تأملات في سورة الحجرات
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- سورة الحجرات مدرسة الآداب والنداءات الإيمانية الخمسة في القرآن
- مقتضيات الأخوة الإيمانية والنهي عن السخرية والاستهزاء بالخلق
- حرمة السخرية بالفعل والإشارة وإنكار النبي لعائشة وأبي ذر
- حرمة لمز النفس والتنابز بالألقاب وبشاعة الفسوق ووجوب التوبة
- حرمة ظن السوء وعظمة عرض المؤمن وجزاء التجسس بالفضيحة
- شناعة الغيبة كأكل لحم الأخ ميتاً والحالات الست المستثناة
- ميزان التفاضل في ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) وخيرية
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة الحجرات مدرسة الآداب والنداءات الإيمانية الخمسة في القرآن
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، حين سُئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن خلق نبينا محمد ﷺ قالت لمن سألها «أولست تقرأ القرآن؟» قال لها: بلى، قالت:
«فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ» ﷺ وقد زكى الله رسولنا محمدًا ﷺ فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾5 (القلم: 4) فإذا أراد المسلم أن يتعلم الأخلاق وأن يتأدب بآداب النبوة فعلية بالقرآن الكريم فإنَّه سيجد فيه الأدب والخلق القويم وما أحوج الأمة إلى ذلك. وقد قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، «﴿أَنَّمَا﴾ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي لفظ «﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأخلاق» ونحن في لقائنا هذا.
يا أيها الإخوة الكرام، على موعد مع آيات مباركات من سورة جليلة عظيمة سماها عدد من العلماء بسورة الآداب لأنَّها حوت جملة كبيرة من الآداب والأخلاق تعلم الإنسان الأدب مع الله وتعلَّمه الأدب مع رسول الله ﷺ تعلَّمه الأدب مع المسلمين. بل وتعلَّمه الأدب مع الناس أجمعين إنها سورة الحجرات ونأخذ منها ما ييسر الله ويفتح بدءًا بقول الله جل ذكره ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾6 (الحجرات: 11) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾7 (الحجرات: 12) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾8 (الحجرات: 13).
مقتضيات الأخوة الإيمانية والنهي عن السخرية والاستهزاء بالخلق
يا أيها الإخوة الكرام، المتأمِّل في سورة الحجرات يجد أن رب العزة سبحانه وبحمده قد نادى فيها أهل الإيمان بخمس نداءات صريحة افتتحها الله بقوله يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا. فقال: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ﴾ ورسوله يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَوْمٍ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾.
وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا سمعت يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا فأرعها سمعك فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه إذا سمعت إلى هذا النداء اللطيف إلى هذا النداء الشريف من الرب الكريم اللطيف فاقبل عليه واعلم أنه يناديك بهذا الوصف الجليل الذي. نسأل الله أن يثبتنا عليه وأن نلقاه ونحن على الإيمان.
نسأل الله الثبات والتوفيق يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا. إمَّا أن يأمرنا الله بعده. وأما أن ينهانا الله بعده حتى ما جاء على خلاف ذلك فهو على معنى ذلك وتقديره كقوله في سورة الصف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فجاء بعد النداء استفهام بيد أنه بمعنى النهي لأنَّ المراد لا تقولوا ما لا تفعلوا وهنا قال: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ.
وهذه الآية الجليلة ذكرها الله سبحانه بعد القاعدة العظيمة التي ينبغي أن يعلِّمها المسلم وألا يغفل عنها إلا وهي حقيقة الإخوة الإيمانية. فقال الله عز وجل قبلها ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾9 (الحجرات: 10) والحديث عن الإخوة الإيمانية طويل بيد إنني أردت أن ابتدئ بالآيات التي جاءت بعد للحديث عن بعض ما نهى الله عز وجل عنه عمليًا وهو يقع في أحوال الناس، وفي أفعالهم إلا من رحم الله رب الناس ﴿أَنَّمَا﴾ المؤمنون إخوة فإذا زعمت وقلت أنا اعترف بإخوتي للمؤمنين وأن المؤمنين إخوتي وأنا أخوهم فنقول لك ما دليل ذلك ما علاماته ما برهان ذلك لكل دعوة دليل فإذا ادعيت أنك تطبق ما أمرك الله به من هذه الأخوة الإيمانية الغالية العظيمة الجليلة التي كان بعضهم لا يريد البقاء في الدنيا إلا من أجلها مع ظمأ الهواجر والقيام بالليل إذا كنت تريد أن تقول أنك كذلك فأين برهان ذلك جاء الله عز وجل ببعض النواهي والأوامر ليبين لنا أين نحن منها.
فإنَّ كنا لها محققين فالحمد لله هذه علامة على اخوتك الصادقة يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ﴾ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ نهى الله عز وجل عن السخرية فالمؤمن ليس من دأبه السخرية وليس من دأبه الاستهزاء ﴿أَنَّمَا﴾ الاستهزاء صنيع غير المؤمنين. نسأل الله سلامة فأهل النفاق يسخرون من أهل الإيمان، وكذلك أهل الشرك يسخرون من أهل الإيمان. وأما المؤمن فكما علمنا الرسول الأكرم ﷺ المؤمن ليس بالطعان، ولا باللعان فالمؤمن ليس من دأبه الطعن، ولا اللعن، ولا السب، ولا السخرية، ولا الاستهزاء يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ، ولم يقل لا يسخر أحد من أحد ﴿أَنَّمَا﴾ قال قوم من قوم لأنَّ السخرية في غالب.
الأمر ﴿أَنَّمَا﴾ تظهر بحضرة الناس ولربما تواضع إنسان لاخر حينما يخلو به فإذا كان أمام الناس إذًا به يتحول عما كان يصنع فيسخر منه يريد بذلك أن يظهر عزته وقوته وغلبته لمن يسخر منه. فقال ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ لأنَّ هذه السخرية يكون ضررها أشدّ في حالة اجتماع الناس وأيضًا ففيها معنى شريف ولطيف وهو، أن بعض الناس تقع منهم السخرية بالنظرة إلى المجموع أو إلى الجميع كما لو سخرت قرية من قرية أو سخر بلد من بلد أو أمه من أمه وإنَّما أهل الإيمان قلوبهم واحدة متفقة لا يسخر بعضهم من بعض «أَبِي الْإِسْلَامُ لَا أَبَ لِي سِوَاهُ إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ» فهو يرى أنَّ أخاه المسلم في مشارق الأرض ومغاربها له حق عليه لا يسخر منه ولا يستهزئ به ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾.
حرمة السخرية بالفعل والإشارة وإنكار النبي لعائشة وأبي ذر
وهذه السخرية قد تكون قوليه. وقد تكون فعلية قد تكون بالإشارة بأي وجه وقعت السخرية به فإنَّه منهي عنها قال ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾. ولذلك. فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يسكت عما وقع من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي الصديقة العفيفة الطاهرة المبرأة حينما قالت للرسول «حسبك من صفية» وأشارت إلى أنها قصيرة.
فقال الرسول ﷺ «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» أي: لوثته أو لنجسته. فتأمَّل! ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم كيف أن الرسول الكريم ﷺ لم يسكت عن عائشة رضي الله عنها مع أنَّها تتكلم. بل تشير إلى صفيه على أنها قصيرة وهي ضرتها ويقع بين الزوجة وضرتها ما لا يقع بين غيرهما ومع ذلك لم يتجاوز الرسول الأكرم ﷺ عن شيء من ذلك يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ.
وهذا هو البرهان ما الذي يمنعك من السخرية من الخلق هل تعلم أنك أفضل من غيرك هل حكمت لنفسك بأن الله يرضى عنك ويسخط على هذا الذي تسخر منه ما الذي يؤمنك من مكر الله سبحانه ما الذي يدريك أنه سيختم لك بخير ما الذي يجعلك توقن أنك من المؤمنين وانك من الصالحين المقبولين عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ كم من شخص سخر من آخر وكان المستهزأ به أفضل ممن استهزأ به ما تدري عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ لأنَّ المقياس والميزان عند الله يختلف عن موازين الناس ومقاييس عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ ما يدريك لذلك جاء بعد ذلك، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ قال ﴿وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ نهى النساء كذلك عن، أن تسخر واحدة منهن من الأخرى مع أنَّ الله لو قال ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن﴾ يكون يكون خير يكونوا خيرًا منهم، ولم يذكر النساء لقلنا أن النساء داخلات لأنَّ الرجال يغلب ذكرهم في القرآن الكريم فإذا جاء.
الأمر إلى الرجال دخل فيه النساء بالتغليب. وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿أَنَّمَا﴾ النساء شقائق الرجال فالأصل أن الحكم الذي يسري على الرجل يسري على المرأة إلا إذا ورد ما يدل على اختلاف في الحكم بينهما. لكن مع ذلك صرح الله. فقال، ولا نساء من نساء لم يكتف بقوله ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ وإنَّما جاء التصريح قال عدد من أهل العلم لأنَّ السخرية في النساء أكثر، ولأن السخرية فيهن متأصلة فالنساء يقع منهن السخرية كثيرًا فناسب هذا أن يأتي التأكيد للحكم والتصريح به ولا يكتفي بالإشارة أو بدخولهن في حكم الرجال.
فقال، ﴿وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ وقوله: قوم من قوم وقوله:، ولا نساء من نساء دلالة على. المعنى العام فأي قوم وأي نساء لا يجوز لهؤلاء، ولا لأولئك، أن تقع منهم السخرية هكذا علمنا الله سبحانه وتعالى. بل أن الرسول الأكرم صلوات ربي وتسليماته عليه حينما رأى أبا ذر الغفاري رضي الله عنه كما في الصحيحين راه.
وقد سب رجلًا ونال منه. فقال له اعيرته بامه أنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم أي: خدمكم «جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ» فمن كان إخوة تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسوا مما يلبس، «وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ». فإنَّ كلفتموهم فأعينوهم الوصية أوصى بها الرسول الأكرم ﷺ أبا ذر الغفاري لذلك لما لقيه المعرور بن سويد بالربذة الغفاري رضي الله عنه فلم يفرق الرسول في هذا الأمر. بين السيد والعبد حتى العبد لا يسخر منه العامل الذي يعمل عندك ليس لأنك المدير أو المشرف أو رئيس العمل لك، أن تسب وأن تقول وأن تسخر لا ما يدريك رب عامل كان أفضل من رئيسه ما يدريك لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ﴾ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: ولا تعيبوا المسلمين فقوله: لا تلمزوا من اللمز وهو العيب.
حرمة لمز النفس والتنابز بالألقاب وبشاعة الفسوق ووجوب التوبة
وقال، ولا تلمزوا أنفسكم لم يقل ولا تلمزوا إخوانكم مع أنَّ هذا هو المقصود بالآية الكريمة لكنك إذا لمزت أخاك فكأنَّما لمزت نفسك فمن يرضى أن يلمز نفسه، أن القرآن الكريم في غير ما موضع يجعل الأخ ك النفس ليذكرك بنفسك فكما أنك لا تعتدي على نفسك فلا تعتدي على غيرك ﴿لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾10 (النور: 12)
والمراد باخوان فجعل الأخ نفسًا لأنك إذًا اسات إليه فقد اسات إلى نفسك. فقال، ولا تلمزوا أنفسكم لا تعيبوا الناس لماذا تعيبون غيركم. أما عندك ما يكفيك يمنعني من عيب غيري الذي اعلَّمه عندي فوق العيب عيبي لهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريبي أن كانت عيوبي قد غابت عنهم فقد احصى عيوبي عالم الغيب أنت بادر بنفسك ومحك جلدك مثل ظفرك.
﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ ولربما أثنى عليك خلق وأنت لا تستحق الثناء قال الله، ﴿وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ﴾، ولا تنابزوا بالألقاب أي: ولا تتداعى بالألقاب التي تكرهونها أي: لا يدعو أحدكم الآخر بلقب يبغضه ويكرهه فالواحد منا له اسم يعرف وله اسم يحب أن ينادى به فإذا علمت أن أخاك له لقب.
وهذا اللقب لا يحب أن ينادى به فلا تناده به. وقد جاء في رواية أبي جبيره عن ابن أبي جبيره ابن الضحاك والسند محتمل للاختلاف في صحبته، أن ﷺ لما قدم المدينة وجد كثيرًا منهم يلقب بأكثر من لقب ويُسمَّى بـ أكثر من اسم فربما دعا الرجل باسم. فقالوا: يا رسول الله ماه أنه يكره هذا الاسم فأنزل الله عز وجل الآية يعلمنا الله، ولا تنابزوا بالألقاب لا ينبغي لك أن تدعو أخاك بلقب يبغضه بلقب يكرهه وأن مدع بالاسم الذي يحبه، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ قال كثيرون.
المعنى بئس أن تسمى بالفاسق بعد أن تسميت ووصفت بالمؤمن لأنك إذًا عصيت الله فأنت بالمعصية تقع في الفسق سلمنا الله وإياكم والمعنى إذًا عبت غيرك إذا لمست غيرك إذًا سخرت من غيرك فلربما صرت من الفاسقين بعد أن كنت من المؤمنين فمن يرضى لنفسه، أن ينزع عنه لباس الإيمان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن حافظ على إيمانك حافظ على لقبك.
فهذا أعظم ما تملك أعظم ما تملك، أن تكون مؤمنًا وأن تلقى الله مؤمنًا أن تكون ممن رضي الله عنه وأن تلقى الله. وقد رضي عنك فحافظ على هذا الوسام على هذا اللقب الجليل لقب الإيمان قال الله سبحانه ﴿بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ﴾. وهذا أفضل ما يوصف به الإنسان أفضل ما يوصف به العبد أن يكون مؤمنًا من المؤمنين.
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ وهناك قول آخر في معناه أي: بئس أن تسمي أخاك بالفاسق بعدما تسمى بالمؤمن هو مؤمن لما تدعه لما تدعوه بالفاسق فمثلًا الشخص الذي أذنب ذنبًا ثم تاب إلى الله منه لا تعيره بذلك الذنب فلا تقل له انسيت أصل ك انسيت فصلك أنت فلان. وقد كنت تفعل وتفعل ما لك.
ولهذا لا تسميه بالفاسق. وقد تسربل بسربال الإيمان وصار من أهل الإحسان بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ كأن تقول للرجل يا فاجر يا فاسق وهو قد تاب إلى الله فلم تعيره بهذا الذنب، ولما تدعوه بهذا الاسم وإنَّما ذكره بالله ليتوب إلى الله وإذا كان قد تاب فما لك وله والله قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فمالك، ومَنْ يحبه الله إذًا أحب الله عبدًا فما عليك إلا أن تحب هذا العبد أقول ما تسمعون وأستغفر الله عليه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد قال الله سبحانه، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ دعوة صريحة وجلية إلى التوبة النصوح.
جعلنا الله من التائبين. وقد قسم الله الناس إلى قسمين لا ثالث لهما. القسم الأول التائب والقسم الثاني الظالم فدل ذلك على وجوب التوبة لأنَّ الله قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ وترك الظلم واجب والوقوع فيه محرم فالتوبة إذًا كثر. الأمر بها في القرآن. وقال الله ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾11 (النور: 31) ثم نادى الله المؤمنين نداء آخر شريفًا جليلًا.
حرمة ظن السوء وعظمة عرض المؤمن وجزاء التجسس بالفضيحة
فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ أي: اجتنبوا الظن السيء اجتنبوا الظن الذي لا يقوم على حجة أو مستند وﷺ كما جاء عند البيهقي في شعب الإيمان من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو حسن بشواهده ﴿وَقِيلَ﴾ أنه موقوف ﷺ نظر إلى الكعبة يومًا.
فقال لها ما أعظمك وما أعظم حرمتك، ولا المؤمن أعظم حرمه عند الله منك، أن الله حرم منك واحدة وحرم من المؤمن ثلاثًا حرم من المؤمن ماله ودمه وأن يظن به ظن السوء أن تظن بأخيك ظن السوء هذا محرم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ أي: هذا الظن السيء والرسول قال «إياكم والظن، فإنَّ الظن أكذب الحديث» وأنت ربما ظننت ففعلت فظلت وأسرفت في المعصية ونسأل الله السلامة.
لكن الحق سبحانه قال ﴿ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾، ولم يقل اجتنبوا كل الظن قالوا: لأنَّ هناك ظنا حسنًا فهو مطلوب ﴿ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فكونك تدفع عن أخيك المسلم لعلمك بصلاحه لعلمك بأنه على التقى والإيمان فإذا بلغك عنه خبر لا يحسن، أن يقع منه دافعت عنه وظننت به ظن الخير. فهذا مطلوب لذلك قال ﴿ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾، ولم يقل اجتنبوا كل الظن وثمة فائدة أخرى وهو، أن أهل الفسق والفجور يريدون على أنفسهم الظنون السيئة فالإنسان المعروف بالفجور يظن به ظن السوء ولربما كان المؤمن حينئذ معذورا فمثلًا إذًا عرف إنسان بالكذب فأخبرنا بخبر فإنَّه لا شك، أن الناس سيظنون فيه ظن السوء لأنه أوقع نفسه في ذلك بسبب ما عليه من فجور.
أما مستور الحال والمؤمن المعروف خيره وفضله فلا يظن به ظن السوء قال الله ﴿ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾، إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ولم يقل أن كل الظن اثم. ثم قال ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، ولا تجسسوا، ولا تجسسوا أي: لا تتبعوا عورات المسلمين فالتجسس تتبع العورات وفرق بعضهم بين التحسس والتجسس فالتحسس يكون بالسماع لما لا يجوز لك، أن تسمع أو لما يكره الناس منك، أن تسمعه والتجسس يكون بالنظر بأن تنظر إلى شيء لا يريد غيرك، أن تنظر إليه.
وقد جاء عن النبي ﷺ في حديث أبي برزه الأسلمي رضي الله عنه «يا معشر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من اتبع عورة المسلمين اتبع الله عورته، ومَنْ يتبع الله عورته يفضحه في بيته» الفضيحة إذًا تتبعت عورات المسلمين فضحك الله على رؤوس الأشهاد.
نسأل الله السلامة، ولا تجسسوا. والمراد به تتبع عورات المسلمين بدون سبب شرعي. وأما أن يتفقد الأب أولاده مثلًا إذا وجدت ريبه كان يجد الأب من ابن سلوكًا غير قويم فينظر إلى حاله ويتتبع أخباره. فهذا ليس بداخل في المنهي عنه. وذلك أنَّ التجسس يطلق في باب الشرع، ومنه الجاسوس فالتجار. وأما إذا كان لمصلحة هذا الإنسان فلا بأس بذلك والله أعلم قال الله، ولا تجسسوا.
شناعة الغيبة كأكل لحم الأخ ميتاً والحالات الست المستثناة
ثم قال ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ والغيبة فسرها الرسول الأكرم ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال ﷺ «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «الغيبة ذكرك أخاك بما يكره. قيل: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أكره؟ قال: إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» وهذا معناه: أن الغيبة تقع إذا قلت: في غيرك ما يكره ولو كان فيه لأنه لا يجوز لك أن تؤذي غيرك بشيء ولو كان فيه إلا إذا كان لسبب شرعي كان تكون ناصحا له وإذا كنت ناصحا له فلا تكن فاضحًا له فلتذهب إليه ولتنصحه. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام، ذكرك أخاك بما يكره فإذا كره أخوك شيئًا فلا تغتب، ولا تتكلم في حقه بشيء يكرهه لأنَّ هذا يسخط الله سبحانه وتعالى، عليك.
ولذلك في حديث أبي برزه المتقدم والثالث قال لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم قال ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم﴾ ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. تأمَّل! هذا المثل. وهذا التشبيه الذي ذكره الله لينفر من الغيبة بأكمل صورة واجلى وأوضح سبيل منى يحب ﴿أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ أن الواحد منا لا يرضى لنفسه، أن يأكل ميته فكيف لو كانت الميتة إنسانًا وكيف لو كان الإنسان أخاك، أن الواحد منا لا يرضى لنفسه، أن يأكل ميته فكيف لو كانت الميتة إنسانًا لا حيوانًا وكيف لو كان هذا أخاك وليس بغيره ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فإذا كنتم تكرهون ذلك فاكرهوا الغيبة، وفيه أيضًا معنى اللطيف وهو، أنَّ الإنسان إذا أكل من الميتة.
فإنَّ الميتة لا تدفع عن نفسها ضرا ولا تعرف ماذا تصنع بها وأنت تلوكها بلسانك، وكذلك من تغتابه لا يشعر بك ولا يدري عنك. لكن الله يحاسب العبد على ما صنع قال الله فكرهتموه ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾، ومن اتقى الله ترك المعاصي والمنكرات. وقد نص العلماء على أن الغيبة قد تباح في بعض الأحوال هذه الأحوال جماعها المصلحة الشرعية كما لو كان في باب النصيحة فلو أن شخصًا اتاك يريد أن يخطب فلانًا لابنته يريد أو قد تقدَّم فلان لابنته فيريد أن يسألك.
بل يسألك ويقول لك: ما تقول في فلان هل نوافق به أو عليه وأنت تعرف أنه ليس على الصلاح حينئذ تنصح له وتحذره من. فهذا من النصيحة للمسلمين، ولا يقع في الغيبة المحرمة كذلك في باب الاستفتاء إذا ذهب المستفتي إلى المفتي. فقال له فلان فعل معي كذا وكذا أو شكت الزوجة زوجها إلى المفتي لتسأله ولتقول له ماذا أصنع.
كما أنَّ هندا شكت أو قالت لرسول الله مستفتيا في شأن أبي سفيان، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني فهل عليَّ من جناح أن آخذ من ماله بغير علمه؟ هي تذكر للرسول ماذا تصنع أبو سفيان رجل شحيح يمنعها عن بعض ما تحتاج إليه فقولها: رجل شحيح في الأصل غيبه لكنَّها جازت من أجل المصلحة، وكذلك في باب التظلم، وفي باب الجرح والتعديل والتحذير من أهل البدع، وكذلك التحذير من أهل الفجور والمجون كما لو عرف شخص بأنه فاسد فاسق يفسد في الأرض ويعيثون ويسرف على نفسه ويفسد الشباب فيحذر من حاله.
ميزان التفاضل في ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) وخيرية
فهذا ليس من الغيبة المحرمة كذلك في باب الشهادة قال الله ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾، أن الله تواب رحيم ثم ختامًا قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13) هذا هو المقياس هذا هو ميزان التفاضل ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾، أن الله عليم خبير.
ولذلك سُئل الرسول من أكرم الناس قال اتقاهم، ولما دخل على الرسول رجل كما في حديث سهل عند الشيخين. فقال الرسول ما تقولون في فلان قالوا فلان حري أن خطب أن يخطب وأن نكح أن ينكح وأن قال أن يستمع وأن شفع أن يشفع رجل غني ثم دخل رجل آخر قال ما تقولون فيه قالوا هذا حري أن خطب إلا يخطب وأن نكح إلا ينكح وأن قال إلا يستمع إنسان فقير لا يلتفت الناس إليه.
فقال الرسول لهذا خير من ملء الأمر من مثل هذا يقصد أن الفقير خير من ملء الأمر من مثل الغني لأنَّ المقياس عند الله ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾. وقد قال الرسول الأكرم، إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فإذا جمع العبد مع الغنى التقوى. فهذا حسن إلى حسن «نعم المال الصالح للمرء الصالح» اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرج كرب المسلمين في غزة اللهم ارفع عنهم البلاء والوباء يا ذا الجلال والإكرام اللهم ارحم ضعفهم واحقن دماءهم وتولَّ أمرهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 11 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 12 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 10 ↩
- آية: ﴿لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 12 ↩
- آية: ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 31 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)