تأملات في سورة العنكبوت
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مقدمة الخطبة وسنة الابتلاء ومحور سورة العنكبوت المكي
- افتتاح السورة بسنة الامتحان وتمييز الصادقين والكاذبين
- الشوق إلى لقاء الله وثمرة مجاهدة النفس في مرضاته
- أصناف الفتن: عاطفة الوالدين، خوف الناس، وإغواء المضلين
- عبرة مكث نوح عليه السلام والصبر على طول أمد البلاء
- فتنة الرزق والشهوات وموعظة الثبات في ختام سورة العنكبوت
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة وسنة الابتلاء ومحور سورة العنكبوت المكي
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إن رب العزة سبحانه وبحمده له سنن في خلقه، ومن هذه السنن التي لا ينبغي أن يغفل عنها العبد إننا نعيش في الدنيا في دار محن وابتلاءات وفتن فإذا علم العبد ذلك.
فإنَّ عليه أن يتسلح بسلاح الإيمان وأن يتقوَّى بقوة اليقين. نسأل الله أن يرزقنا الإيمان واليقين وإن رب العزة سبحانه وبحمده قد أنزل القرآن الكريم هدايةً لنا ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ لذلك فقد بين الله عز وجل لنا هذه الحقيقة وبين لنا أنواع الفتن التي يمتحن بها العبد في هذه الحياة حتى يكون على حذر وبصيرة من أمره ونسأل الله الإعانة والثبات، والمتأمل يجد أن سورًا عديدة من القرآن قد ضربت بحظ وفير في بيان هذه السنة بيد أن ثَمَّ سورًا من سور القرآن الكريم أُفردت لهذا المقصد لبيان سنة الله في خلقه وأنها سنة الابتلاء في تلك الحياة، ومن هذه السور الجليلة سورة العنكبوت.
فإنَّ سورة العنكبوت من أولها إلى آخرها حديث عن قضية الفتنة والابتلاء والإنسان لا يخلو في هذه الحياة من فتن وابتلاءات فما أحوجه إلى أن يتأمَّل تلك السورة الكريمة ونسأل الله، أن يثبتنا على دينه ونعوذ بالله من الافتتان، يا أيها الإخوة الكرام، سورة العنكبوت على قول أكثر أهل العلم سورة مكية نزلت قبل هجرة النبي ﷺ
وقد نقل بعضهم الاتفاق على ذلك وإن خالف في ذلك زمرة يسيرة أو عدد قليل من أهل العلم، يا أيها الإخوة الكرام، لكن سورة العنكبوت هي من آخر سور القرآن الكريم نزولًا بمكة قبل هجرة النبي ﷺ فهي تهيئ الجيل المسلم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الجيل المسلم، أنتم تعيشون فترة عصيبة وتعيشون الاضطهادات والفتن والإيذاء وستنتقل إلى أمر آخر إلى الهجرة النبوية فكونوا على وعي وإدراك.
افتتاح السورة بسنة الامتحان وتمييز الصادقين والكاذبين
ولذلك جاء فيها ذكر الخليل إبراهيم عليه السلام حين قال. ﴿وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾5 (العنكبوت: 26)، يا أيها الإخوة الكرام، إن الله جل وعلا افتتح هذه السورة المباركة بالحروف المقطعة ﴿الٓمٓ﴾. وهذه الحروف المقطعة افتتح الله بها 29 سورة من سور القرآن الكريم، وفي أغلب السور التي ورد فيها هذا الافتتاح ثنَّى الله عز وجل بعد تلك الحروف بالحديث عن القرآن الكريم وهو يقول للخلق أو كأنه يقول للخلق كلهم ها هو القرآن من الحروف التي تعرفونها فأنتم تعرفون الألف وتعرفون اللام والميم والحاء إلى غير ذلك من هذه الحروف وها هو القرآن منها فهل تستطيعون أن تأتوا بمثل القرآن في أسلوبه هل تستطيعون، أن تأتوا بمثل القرآن في بلاغته هل تستطيعون، أن تأتوا بمثل القرآن في هدايته لأنَّ كثيرًا من الناس يغفل عن
هذه الحقيقة وهي أن القرآن معجز في هدايته. كما أنَّ القرآن معجز في أسلوبه فلقد هدانا الله بهذا القرآن للطريق الأقوم. نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل فيجيء الحديث عن القرآن بعدها غالبًا لكنه في هذه السورة لم يأت الحديث عن القرآن بعدها وإنَّما قال ﴿الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾6 (العنكبوت: 2) حديث مباشر عن الفتنة مباشرةً بعد هذه الحروف الم وكان هذا مؤذنًا ببيان أن هذه حقيقة كبيرة عظيمة جليلة من أجلها خلقنا الله وهي الأمانة التي اؤتُمِنَّا عليها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾7 (الأحزاب: 72) وهي أمانة الابتلاء بالتكاليف بأن تؤمر وأن تنهى فعليك أن تمتثل ما أمرك الله به وأن تجتنب ما نهاك الله عز وجل عنه على أن السورة الكريمة إذا تأمَّلت وجدت حديثًا عن القرآن الكريم في اثنائها بفضل الله سبحانه.
بل إن فيها الآية العظيمة الجليلة التي قال الله فيها ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ هذا في هذه السورة ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾8 (العنكبوت: 51) ولذلك رد الله عز وجل على شبهات الجاحدين للقرآن في هذه السورة المباركة. فقال ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾9 (العنكبوت: 49) هذا كله جاء في سورة العنكبوت يقول ربي سبحانه وبحمده ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2) بهذا الاستفهام الذي يراد منه الإنكار ينكر رب العزة على بعض الناس الذين يتوهمون هذا الوهم. ومع ذلك جاء التعبير باللفظ العام احسب الناس لأنَّ الابتلاء عام لجميع الناس ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2) أتظن أنك لأنك وحَّدت الله وآمنت بالصادق رسول الله ﷺ أنك ستعيش في الدنيا بدون ابتلاءات بدون فتن تقول إنني آمنت بالله إذًا ربي سيكرمني إذًا ربي سيرزقني إذًا ربي سيغنيني إذًا ربي سيعافيني من الفتن؟ لا بد من الافتتان للدلالة على صدق إيمانك قال الله.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾10 (العنكبوت: 3) ففي قوله. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الدلالة على أن هذه الفتنة مستمرة ماضية، وكذلك حاضرة، وكذلك في المستقبل لأنَّها سنة إلهية وسنن الله لا تتخلف، ولا تتبدل لذلك قال الله، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾11 (محمد: 31).
وقال ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾12 (آل عمران: 186). وقال سبحانه وتعالى، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ13 وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (البقرة: 155). وقال ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾14 (البقرة: 214).
فقال. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟﴾ أي: ليُظهرن الله ما يعلمه سابقًا لأنَّ علم الله علمان علم أزلي والله جل وعلا عليم بما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وهناك علم آخر هو العلم الذي يحاسب الله العباد عليه وهو ما يظهر منهم الله لا يحاسب العبد حتى يعمل العبد فإذا عمل حوسب على عمله فمعنى ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: علمًا يترتب عليه الجزاء والثواب أو العقاب وهو يعلم سابقًا كل شيء لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 3). تأمَّل! الصدق والكذب. وقال في الآية الأخرى ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ (العنكبوت: 11) نعم إيمان ونفاق فضع نفسك في الموضع الذي تحب. إمَّا أن تكون صادقًا أمام الفتن. وإمَّا أن تكون كاذبًا. إمَّا أن تكون مؤمنًا. وإمَّا أن تكون منافقًا.
الشوق إلى لقاء الله وثمرة مجاهدة النفس في مرضاته
نسأل الله أن يرزقنا الإيمان وأن يثبتنا عليه. ثم قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾15 (العنكبوت: 4) أم حسب نعم السورة ترد على الأوهام ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟﴾. تأمَّل: أَحَسِبَ، أي: أظنَّ وتوهَّم وهنا يقول أيضًا ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ الذين يعملون السيئات في الدنيا يكفرون بالله يكذبون بآيات الله يقعون في المعاصي والفساد في الأرض أيظن هؤلاء أنهم يسبقون الله عز وجل وأن يفلتوا من عذابه؟، أن يسبقونا، أي: أن يفوتونا ويفلتوا من عذاب الله عز وجل وما هم بمعجزين قال ساء ما يحكمون.
ولذلك قال الله بعد أن ذكر عددًا من القصص في هذه السورة فذكر قصة نوح وقصة إبراهيم وقصة لوط عليهم السلام وذكر كذلك طرفًا مما يتعلق بشعيب وبصالح وهود حينما ذكر عادا وثمود قال ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ وهنا قال ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
ثم قال هناك فكلا أخذنا بذنبه ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا16 وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ (العنكبوت: 40) ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ثم تمضي الآيات المباركة ورب العزة سبحانه وتعالى، يقول ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يفتح الله الآفاق أمام قلوب المؤمنين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون لا تنظروا إلى الدنيا وحدها فالدنيا محدودة والدنيا قليلة وأمامكم عطاء الآخرة وخير عطاء في الآخرة، أن تنظر إلى ربك ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾.
نسأل الله الكريم من فضله. فقال الله ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ﴾. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ ما الذي يهون عليك أمر الدنيا ما الذي يسهل عليك أمر الفتنة ما الذي يجعلك تصبر على المرض وتصبر على الفقر وتصبر على كل الابتلاءات أنك ترجو لقاء الله سبحانه وتعالى. وقد قيل إن هذه الآية هي أعظم آية فيما يتعلق بالشوق إلى لقاء الله ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ﴾.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ فهو يقول لك: أبشر، عما قريب ستلقون ربكم تتمتعون بالنظر إلى وجه الله الكريم. وقد كان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، يسأل ربه «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» فنسأل الله الكريم ذلك مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ تذكر لقاء الله سبحانه وتعالى، وتذكر «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ» فماذا تقول لربك غدًا وما الذي تنتظره من ثواب الله، ومن لقاء الله.
نسأل الله ألَّا يحرمنا فضله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾17 (القيامة: 22-23). ثم قال الله سبحانه، ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سورة الحديث عن الفتن والجهاد أمام الفتن كل فتنة تحتاج إلى جهاد نفسك تجاهد نفسك، تجاهد الكفار، تجاهد النفس الأمَّارة بالسوء تجاهد الشيطان الرجيم عدو داخلي وعدو خارجي كل ذلك يحتاج إلى جهاد، واعلم أنك حينما تجاهد فإنَّ الله غني عنك.
فقال، ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وختم الله السورة أيضًا بقوله ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾18 (العنكبوت: 69). تأمَّل! أول السورة حديث عن مجاهدة النفس وآخر السورة وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وتأمَّل! قوله لم يقل والذين جاهدوا فينا لنهدينهم فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ قال لنهدينهم سبلنا لأنَّ سبل الخير كثيرة وجماعها توحيد توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وكذلك يُستفاد من ذلك أن الإنسان إذا صدق في جهاده.
فإنَّ الله عز وجل لا يُسلِّمك من الفتنة التي جاهدت فيها فحسب وإنَّما يسلمك منها، ومن غيرها ويفتح لك الأبواب لذا جمع. فقال لنهدينهم سبلنا فأنت تجاهد في باب فيفتح الله لك الأبواب كلها أعني من أبواب الخيرات والبركات. نسأل الله الكريم من فضله ثم تمضي بنا الآيات المباركة ويذكر الله حال المؤمنين الذين يعملون الصالحات وما وعدهم الله به من تكفير السيئات والجزاء بأحسن ما كانوا يعملون ثم ذكر الله لنا فتنة تتعلق بالإنسان في أسرته لأنَّ الفتن متنوعة فهناك فتنة تكون في داخل البيت وفتنة تكون في خارج البيت وفتنة تكون من داخل نفسك وفتنة تكون من خارجك.
وهذا كله موجود في السورة المباركة.
أصناف الفتن: عاطفة الوالدين، خوف الناس، وإغواء المضلين
فقال الله بعد ذلك ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى19 مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ﴾ (العنكبوت: 8) ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الله أكبر أنها فتنة تتعلق بالأبوين وأنت مأمور ببرهما ومأمور بالحنو عليهما والإحسان إليهما وخفض الجناح لهما فماذا لو أمرك الأبوان بالشرك والكفر بالله رب العالمين فتنة وأي فتنة فتنة أن الأبوين أو أحدهما يدعوان أو يدعو أحدهما ابنهما إلى الشرك والكفر بالله سبحانه.
فقال وإن جاهداك، ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ﴾ فتنة كبيرة في داخل البيت أن ترى الحرب عليك من أقرب الناس إليك. وقد وقع ذلك لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما في صحيح مسلم حينما قالت له أمه والله لن أكلمك حتى تكفر بدينك، ولن آكل ولن أشرب، حلفت ألَّا تأكل ولا تشرب، ولا تكلم ولدها حتى يكفر بدينه، أن يكفر بالإسلام.
وقالت له: ألست تقول إن دينك يأمرك أو يوصيك بالوالدين؟ فأنا آمرك بذلك، وهو مُصِرٌّ على إيمانه وتوحيده لله رب العالمين مكثت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب حتى غُشي عليها وهو لا يترك دينه فأعطاها ولدٌ لها يقال له عمارة فشربت فدعت على سعد فأنزل الله الآية ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ﴾ أنها محنة أنها فتنة ثم تذكر السورة المباركة فتنة أخرى لا تتعلق بجانب العاطفة، ولا بجانب الأسرة من داخلها وإنَّما من جانب آخر وهو، أن يفتتن الإنسان باصحاب السوء أو أن يفتتن الإنسان بمن هو أعلى منه في المكانة الدنيوية بمن هو أعلى منه فينبغي عليه أن يقلده، وكذلك بينت لنا السورة الكريمة فتنة أخرى تتعلق بالعذاب والخوف يخاف من بطش الناس يخاف من عذاب الناس.
فقال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾. تأمَّل! جعل فتنة الناس أي: جعل عذاب الناس كعذاب ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وأين عذاب الناس الضعيف أمام عذاب الله القوي المتين؟ هذه فتنة فبعض الناس يفتن من أجل العاطفة من أجل المحبة بعض الناس يفتن من أجل الخوف من أجل أن يذهب منه منصبه أو من أجل أن يذهب منه ماله أو ما أشبه ذلك فبينت السورة الكريمة الفتنة بهذا والفتنة بهذا.
وقال الله أيضًا ذاكرًا قول الذين كفروا للذين آمنوا. ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن شَىْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ يقولون اسمعوا كلامنا استجيبوا لنا لا يضركم نحن نتحمل عنكم أنها صحبة السوء الذي يغري غيره ويريد منه أن يضله فإذا استجاب له صار ضالًا من الضالين.
نسأل الله السلامة والعافية تمضي بنا السورة المباركة
عبرة مكث نوح عليه السلام والصبر على طول أمد البلاء
فحدثنا الله عن نوح عليه السلام وإن تعجب فإنَّ الله لما ذكر قصة نوح في سورة العنكبوت لم تتجاوز آيتين. وقد فصل الله القول في قصة نوح في سورة نوح هناك سورة كاملة تسمى بسورة نوح وقصة نوح موجودة بقوة وظهور في سورة هود. لكن الله في سورة العنكبوت أوجز لكنه ذكر شيئًا لم يذكره في سور القرآن الكريم كله ﴿إِلَّا﴾ وهو المدة التي مكثها نوح في الدعوة إلى الله.
فقال. ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ هذه المدة غير موجودة في القرآن إلا في هذه السورة، وكأن الله يقول: إذا طالت عليكم المدة في الابتلاء فاصبروا فها هو نوح أول رسول بعثه الله يبتلى هذه الابتلاءات الشديدة ومكث هذه المدة الكبيرة.
ومع ذلك ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ لأنَّ كثيرًا من الناس يفتنون بسبب الوقت يكون على الطاعة وهو ينتظر الفرج وينتظر الغنى فيطول عليه الأمد فيقول: صليت منذ كذا وكذا وأنا أتقي الله منذ كذا وكذا وزميلي ارتقى وترقى وزاد راتبه وأنا لا ارتشي، ولا أقبل حرامًا وما زلت في مكاني كما يقولون: محلَّك سِرّ لكنه نسي أن المدة ليس عليها التعويل وإنَّما هو في ازدياد قربٍ من الله لكنه يغفل عن ذلك.
نسأل الله الثبات أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فتنة الرزق والشهوات وموعظة الثبات في ختام سورة العنكبوت
فيا عباد الله، تستمر معنا السورة المباركة وتمضي فيذكر الله لنا طرفًا من قصة الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾20 (العنكبوت: 16). تأمَّل! ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ وتخلقون، أي: تكذبون وتفترون أو. المعنى تصنعون بأيديكم ما تعبدونه ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾.
ثم قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾21 (العنكبوت: 17) أنها الفتنة المالية الفتنة التي تتعلق بأرزاق الناس كثير من الناس يهتزُّون حينما يُؤتى على باب رزقهم فذكرها الله عز وجل في قصة الخليل إبراهيم وتأمَّل! قوله ﴿فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ لم يقل فابتغوا الرزق عند الله لأنَّ «عند الله» حقُّها التأخير فتقدَّمت وعلماء البلاغة يقولون: إذا تقدَّم ما حقُّه التأخير أفاد الحصر والقصر أي: فابتغوا عند الله وحده الرزق لأنه الذي يملكه سبحانه وتعالى.
ولذلك جاء في آخر السورة ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ تقرير قضية الرزق لأنَّ كثير من الناس يفتن بعض الأغنياء يفتنون. بل كثير منهم وكثير من الفقراء يفتنون لذلك قال الله ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾22 (الأنبياء: 35) فإذا أعطي العبد المال فتن إلا من رحم الله وإذا سلب منه المال افتتن إلا من رحم الله.
وقال ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذا ذكره الله عز وجل في السورة المباركة ثم ذكر الله ما توعَّدوا به الخليل إبراهيم. فقال ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾23 (العنكبوت: 24). تأمَّل! أو حرقوه. وهذه هي الفتنة في معناه الحقيقي. فإنَّ أصل مادة الفتنة أن يوضع الذهب على النار فحينئذ يتميز الرديء من الجيد أو يتميز الجيد من الرديء، وكأنك تُمتحن تمحيصًا حتى يظهر ما فيك من خير وحتى تصفو من الكدر الذي قد وقعت فيه أو وقع منك.
نسأل الله السلامة. وأما الخليل إبراهيم فأُلقي حقيقةً في النار وأنجاه الله إذ قال ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾24 (الأنبياء: 69)، يا أيها الإخوة الكرام، لا أريد الإطالة عليكم بعد ذلك جاءت قصة لوط عليه السلام ما جريمة قومه إنهم أتوا هذه الأفعال الرذيلة مما كانوا يصنعون ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ﴾ هذه فتنة أخرى الفتنة بالنساء الفتنة بالشهوات الفتنة كذلك بالشذوذ الجنسي.
نسأل الله السلامة والعافية. هذه فتن تعرضت لها السورة المباركة لتبين، أن بعض الناس يفتنون من أجل شهواتهم ثم قصت علينا السورة بعض المجادلات. وهذه فتنة أخرى، ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ لأنَّ بعض الناس يفتن بسبب مناظرته بسبب مجادلته إذا لم يُعط علمًا فبينت السورة الحذر من ذلك ثم جاء أيضًا في آخر السورة المباركة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ذكر نعمة الأمن لأنَّ بعض الناس يُبتلى ويُفتن في هذه النعمة إذا سُلب منه الأمن وصار خائفًا افتُتن فنسأل الله أن يؤمِّننا في أوطاننا.
يا أيها الإخوة الكرام، هذه السورة المباركة راجعوا واقرؤوها وكذا اقرؤوا غيرها من سور القرآن حينئذ يثبتنا الله عز وجل أمام كل محنة وأمام كل فتنة وصدق الله إذ ختم السورة. فقال ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69) اللهم اهدنا سبلك، اللهم اهدنا سبل السلام اللهم اهدنا سبل السلام واجعلنا من المحسنين اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمنا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسِّلم والسلام، يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرِّج كرب المسلمين في غزة اللهم ارحم ضعفهم واحقن دماءهم وتولَّ أمرهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 26 ↩
- آية: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 2 ↩
- آية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 72 ↩
- آية: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 51 ↩
- آية: ﴿بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 49 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 3 ↩
- آية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 31 ↩
- آية: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 186 ↩
- آية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 155 ↩
- آية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 214 ↩
- آية: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 4 ↩
- آية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 40 ↩
- آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 22-23 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 8 ↩
- آية: ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 16 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 17 ↩
- آية: ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 35 ↩
- آية: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 24 ↩
- آية: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 69 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)