوات الله وتسليماته عليه لذلك قال الله أيضًا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ أي: قد مضت من قبله الرسل فإلى هؤلاء الذين وقع لديهم وَهْمٌ: كيف يموت رسول الله ﷺ؟ وكيف يصاب رسول الله ﷺ وكيف يزعم أنه قد قتل صلوات الله وتسليماته عليه.
وقد وقع ذلك في غزوة أحد حينما شُجَّ رأس الرسول وكُسرت رَبَاعِيَتُه وأُشيع بأن الرسول قد قُتل فتوهم قوم كيف يموت رسول الله فبين الله، أن الموت حق على رسول الله. كما أنه حق على البشر كلهم ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ﴾ لأنَّ الذي له البقاء هو الله وحده كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ﴾7 (القصص: 88) وكما قال ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ وكما قال ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِي۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ﴾ فمن رفع رسول الله ﷺ فوق حقه وقدره وأنزله منزلة لا تكون إلا للإله فصرف العبادة أو نوعًا من أنواعها إلى رسول الله ﷺ فإنَّه على الضلال يسير، وفيه يهيم.
نسأل الله السلامة والعافية. لله حق لا يكون لغيره ولعبده حق هما حقان، لا تجعل الحقين حقًا واحدًا من غير تمييز، ولا فرقان فرسول الله هو رسول الله. وأما الله فهو الله جل وعلا مالك الملك الذي لا شريك له في ملكه، ولا شريك له في أمره سبحانه جل وعلا قال الله سبحانه وتعالى، ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ واصيله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾.
لكن الرسول عليه الصلاة والسلام، يوحى إليه فلا ينطق عن الهوى كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾8 (النجم: 3-4) ونحن نُبتلى في كل زمان، ونُبتلى في أيامنا هذه بطائفتين كلتاهما على طرفي نقيض ونسأل الله، أن يرزقنا الوسطية الحقة وأن يجعلنا متبعين لرسول الله ﷺ غير غالين فيه وغير جافين عنه صلوات الله وتسليماته عليه ففي الوقت الذي يرفع بعض الناس رسول الله إلى رتبة الإله.
حجية السنة وعصمة البلاغ ورد دعوى الاستغناء عنها بالقرآن
وهذا لا يصلح. وقد نهى الرسول عنه لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ﴿أَنَّمَا﴾ أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله. أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. وقد أخرجه البخاري في صحيحه على الجانب الآخر يخرج علينا الحداثيون، ومن تشبه بهم وسار على منوالهم وهم تبع لمن سبقهم حينما يريدون أن ينزعوا عن رسول الله ﷺ كل ثوب ألبسه الله إياه، وكل مكانة بوَّأه الله جل وعلا إياها فيقولون: لِمَ تُعظِّمون سنة رسول الله، ولِمَ تُقدِّسون سيرة رسول الله ﷺ؟ أنه بشر وينبغي لنا أن نتعامل معه على أنه بشر ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ويخطئ ويقول ويفعل فيقبل منه ويرد عليه يريدون أن ينزعوا عنه هذا المقام الذي بوَّأه الله جل وعلا إياه نحن نقول أنه بشر يأكل ويشرب ويسير ويذهب ويأتي، وقدر الله عليه الموت.
لكن الله جل وعلا اقتضت حكمته، أن يكون رسوله الذي يبلغ عنه معصومًا صلوات الله وتسليماته عليه فيما أخبر عن ربه جل وعلا. أما إذا كان الأمر يتعلق بأمر دنيوي كما في تأبير النخل كما هو معلوم والحديث ثابت متفق عليه فلا حرج على الرسول حينئذ أن يوافق الصواب أو أن يتركه فهو بشر في هذا الأمر..
أما إذا أخبرنا عن الله فهو لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام. ولذلك لما نهى بعض الناس عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن الكتابة عن رسول الله ﷺ وقالوا له: إن محمدًا بشر يتكلم في الغضب والرضا أن محمدًا بشر يرضى ويغضب فلا تكتب عنه أو فلا تكتب عنه كل شيء فلما سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك، أشار النبي ﷺ إلى فمه وقال: «اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ».
وقال لا يخرج منه إلا الحق صلوات الله وتسليماته عليه فهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى حفظه الله جل وعلا في قوله صلوات الله وتسليماته عليه. وقد بلغ وأدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة صلوات الله وتسليماته عليه، يا أيها الإخوة الكرام، الرسول بشر. لكن الله بوّأه منزلة عظيمة جعل طاعته طاعة له عز وجل فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن عصى الرسول ﷺ فقد عصى الله وفرق بين، أن يعبد الرسول.
فهذا ممنوع وبين، أن يحترم الرسول وأن يبجل الرسول وأن تحترم سنته وأن تعظم سنته. فهذا لا مناص عنه لمسلم من المسلمين والمؤمن يعتد بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ والآيات القرآنية واضحة وجلية في الأمر بطاعة الرسول ﷺ وفي النهي عن معصية رسول الله ﷺ قال الله جل وعلا: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾.
وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ﴾. وقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوٓا۟ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾. وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾9 (الحشر: 7) آيات صريحة في هذا الأمر.. وقال ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾10 (النور: 63)
وقال، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًا مُّبِينًا﴾ نعوذ بالله من هذا الضلال، يا أيها الإخوة الكرام، إن هؤلاء في حقيقة الأمر يريدون القضاء على الدين لأن القرآن الكريم في كثير مما ورد فيه إجمال يحتاج إلى بيان. وقد جعل الله رسوله ﷺ المبين لكتابه خير بيان. فقال ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾11 (النحل: 44) فلو أنَّ الناس تركوا سنة رسول الله ﷺ ولم يعظموا هدي رسول الله ﷺ لضاع عليهم فهم القرآن، ومن ثم ضاع عليهم الدين وحينئذ انسلخ الناس من ثوابتهم، ومن عقائدهم ففعل كل ما يريد أن يفعل فأين الدين حينئذ وأين الثوابت حينئذ وأين التمسك بالإسلام ﴿أَنَّمَا﴾ هو كلام يراد من ورائه باطل كثير مع أنَّه في نفسه باطل وبطلانه يغني عن إبطاله كما يقولون.
حفظ السنة بالإسناد والجرح والتعديل ضمن حفظ الذكر
يا أيها الإخوة الكرام، إن هؤلاء يتسربون إلينا من جانبين. أما الجانب الأول فمنه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: نحن نعظم رسول الله ونجل رسول الله. لكن ما يدرينا أن هذه الأحاديث منقولة عن رسول الله حقًا وصدقًا؟ وأن الرسول قالها فليست مشكلتي مع الرسول، وإنَّما مع من ينقل عن الرسول فلعلهم كذبوا على الرسول ﷺ وزادوا ونقصوا، ومن ثم فنحن في شك وفي ريبة، ومن ثم فلا يلزمنا أن نقبل تلك الأحاديث هكذا يزعمون. وأما الطرف الآخر فهو الذي يقول وبئس ما قال ولو كان الرسول قد قال هذا القول فإنَّنا نرده، ولا يناسب عصرنا ولربما كان مناسبًا لثقافة الرسول أو لزمان الرسول ﷺ
وهذا كلام كثير ومنتشر في كتابات هؤلاء شرقًا وغربًا وهم يتسمون بأسماء أهل الإسلام ولهم مشروعات يقولون إنها تجديد وهي في الحقيقة ليست تجديدًا وإنَّما هي تبديد ونحن لا نمنع التجديد، وإنَّما نمنع الهدم والتبديد. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. وأما الشق الأول على عجل، يا أيها الإخوة الكرام، فإنَّ الله جل وعلا حفظ كتابه، ومن حفظ كتابه حفظ سنة رسوله ﷺ وأن قول الله جل وعلا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾12 (الحجر: 9) يدل على أن السنة محفوظه لأن حفظ الذكر يشمل حفظ القرآن وحفظ السنة، فالذكر يطلق على القرآن كما يطلق على سنة النبي المختار عليه الصلاة والسلام، هذا من جانب، ومن جانب آخر.
فإنَّ حفظ القرآن يقتضي أن يحفظ ما يبين القرآن وخير ما بين القرآن بعد القرآن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا من حفظ الله جل وعلا لكتابه القرآن الكريم ثم إنه من نعمة الله وفضله أن قيَّض العلماء الصيارفة الذين ميزوا الصحيح من الخبيث أو الضعيف والموضوع فوجد علم الإسناد وعلم الجرح والتعديل وعلم العلل وعلوم الحديث على اختلاف أنواعها وما أجملها وما أعظمها.
ولذلك قالوا «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» لكن هؤلاء يقولون: أنتم تغالون وتقدسون أناسًا وأشخاصًا، ليس الرسول فقط. بل تُقدِّسون البخاري وتُقدِّسون مسلمًا وهؤلاء تقولون عنهم وعن كتبهم إنها أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا وكلمات يسيرة تناسب هذا المقام، ﴿إِلَّا﴾ تعلمون.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، إن للبخاري كتبًا متعددة وليس صحيح البخاري فقط فالبخاري له الأدب المفرد وله التاريخ الكبير والأوسط والصغير وله خلق أفعال العباد للبخاري كتب متعددة ليس صحيح البخاري فقط فالسؤال: لِمَ قَبِل العلماء صحيح البخاري دون غيره من بقية كتب البخاري؟ لو كان البخاري مقدَّسًا من أجل ذاته لقَبِل العلماء كل كتب البخاري ﴿أَنَّمَا﴾ قبلوا كتابًا معينًا لأنه اشترط فيه الصحة ونظر العلماء فيه فوجدوا أسانيد نظيفة ومتونًا مقبولة فحينئذ قبلوها لأنه قد توفرت فيها شروط الصحة ليس تقديسًا للبخاري، ولا لغيره.
نزاهة نقاد الحديث والرد على دعوى تقديس الرواة والمصنفين
بل أقول لكم: عندنا مسند الإمام أحمد، والإمام أحمد لُقِّب بإمام أهل السنة، فهل أُعطي المسند ما أُعطي صحيح البخاري في المكانة والسند؟ مع أنَّ مالكًا وهو من هو إمام دار الهجرة وأحمد وهو من هو وهما من الأئمة المتبوعين الذين لهم المذاهب الفقهية المعتبرة عند أئمة أهل العلم في كل زمان بعد مجيئهم كما لا يخفى.
ومع ذلك فرقوا بين فقه مالك وفقه الشافعي وفقه أحمد وأبي حنيفة وبين صحيح البخاري إذًا القضية ليست تقديسًا للأشخاص وإنَّما القضية، أن هذه أحاديث ثبتت أن الرسول قالها لتوفر الشروط فيها فلما قبلوها كانوا قابلين لسنة الرسول ﷺ وليسوا معظمين لشخص كائنًا من كان. بل إن ﴿ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ أن البخاري كان يقول عن شيخه علي بن المديني رحمه الله، الذي كان يُلقَّب بحيَّة الوادي كان يقول البخاري ما استصغرت نفسي كما استصغرتها أمام علي بن المديني كان البخاري يرى نفسه صغيرًا أمام شيخه علي بن المديني علي بن المديني سُئل يومًا عن والده.
فقال: ﴿ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾، والدي ضعيف الرواية روايته غير مقبولة مع أنَّه أبوه لا يغالون، ولا يجاملون، ولا يداهن، وكذلك أبو داود ضعَّف ولده إلى غير ذلك مما هو مشهور عند هؤلاء الأئمة المنصفين الذين عرفوا قدر أحاديث النبي الكريم صلوات الله وتسليماته عليه هذه شبهات وترهات ليس هذا من تقديس عمر أو زيد وإنَّما هذا قبول للحق بفضل الله جل وعلا وأما الشق الثاني وهو الكلام عن رسول الله بأن الرسول بشر ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ويخطئ ويقول فيقبل ويرد عليه فأين أنتم من الآيات الآمرة بطاعة رسوله الناهية عن معصية رسوله ﷺ ما أحوج الأمة إلى أن تبجل رسول الله وأن تعظم رسول الله ﷺ لأنَّ تعظيم الرسول من تعظيم الله جل وعلا.
وهذا داخل في معنى: توقير رسول الله وتعزير رسول الله ﷺ أن أنس بن مالك رضي الله عنه كما في الصحيح يقول: «خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي» يخدم أنس بن مالك قال: فخدمني جرير وهو صحابي جليل وما رآه الرسول إلا تبسم ﷺ
تعظيم الصحابة للنبي ومن خدمه وتقديم هديه في الإمامة
فقال أنس بن مالك رضي الله عنه لجرير بن عبد الله لا تفعل لا تفعل هذا لماذا تخدمني. فقال له جرير بن عبد الله البجلي «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ» أنت يا أنس من الأنصار الذين كانوا يخدمون رسول الله فأنا سأخدمك لأنكم كنتم تخدمون رسول الله وتعظم رسول الله وتجل رسول الله وتنصرون رسول الله ﴿وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ (الحشر: 8) أولئك هم الصادقون مع أنَّ هذا صحابي.
وهذا صحابي. لكن جريرًا أسلم متأخرًا فيرى لأنس بن مالك، ومن كان مثله من الأنصار سابقة فضل وخير فيجل إجلالًا لرسول الله ﷺ وكذلك ها هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما عند النسائي وغيره حينما قبض النبي ﷺ قالت الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير.
فقال عمر رضي الله عنه أولستم تعلمون، أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر رضي الله عنه، أن يصلي بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدَّم أبا بكر رضي الله عنه؟ مقولة واحدة قاله عمر رضي الله عنه للأنصار وهم يقولون للمهاجرين منا أمير، ومنكم أمير. فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر الصديق رضي الله عنه لأنَّ الرسول هو الذي قدمه صلوات الله وتسليماته عليه، ولا يخفى عليكم.
يا أيها الإخوة الكرام، موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مع ﷺ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
توقير أبي أيوب للنبي وكراهته ما كرهه
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، فأبو أيوب الأنصاري كما جاء عند مسلم نزل عليه ﷺ فنزل النبي ﷺ في السفل ونزل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه في العلو. وهذا من رفق رسول الله ﷺ بأهل البيت فانتبه أبو أيوب رضي الله عنه ليلة قال نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ فتنحوا فتنحوا ومكثوا هذه الليلة ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره.
فقال له ﷺ: «السُّفْلُ أَرْفَقُ بِنَا». فقال أبو أيوب رضي الله عنه «وَاللَّهِ لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا» لا أعلو سقيفة أنت تحتها فتوجه ﷺ أو قال فتحول النبي ﷺ إلى العلو ونزل أبو أيوب رضي الله عنه في السفل، وكان أبو أيوب رضي الله عنه يصنع الطعام أو يصنع لرسول الله الطعام فيرجع ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ فإذا رد سأل أبو أيوب عن مواضع أصابع رسول الله ﷺ يتتبعها فأرسل إلى ﷺ طعامًا فيه ثوم فلم يأكل منه ﷺ فلما عاد نظر في مواضع أصابع رسول الله فأخبر أنه لم يأكل فصعد إلى ﷺ وسأله.
وقال: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: «لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ». فقال أبو أيوب رضي الله عنه «فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ» أو ما كرهت. تأمَّلوا فإني اكره ما تكره أو ما كره هكذا يقول أبو أيوب رضي الله عنه المحب المجل المبجل المعظم لرسول الله محمد ﷺ هذا الذي جعل عروة بن مسعود الثقفي يخبر المشركين بما رآه حينما رجع إليهم في صلح الحديبية.
وقال لهم «وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ» ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي «وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا» «وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ» «وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ»، وكانوا لا يُحِدُّون النظر إليه تعظيمًا له ﷺ إذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضلًا أصواتهم عنده ﷺ هذا الذي جعل عمرو بن العاص رضي الله عنه لا يتمالك، ولا يطيق أن يصف رسول الله ﷺ «وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ» تعلم الصحب ذلك وتعلم التابعون ذلك كان ابن سيرين يجالس أصحابه فيُضاحكهم، فإذا حدَّث بالحديث خشع وكان الإمام مالك يعلم الناس الفقه ويفتيهم فإذا جاء مجلس الحديث اغتسل لذلك ولبس أحسن ثيابه، وكان هشام الدستوائي إذا رأى أحدًا يضحك يقول تضحك وأنت تطلب حديث رسول الله ﷺ هذا الذي جعل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا جاء ليذكر حديث عن الرسول يخاف أن يقوله فيزيد فيه أو ينقص منه فإذا قال اصفرَّ لونه وتغيَّر شكله ثم يقول أو نحوه أو قريبًا منه أو مثله يخاف أن يزيد شيئًا في قول رسول الله أو أن ينقص عنه إنه الإجلال لرسول الله ﷺ الموحى إليه نحن لسنا نعبده لسنا نعبد رسول الله لكننا نجله تعظيمًا لله جل وعلا نعرف أن الله جعله الطريق الذي منه ندخل إلى باب الجنة ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾13 (آل عمران: 31) فطاعة الرسول سبب في دخول الجنة قال ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى» قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟» قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» فما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم إلى أن تجل رسول الله إلى أن تعظم رسول ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ سمعت حديثًا عنه فليكن هذا الحديث ملء سمعك وملء بصرك هذا هو الاحتفاء الحقيقي برسول الله هذا هو تقدير رسول الله ليس تقديره في يوم دون يوم، ولا في أسبوع دون أسبوع وإنَّما ليكن هذا حالك في هديك في سمتك في حركتك في ذهابك في إيابك في عبادتك في معاملتك تسير وفق رسول الله ﷺ اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، آمين، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرج كرب المسلمين من أهل غزة اللهم احقن دماءهم وتولَّ أمرهم وارحم ضعفهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 8-9 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 110 ↩
- آية: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 88 ↩
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
- آية: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 7 ↩
- آية: ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 63 ↩
- آية: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 44 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 9 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 31 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- المجلس الثامن - شرح وتقريب تحفة الأريب - (بدءا من كلمة أزر - أزز)
- مقدمة الآداب: آداب مع الله والرسول ﷺ
- المجلس الرابع - في رحاب آية
- وقفات مع قوله تعالى يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ - خطبة الجمعة للشيخ الدكتور محمد حامد
- قال النبي ﷺ (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى قيل ومن يأبى يا رسول الله قال من أطاعني دخل الجنة ....)
- المجلس العاشر- شرح وتقريب تحفة الأريب - (بدءا من كلمة أفل- أول)