الهجرة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة ومحاسبة النفس والاعتزاز بالتأريخ الهجري
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
عالية خفاقة، يا أيها الإخوة الكرام، ومع انتهاء عام سابق ومقدم عام جديد على المسلم، أن يحاسب نفسه فإنَّها صفحة تطوى وصفحة تبدأ، وعلى المسلم العاقل أن يتفطن لذلك وأن يكون محاسبًا لنفسه فعليه أن يبتدئ هذا العام الجديد بالتوبة النصوح والأوبة إلى الرب الكريم ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾2 (الزمر: 53) ﴿لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ﴾ جم تمر الأيام سريعًا، وتتبعها الشهور، وتتعاقب السنون، ويموت أشخاص وتنتهي آجالهم، فإذا جاءت ﴿أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
فاعمل أخي الكريم في هذه الحياة قدر استطاعتك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفوت الأوان، وقبل أن يقول القائل ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾3 (المؤمنون: 99-100). إنَّ العبد العاقل هو الذي يحاسب نفسه دومًا يستعد للقاء الله جل وعلا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ» كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام قال عز من قائل يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾4 (الحشر: 18) يا أيها الإخوة الكرام مضى عام كامل ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر مات فيه من مات وعاش فيه من عاش أعز الله فيه أقوامًا وأذل فيه آخرين أعطى الملك لأقوام وسلب الملك من آخرين ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، نستقبل هذا العام الهجري الجديد علينا أن نستشعر فيه قيمة هذا التأريخ الهجري الذي كان مصدر عزة أو علامة عزة للمسلمين الاعتزاز بتاريخهم والاعتزاز بتراثهم فنحن.
يا أيها الإخوة الكرام، نعرف ذلك التاريخ الهجري فنقول في سنة كذا من الهجرة انتصر المسلمون، وفي سنة كذا من الهجرة انتصر المسلمون وحقق المسلمون وأعداء الدين أرادوا أن يُغيِّبونا عن تاريخنا المجيد العريق العظيم فعودة صادقة إلى هذا التاريخ الهجري الذي علينا أن نعتز به فنقول بداية تاريخنا من كذا من الهجرة ولد ولدي في يوم كذا من الهجرة في سنة كذا من الهجرة ومات فلان في سنة كذا من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، إن الأشهر الهلالية القمرية هي التي أناط بها الإسلام أحكامًا ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾5 (البقرة: 189) فشهر رمضان من الأشهر الهجرية وشهر ذي الحجة كذلك من الأشهر الهلالية، وكذلك أشهر الحج ﴿أَنَّمَا﴾ هي في الأشهر الهلالية أو الشهور الهلالية فما أجدرنا.
تأسيس التقويم الهجري في عهد عمر وابتداؤه بالمحرم
يا أيها الإخوة الكرام أن نعتز بتاريخنا وتراثنا. وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا6 فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (التوبة: 36) يا أيها الإخوة الكرام يحتفل المسلمون في هذه الأيام بهجرة رسول الله صلوات الله وتسليماته عليه ولي مع هذا وقفات ووقفات إن الرسول صلوات الله وتسليماته عليه لم يُعرف عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يتخذ يوم الهجرة عيدًا، وأنه إذا مرَّ في كل عام يتخذه عيدًا لم يكن يصنع ذلك صلوات الله وتسليماته عليه إلا أن الهجرة النبوية المباركة قد تركت دروسًا كثيرة وعظات جليلة على المسلمين، أن يتنبهوا إليها وأن يأخذوا بها وعلى كل.
فالذي عليه أهل السيرة، أن هجرة النبي ﷺ عليه وآله وسلم وتحركه صلوات الله وتسليماته عليه من بيته إلى غار ثور صلى الله عليه وآله وسلم ثم انتقاله بعد ذلك إلى المدينة كان هذا في آخر شهر صفر ثم بعد ذلك استقر به المقام في المدينة ووصل إليها في شهر ربيع الأول وذكر هذا الذي عليه أهل السير أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم خرج من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية المباركة في آخر شهر صفر ووصل إلى المدينة النبوية في الثامن من شهر ربيع الأول.
ومع ذلك الذي يجري من المسلمين هو الاحتفال بالهجرة النبوية في شهر المحرم مع أنَّ الهجرة لم تكن فيه كما قرر أهل السير وإنَّما الذي يقال في ذلك والله أعلم. إن التعويل كان على التأريخ الهجري والذي ابتدأ هذا التأريخ هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهي سنة عمرية. وذلك في السنة السابعة عشرة من الهجرة النبوية ماذا جرى
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه بعض الصحابة الكرام قائلين له أنت تكتب لنا كتبًا ونحن لا ندري التاريخ الذي ترسلها إلينا فيه أو التاريخ الذي ترسل فيه الكتب إلينا. فقالوا له: ضع لنا تأريخًا فجمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة. وقال لهم من أين نكتب التاريخ؟ أنبدأه من بعثة رسول الله ﷺ أم نبدأه من مولده؟
أم نبدأه من وفاته أم نبدأه من الهجرة أقوال متعددة ثم استقر العمل. وهذا الذي قال به عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، كما ذكر الحافظ ابن حجر قالوا نبدأ التاريخ بهجرة النبي ﷺ عليه وآله وسلم. ولذلك جاء في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ» ما بدأ العدُّ التاريخي من بعثة رسول الله ﷺ ولا من وفاته وإنَّما من قدوم ﷺ المدينة، وكانت الهجرة في شهر ربيع كما قلت: لكنهم ابتدؤوا السنة بشهر الله المحرم لأسباب، من أشبهها ما ذكره أهل العلم كما قال أهل العلم قالوا: إن شهر المحرم كانت بداية عزيمة ونية رسول الله ﷺ على الهجرة.
وذلك لما تمت بيعة العقبة الثانية في شهر ذي الحجة المسلمين يحجون في شهر ذي الحجة أو تنتهي مناسكهم في شهر ذي الحجة ثم ينصرفون إلى بلادهم بعد أداء هذه الشعيرة العظيمة. فقالوا نبتدئ السنة بأول شهر يلي هذه الشعيرة أعني شعيرة الحج فكان شهر الله المحرم فصارت بداية السنة من شهر الله المحرم وصار ختامها بشهر ذي الحجة ﴿أَنَّمَا﴾ ذكرت هذه التقدمة لأبين أمرًا وهو، أن كثيرًا من المسلمين ربما عاش على شيء وربما استمر على أمر يحتفل به وهو لا يعي حقيقته وربما لا يتحقق من موضعه ووقته ودين الله جل وعلا علَّمنا التفكر وعلَّمنا التدبر والتأمل إن هجرة النبي صلوات الله وتسليماته عليه حدث عظيم كبير مبارك يستدعي منا التأمل والتفكر وما أحوج الأمة الإسلامية وما أحوج بلدنا مصر ومن فيها إلى أن يأخذوا العبر والدروس والعظات من هجرة النبي المختار صلوات الله وتسليماته عليه ما عدوا من مبعثه، ولا عدوا من وفاته وإنَّما عدوا من مقدمه المدينة صلوات الله وتسليماته عليه لأن حدث الهجرة حدث كبير غيَّر مجرى التاريخ تحوَّل فيه الحال من حال إلى حال أخرى.
الهجرة نصر وتمكين: معجزة الغار وقصة سراقة بن مالك
إن بعض الناس، يا أيها الإخوة الكرام، يظن، أن الهجرة ما كانت إلا فرارًا من الأذى الذي كان يعانيه أهل الإسلام والمستضعفون من الصحابة الكرام من المهاجرين رضي الله عنهم، فمن أجل ذلك شرعت الهجرة. وهذا الأمر فيه نظر، وليس بصواب، وفيه نقص في فهم مفهوم الهجرة وتحقيق سببها وهدفها الذي أراده الله جل وعلا منها ولك، أن تعرف قدر الهجرة حينما تقرأ قول الملك سبحانه قرأنا الآية كثيرًا.
لكن هل استوقفتك الآية حينما قرأت بدايتها ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ﴾7 (التوبة: 40) ما هذا النصر الهجرة نصر نعم الناس يظنون أو كثير منهم يظن، أن الهجرة فرار حينما تجمع أولئك المشركون أمام بيت رسول الله صلوات الله وتسليماته عليه. وقد جمعوا عَددهم وعُددهم يريدون الفتك به عليه الصلاة والسلام، كما قال عز من قائل ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾8 (الأنفال: 30) اجتمعوا، أليس هذا نصرًا؟
أليس هذا تمكينًا بلى والله إنه لتمكين عظيم للرسول الأمين عليه الصلاة والسلام، يوم، أن يصل المشركون إلى الغار والنبي عليه الصلاة والسلام، وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيه أي: في الغار فيقول: أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في الصحيحين «يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا» والرواية التي فيها نسج العنكبوت ووجود الحمامتين رواية ضعيفة فقال له النبي ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟» وقال الله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ أيُّ نصرٍ وأيُّ تمكينٍ في هذا! الذي بلغ النبي ﷺ ووصل إليه وانظر رحمك الله إلى سراقة بن مالك حينما بلغه ما بلغ من أن المشركين قد أعدوا جائزة فخمة لمن يأتي برسول الله ﷺ أو بصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه سواء أتى به أو بهما أو أتى بهما مقتولين أو أتى بأحدهما أو أتى به حيًّا مقيَّدًا، أيًّا كان فله جائزة كبيرة قدرها أهل السيرة بمئة ناقة.
ومع ذلك سار سراقة ووصل إلى المكان الذي فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فساخت فرسه، وساخت قوائم فرسه في الأرض ثم خرج بها، وساخت مرة ثانية وكادت تعجز عن الخروج وأيقن سراقة بن مالك وهو يسمع رسول الله يتلو القرآن والرسول يتلو القرآن، فقال سراقة: أتريدان طعامًا؟ معي طعام. أتريدان زادًا؟ معي الزاد فلم يرزآه بشيء الرسول ﷺ لم يطلب منه شيئًا وإنما قال: أخفِ عنا، لا تخبر أحدًا بخبرنا.
انظر، قال له سراقة: أطلب منك كتاب أمان، أو اكتب لي كتاب أمان أيقن سراقة، أن النصرة ستكون لرسول الله ﷺ فخاف سراقة أن يأمر الرسول ﷺ بقتله بعد أن يمكِّن الله له. فقال: أطلب منك أن تكتب لي كتاب أمان وصار صحابيًّا من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ رحمك الله: الرسول وهو في طريق الهجرة، تاركٌ أهلًا وبلدًا، يكتب كتاب أمان يقول: أنا أؤمن الله أكبر الرسول وهو في الغار يكتب كتاب أمان لرجل كان على الشرك يريد الوصول إليه أيُّ عزة! الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصادقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
مقصد الهجرة في إقامة الدولة وسنة الصبر في حديث
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، لم تكن الهجرة النبوية من أجل الفرار وإنَّما كانت من أجل أن تستقر الدعوة الإسلامية في بلد يُعلَّم فيه توحيد الله جل وعلا فلما رفضت مكة في هذا الوقت أن تكون بلدًا معطاءً يُبلَّغ فيه الناس دين الله جل وعلا مع أنَّها البلد الذي أحبه رسول الله ﷺ خرج الرسول منها ليبلغ دين الله جل وعلا في البلد الذي يقبل الدعوة الإسلامية الذي تنتشر فيه الدعوة الإسلامية لتقوم الدولة الإسلامية خير قيام خرج من مكة وهو يقول ﷺ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» خرج إلى المدينة النبوية إلى قوم بذلوا النفس والنفيس، وقدَّموا كل ما لديهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9) هذا يدل على مكانة الدولة الإسلامية حينما تُبنى اللبنات وتكون واضحة في دولة تقر بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ تقوى الدعوة نحمد الله جل وعلا أن بلدنا يدين بالإسلام ويوحِّد الله جل وعلا نحمد الله، أن بلدنا مصر قد فُتحت وصارت بلدًا إسلاميًّا ونسأل الله، أن يديم عليها نعمة الإسلام وأن يكون هذا البلد بلدًا معطاءً يدعو إلى الإسلام في أموره كلها، قليلها وكثيرها.
نسأل الله جل وعلا من فضله، يا أيها الإخوة الكرام، كان بإمكان ﷺ أن يرفع يديه سائلًا لله، أن يهلك قريشًا وأن يقضي عليهم في مكة وأن لا يخرج من مكة. إن خبَّاب بن الأرت رضي الله عنه شكا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ما وصل إليه حالهم من التعذيب والاضطهاد. وقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟» فغضب ﷺ واحمرَّ وجهه.
وقال ﷺ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ... وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» يُضطهدون ويُعذَّبون، والرسول عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالصبر والثبات ثم بعد ذلك كانت لهم العزة خرج النبي عليه الصلاة والسلام، مهاجرًا وهو ابن ثلاث وخمسين سنة كاملة صلوات الله وتسليماته عليه يخرج في هذا الوقت ليهاجر من مكة إلى المدينة وأسألكم سؤالًا أيهما كان أولًا الهجرة أم الإسراء والمعراج
حكمة مكابدة المشاق ودرس التخطيط والأخذ بالأسباب
الجواب الإسراء والمعراج، وعلى ذلك فمن اليسير على الله، ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، أن يحمل النبي عليه الصلاة والسلام على البراق من مكة إلى المدينة أليس كذلك هذا سهل. بل إن المسافة من مكة إلى المدينة أقصر من المسافة من مكة إلى بيت المقدس كما لا يخفى عليكم. ومع ذلك تكبد الرسول المشاق وصار وهو في هذه السن عليه الصلاة والسلام، لماذا
ليعلم الناس الدروس ليعلِّمهم كيف يأخذون بالأسباب ليعلِّمهم أن الأمة عليها أن تأخذ بأسباب القوة. وعليها أن تُخطِّط خُططًا محكمةً، وخرج في وقت لا يتوقع الناس أنه يخرج فيه وبدلًا من أن يتجه إلى الشمال اتجه إلى الجنوب ﷺ نعم هكذا ديننا يعلمنا التخطيط والأخذ بأسباب القوة ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾9 (الأنفال: 60) وقبل أن أختم أقول.
إعداد بيت الصديق وإصرار النبي على شراء راحلة الهجرة
انظر إلى بيت واحد إلى بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه لنعرف مكانة العمل لهذا الدين لنعرف مكانة العمل لهذا الدين أبو بكر رضي الله عنه همَّ أن يهاجر من مكة إلى المدينة قبل الرسول عليه الصلاة والسلام، أصلًا لأنَّ كثيرًا من الصحابة هاجروا قبل النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له النبي ﷺ: «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي».
فقال: يا رسول الله، وترجو ذلك؟، يعني: أنت تريد أن تهاجر. فقال: إن شاء الله فأحب الصديق رضي الله عنه ورجا أن يكون رفيق النبي عليه الصلاة والسلام، فجهَّز راحلتيه أحسن التجهيز، وعلفهما من ورق السَّمُر مدة أربعة أشهر حتى أتاه النبي ﷺ وقال له. إن الله قد أذن لي في الهجرة، إذ ما يخرج الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بأمره ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾10 (الإسراء: 80) الله هو الذي يأمره إنه قد أذن لي في الهجرة.
فقال أبو بكر رضي الله عنه طالبًا راغبًا في الصحبة: يا رسول الله، أريد أن أصحبك. فقال له ﷺ: «نَعَمْ»، فأنت صاحبه وأنت رفيقه. فقال: يا رسول الله، لقد أعددت راحلتين، فخذ إحداهما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بِالثَّمَنِ» الرسول رفض أن يقبل الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن تدرون لماذا
قال أهل العلم أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أن تكون الهجرة من أولها إلى نهايتها خالصة له، وألَّا يشاركه في أجرها أحد أما أجر أبي بكر فثابت له وأجر الرسول يكون مستوفى له عليه الصلاة والسلام. فقال: لا بالثمن أدفع الثمن. ولذلك قال للأنصار يومًا «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ» لولا أنني مهاجر لتمنيت أن أكون رجلًا من الأنصار سامحوني يا أيها الإخوة الكرام على الإطالة والله ما تعمدتها؛ وإلا فالحديث عن الهجرة فيه دروس كثيرة أذكر إن شاء الله تعالى على عجالة بعد خطبة الجمعة طرفًا منها مع بيان فضل شهر الله المحرم بإذن الله اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أصلحه لا.
تأمَّل! له اللهم خذ بنواصيهم إليه اللهم ارزقهم بطانة الحق والخير يا ذا الجلال الذكرى اللهم فرج كرب إخواننا في سوريا اللهم فرِّج كرب إخواننا في بورما اللهم فرج كرب إخواننا في غزة اللهم ارفع عنهم البلاء اللهم آتِ لدينك النصر، ولشرعك العلو يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 53 ↩
- آية: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 99-100 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 18 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 189 ↩
- آية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 36 ↩
- آية: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 40 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 30 ↩
- آية: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 60 ↩
- آية: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًا نَّصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 80 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)