مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الحديث السابع والأربعون

سلسلة شرح تتمة الخمسين لابن رجب · الدرس 9 من 10 · 22 دقيقة · الحديث وعلومه

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. شرّ الوعاء البطن وجهتا الضرر
  2. قدر الحاجة أصل الطب وهدي السلف
  3. اللقيمات تغني عن كثير من الأدوية
  4. التخمة تُمرض وتُثبّط عن العبادة
  5. صدق الاحتساب بين الإفراط والتفريط
  6. الأثلاث وشرّ الشبع على القلب
التفريغ النصي الكامل للدرس

شرّ الوعاء البطن وجهتا الضرر

أمَّا بعدُ: فبإذن الله - تبارك وتعالى نتناول الليلة، يا أيها الإخوة الكرام، الحديث السابع والأربعون بشيء من البيان والتفصيل كما ذكره ابن رجب رحمة الله - تبارك وتعالى1. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وكذا ابن ماجه. وقال الترمذي حديث حسن وهو حديث صحيح من حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه أنه سمع ﷺ يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»2 هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، قال نبينا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه يقول ﷺ: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» قوله ﷺ ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، يعني: إذا كان ابن آدم سيملأ وعاء. فإنَّ الأوعية متعددة قد يملأ وعاء فيكون فيه خير. وقد يملأ وعاء فيكون فيه شر وَشَرُّ وِعَاءٍ يَمْلَأُهُ الْإِنسَانُ بَطْنُهُ فَبَطْنُهُ وِعَاءٌ لَهُ فَإِذَا مُلِئَ الْبَطْنُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْخَيْرُ لَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الشَّرُّ لَهُ. وقد يسأل سائل فيقول: وَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ الشَّرُّ إِذَا مَلَأَ بَطْنَهُ فيقال يأتيه الشر من جهتين. أما الجهة الأولى فالجهة المتعلقة بالبدن. وأما الجهة الثانية فالجهة المتعلقة بالقلب والروح. وذلك، يا أيها الإخوة الكرام أن التخمة تسبب كثيرًا من الأمراض والابتعاد عن الشبع سببٌ في العلاج وكما قال بعض أهل العلم. إن هذا الحديث العظيم أصلٌ من أصول الطب أو.

قدر الحاجة أصل الطب وهدي السلف

إن شئت فقل جمع أصول الطب والإنسان طبيب نفسه فمن حرص على أن يأكل قدر حاجته بما أوصاه به رسول الله ﷺ ولم يزد من الطعام عما يحتاج إليه، ولم يملأ بطنه فإنَّه بفضل الله سبحانه وتعالى، يكون سليم البدن والصحة وَأَمَّا إِذَا تَعَرَّضَ وَزَادَ مِنَ الْأَكْلِ بِكَثْرَةٍ وَنَهَمٍ وَصَارَ صَاحِبَ تُخْمَةٍ فَإِنَّهُ يُصَابُ بِالْأَدْوَاءِ وَالْأَمْرَاضِ وَكَمْ أَحْدَثَ الشِّبَعُ مِنْ مَرَضٍ وكم منع عدم الشبع من مرض بفضل الله سبحانه وتعالى. وهذا من حِكَم الصيام وليس علته، إلا أنه من حكمه فمن حكم الصيام أنه يجعل الإنسان في حمية، وفي قوة بدنية بفضل الله سبحانه وتعالى، وهكذا كان نبينا صلوات ربي وتسليماته عليه فكما ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين: «ما شبع النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم من طعام بر ثلاث ليال حتى قبضه الله»3 ما شبع النبي ﷺ من خبز من خبز مصنوع من القمح من خبز مصنوع من البر ما شبع منه ثلاث ليالٍ على التوالي أبدًا، يعني: إذا شبع يومًا لا يشبع الثاني، شبع الثاني ما يشبع الثالث صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبضه الله وجاء عنها رضي الله عنها أيضًا «ما شبع النبي ﷺ من خبز شعير الليلتين حتى قبضه الله عز وجل»، هذا في خبز الشعير، وفي خبز القمح فما بالك بما فوق ذلك وشبع الناس من الخبز أقل ما يتصور من الكثيرين منهم. ومع ذلك لم يكن كذلك صلوات ربي وتسليماته عليه وابن عمر رضي الله عنهما، أتاه رجل ذات مرة ووصف له وصفة. وهذه الوصفة تعين على الهضم، يعني: على أن يهضم الطعام. فقال له ابن عمر رضي الله عنهما، ما هذا. فقال له: شيء تأخذه لتهضم الطعام. فقال سبحان الله وهل شبعت من طعام منذ أربعة أشهر، يعني: أنا أكلت مرة فشبعت منذ أربعة أشهر أهضم ماذا، يعني: أنا ما أحتاج إلى هضم الطعام ﴿أَنَّمَا﴾ يحتاج إلى هضم الطعام من يأكل ويكثر منه. أما هو رضي الله عنه فمنذ أربعة أشهر يقول: أما أنا فمنذ أربعة أشهر لم أشبع أصلًا.وقال.

أما إن ذلك والله ليس عن عدم قدرة، يعني: مع المال وأستطيع أن أشتري وأستطيع أن أطعم ولكني رأيت قومًا كانوا قليلًا ما يشبعون أو كما قال رضي الله عنهما، أو كان أكثر حياتهم يجوعون أو لا يشبعون «أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ» الشاهد من ذلك ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقتدي بهم رضي الله - تبارك وتعالى عنهم فالإنسان إذا لم يشبع وإنَّما أكل على قدر حاجته كما جاء ﷺ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإنَّه بفضل الله سبحانه وتعالى، يستغني عن كثير من الأدوية وكما قال بعض السلف لو أنَّ الواحد أخذ بسنة ﷺ وأخذ بهذا الحديث لاستغنى بفضل الله - تبارك وتعالى عن كثير من الأدوية قالوا، ولأغلقت أبواب الصيادلة أو أبواب الصيادلة أغلقت أبواب الصيادلة، يعني: ما احتاج إلى العلاج، ولا الذهاب إلى الأطباء، ولا أخذ الدواء لأنَّ الإنسان يداوي بهذا نفسه بفضل الله - تبارك وتعالى

اللقيمات تغني عن كثير من الأدوية

قال ﷺ: «بحسب ابن آدم»، يعني: يكفي ابن آدم، أو كافٍ، يكفي ابن آدم لقيمات يقمن صلبه تكفيه لقيمات يقمن صلبه أي: يكفي ابن آدم من الأكل أن يأخذ لقيمات وما قال لقم قال لقيمات، يعني: تصغير لها، يعني: لقيمات محدودة لقيمات محدودة. وهذه اللقيمات المحدودة، يعني: معدودة ومعروفة وجمع التأنيث في الأصل يدل على القلة لا على الكثرة فيكون دون العشرة ومع التصغير هو أدل على ذلك لقيمات، ومعنى ذلك أنها لا تتجاوز العشرة لقيمات فقد تكون خمسة أو ستة أو سبعة أو أربعة أو ما أشبه ذلك فهذه تكفيه بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد ذكر كثير من الأطباء من أهل التخصص أن الواحد إذا أكل لا يشعر بالشبع فلا يزال يأكل، ولا يزال يأكل مع أنَّه قد حصل على بغيته وحصل ما يحتاج إليه منذ فترة ولو أنَّه أكل تلك اللقيمات ثم قام مثلًا لو لم يقصد القيام وإنَّما قام لعارض عرض، يعني: طرق بابه طارق فقام ليرد على الطارق وتكلم أو خرج ومر عليه ما يزيد عن ربع الساعة فإنه يشعر بالشبع ولا يحتاج إلى الأكل مع ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ في بداية الأمر حينما قام كان يريد أن يعود ليكمل وجبته.

التخمة تُمرض وتُثبّط عن العبادة

لكن الشعور بالشبع كما ذكروا لا يشعر به الإنسان إلا بعد أمد. ولذلك الذين يصفون الأدوية لمن يطلب قلة الوزن أو إنقاص الوزن يعطونهم بعض العلاج أو بعض الأدوية ويقولون لهم خذوه قبل الوجبة بربع الساعة وهم يقصدون بذلك أن يكون هذا حاملًا له على شيء من الشبع أو ملء المعدة فإذا ما جاء ليأكل وجد أن في معدته شيئًا من الطعام كأن فيها شيئًا من الطعام فيأكل قدرًا يسيرًا ولو أنَّ الإنسان أخذ بوصية رسول الله ﷺ لاستغنى عن ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى، فعلى ذلك الشر الأول الذي يلحق الإنسان بسبب كثرة الأكل الشر الذي يلحقه مما يتعلق ببدنه من ضعف بدنه أو من طروء أو مجيء الأمراض إليه متتابعةً مرضًا تلو مرض. وهذا معروف بكثرة بسبب التخمة ونحو ذلك. ولذلك يوصى كثير من ذوي الأمراض بعدم الشبع وبتقليل الوزن كمن كان مريضًا بالسكر عافانا الله وإياكم أو بغيره من الأمراض كما هو معروف. ثم إن الأمر الذي يتعلق بالبدن ليس مقتصرًا على الأمراض وإنَّما يأتي من باب هو أعظم من ذلك وهو، أنَّ الإنسان حينما يصاب بالتخمة ويكون ديدنه الشبع فإنَّه يضعف عن أداء العبادة ويضعف عن القوة على الطاعة فتراه إذا قام للصلاة قام متكاسلًا، ولا يقوى على الطاعة وإذا قام ليصلي ما استطاع القيام وإنَّما هم بالقعود وهم بالانصراف من الصلاة مع ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يتلذذ بها ولو أنَّه أخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لوجد من ذلك خيرًا كثيرًا بفضل الله - تبارك وتعالى فتراه نشيطًا.

ولذلك ترى الإخوة في شهر رمضان، ترانا في شهر رمضان مع تعب الناس بسبب الصيام أو ما يصيبهم من التعب شيئًا ما خصوصًا في فصل الصيف إلا أنهم يصلون بفضل الله - تبارك وتعالى ويحرصون على الصلاة ويخشعون فإذا ما أفطروا، وكان بعضهم يتثاقل أو كان بعضهم قد طعم طعامًا كثيرًا وشبع شبعًا ظاهرًا يأتي ليصلي العشاء وإذا به يتثاءب ويقول قد أطال بنا الإمام وربما صلى القيام يومًا أو ليلة وربما لم يصلها ليالي وإذا صلاها كأنه ما صلاها وسبب ذلك التثاقل ولو أنَّه أخذ بوصية رسول الله ﷺ ما وجد ذلك. بل وجد همة ووجد حرصًا ووجد قوة على الطاعة بفضل الله سبحانه وتعالى، ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإذا كانت اللقيمات تكفي العبد فلماذا يأكل حرامًا ولماذا يطعم أولاده حرامًا لماذا يطعم زوجه حرامًا لقيمات تكفيه، وتلك اللقيمات الحصول عليها بفضل الله أيسر من غيرها من تلك التي يريد أن يصل إليها بعض الناس من الأمور المحرمة، يريد أن يأكل كيف يشاء وأن يشرب كيف يشاء وأن يأتي بوجبة كذا ووجبة كذا وفي النهاية يأخذ الجسد منه بقدر معين وما سوى ذلك ينصرف في المصارف التي لا تخفى عليكم فسبحان الله ممن يأكل الحرام ويطعم الحرام مع أنَّ الحلال يكفيه بفضل الله سبحانه وتعالى. وهذا الأكل الذي يأكله. وهذا الرغد من العيش الذي يحياه يذهب هباء منثورًا، ولا يستفيد منه

تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا

مِنَ الحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالعَارُ

تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا

لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ

صدق الاحتساب بين الإفراط والتفريط

قال ﷺ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه يقوى بها على طاعة الله سبحانه وتعالى، كما كان بعض الصحابة الكرام يقولون «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» (آثار الصحابة والسلف، وليس من حديث مرفوع). فأنت إذا أكلت بهذه النية الطيبة تأكل لتقوى على الطاعة تأكل لتستطيع العمل لتعف نفسك وتعف أولادك فأنت مأجور بفضل الله فتأكل وتؤجر تأكل وتثاب ولكنك أكلت بالقدر الذي تحتاج إليه.

ولذلك هذا هو الضابط فيمن يريد أن يحتسب، يعني: يريد شخص من الأشخاص أن يحتسب في أكله وشرابه وإذا به إذا جلس على المائدة ما قام حتى يكاد يقع، يعني: ما قام من مجلسه حتى تراه قد أتى على المائدة وما فيها والتهمها التهامًا فهل هذا يُعان بهذا الطعام على طاعة الله؟ فأين نيته لو كان صادقًا ما صنع ذلك وإنَّما صدقه يجعله يأكل ما يقيم صلبه فإذا ما وصل إلى ذلك قام بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد يستشكل بعض الناس مثل ذلك ويقول: ومَن مِنَّا يقوى على اللقيمات؟ ولكنَّها بفضل الله ممكنة ومجربة بفضل الله سبحانه وتعالى، وما رأيت نفسي أخف ولا أجد الطاعة أيسر إلا حينما أُطبِّق سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بفضل الله تعالى بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، وفي هذا أيضًا إشارة إلى أنَّه ليس من الحكمة وليس من الحسن، أن تترك نفسك وأن تمتنع عن الأكل مطلقًا حتى تسقط، يعني: لا هذا ولا ذاك لا إفراط ولا تفريط، يعني: يقول خلاص يا عم طالما الأكل فيه ضرر بشكل خالص فماذا سيكون إذا امتنع عن الأكل جملةً فإنَّه سيصاب بالضرر أيضًا، ولا يستطيع الوقوف وربما أغمي عليه وضيع حقوقًا وإن لبدنك عليك حقًا فلا هذا ولا ذاك ﴿أَنَّمَا﴾ يأكل قدر ما يحتاج إليه من اللقيمات التي تقيم صلبه.

الأثلاث وشرّ الشبع على القلب

فإنَّ كان لا محالة فاعلًا، يعني: إن كان هو فاعلًا، ولا محالة أنه سيفعل ذلك فحينئذ اللقيمات لا تكفيه يريد الزيادة شيئًا ما فالرسول يقول. فإنَّ كان لا محالة فاعلًا، يعني: معناه أن هذا الأمر الثاني يُلجأ إليه عند العجز عن اللقيمات، يعني: قال أكلت اللقيمات، ولم تكفني حينئذ يقال له: ثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك، يعني: معنى ذلك، أن الثلث هذا يأتي ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ في المرحلة الثانية وإن ذلك لا يأتي في الأولى قال فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه نعم فثلث للطعام يجزئ.

الأمر ثلاثة أجزاء فيجعل للطعام ثلثًا ويجعل للشراب ثلثًا، الذي به يرتوي وبه يسهل دخول الطعام إلى المعدة وجريانه في مواضعها وثلث لنفسه ليستطيع أخذ النفس وأخذ النفس في وقت الطعام في الغالب عند الكثيرين يذهب فلا يكاد يوجد له محل وحينئذ يأتي ليتنفس فلا يجد تنفسًا ولو أخذ بوصية رسول الله ﷺ لاستراح ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه هكذا وصية النبي محمد صلوات ربي وتسليماته عليه ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه حتى في الأوصاف الطبية، وفي أمور الطعام وأمور الشراب أتانا رسول الله ﷺ بما فيه الخير لنا بفضل الله سبحانه وتعالى، وأما الشر الثاني الذي يلحق الإنسان بسبب شبعه وملء بطنه ما يتعلق بالروح والقلب. وذلك أنَّ كثرة الطعام والشراب والشبع تؤثر في الروح وتؤثر كذلك في القلب فيتراكم الطعام على القلب والعقل فلا يكاد يفكر الإنسان. ولذلك في الغالب من أكل كثيرًا وشرب كثيرًا ماذا يصنع ينام، يعني: يأتي ليقرأ فيجد نفسه هكذا يتمايل ثم يغلق الكتاب وينام فترى الفكرة ذاهبة فترى الفكرة ذاهبة. وهذا أيضًا في الواقع العملي ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ذلك لأنَّ ما يتعلق بعقله وبدماغه يتحرك أو كل منها يتحرك تجاه الطعام من أجله من أجل هضمه فحينئذ يتحول هذا عن عمله الذي هو عمل التفكير إلى عمل إلى عمل آخر فينشغل به عن التفكير فتراه قليل التفكير وغير محسن للتدبر والتأمل، وكذلك يؤدي إلى قسوة القلب وإلى جفاء العين فإذا أكل كثيرًا ترى عينيه جافتين وترى قلبه قاسيًا في غالب الأمر إذا ملأ بطنه دومًا، وكان ممن يصل إلى درجة التخمة فعلى ذلك على المرء أن يأخذ بوصية رسول الله صلوات ربي وتسليماته عليه، ولا يعني ذلك أن الشبع في كل الأحوال ممنوع فقد يشبع الإنسان في بعض الأحيان. لكن لا يكون هذا دأبه، ولا يكون هذا ديدنه فلا مانع من ذلك وهناك أوقات يحتاج الإنسان فيها إلى مزيد من الطعام أو إذا اشتاق إلى ذلك في بعض الأحيان لوجبة يشتهيها.

لكن لا يكون هذا هو الديدن وهو إذا فعل ذلك ربما ضرَّ به بدنه وأبو هريرة رضي الله عنه لما أعطاه ﷺ أن يشرب أو أعطاه الشراب الذي يشربه من اللبن. فقال له: اشرب، اشرب، اشرب قال فشربت حتى قلت: يا رسول الله، لا أجد له مسلكًا فهذا يعني: أنَّ الإنسان في بعض الأحيان ربما شبع ولم ينكر عليه النبي صلوات ربي وتسليماته عليه كمن يكون جائعًا في فترة منذ فترة لم يأكل ثم يأتيه الطعام ففي هذه الحالة ربما كان عنده من النهم ما لا يكون عنده في الوقت العادي. لكن لا يكون هذا دأبه في كل وقت وإنَّما يأخذ بوصية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون معافاً في بدنه يكون قويًا على طاعة الله يكون رقيق القلب يكون كذلك سهل الدمعة يبكي من خشية الله سبحانه وتعالى، كذلك يكون قويًا في التدبر قويًا في التفكر إذا أخذ بوصية الرسول الكريم صلوات ربي وتسليماته عليه هذا هو الحديث السابع والأربعون، ونأخذ إن شاء الله تعالى الحديث الثامن والأربعين عوضًا عن الدرس الماضي نظرًا لما كنت فيه من الدورة فيما يتعلق بالتفسير نأخذ الحديث الثامن والأربعين. إن شاء الله حتى يبقى لنا حديثان نأخذهما إذا أحيانا الله في الدرس المقبل ثم نأخذ إن شاء الله تعالى بعض الأمور المتعلقة بالصيام وبفضل رمضان والتأهب له قبل قدوم شهر رمضان. نسأل الله أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا فيه على طاعته

الهوامش والتخريجات

  1. تعليق: كما ذكره ابن رجب رحمة الله - تبارك وتعالى — كتاب: «جامع العلوم والحكم». الذكر في الدرس: ابن رجب. ↩
  2. حديث: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» — نسبة الشيخ: الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ↩
  3. حديث: «ما شبع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من طعام بر ثلاث ليال حتى قبضه الله» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩

من سلسلة: سلسلة شرح تتمة الخمسين لابن رجب (10 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة