كتاب الإيمان (المجلس الثاني) شرح حديث ابن عمرعن أبيه في سؤالات جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
معبد الجهني ودعوى الأمر أنف
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾34 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس التعليق على صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وقد قرأنا في الدرس السابق الحديث الأول في كتابه الإيمان وهو الحديث المشهور بحديث جبريل عليه السلام، وفيه سؤالات جبريل للنبي الأمين ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، وعن الساعة وأشراطها وتقدم التعليق على الإسناد وقلنا أن «الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» ووقفنا عند قول الإمام مسلم - رحمة الله تعالى - حين ساق الحديث بسنده.
فقال «عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ» رحمه الله تعالى نسمع من أول «عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ» مباشرةً، يعني: أول السند تكلمنا عنه في الدرس الماضي فلذلك سنتجاوزه نعم تفضل بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ قال الإمام رحمه الله، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري. وهذا الحديث، يعني: ساق بسنده إلى يحيى بن يعمر مباشرةً نعم «قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ» حدثنا كهمس عن ابن بريدة «عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ» قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن، إنَّه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلم وذُكر من شأنهم وأنهم يزعمون، أن لا قدر وأن.
الأمر أُنُف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنَّ لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم «قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي» عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن طيب حسبك حسبك خلاص طيب سقنا الحديث كله في المرة الماضية فلا نعيد المتن كله حتى يتسنى لنا التعليق عليه بما تيسر قال: عن يحيى بن يعمر رحمه الله، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني عرفنا أنَّ هناك فرقة ضالة ظهرت يقال لها: القدرية تنفي القدر ما معنى أنها تنفي القدر، يعني: يقول إن.
الأمر أنف أي: مُستأنَف، أي: أن الله لا يعلم بالشيء حتى يقع فإذا وقع عَلِمَه الله. وهذا خطأ كبير وظلم بيِّن لأنَّ الله بكل شيء عليم هذه الفرقة تزعم، أن الله لا يعلم بالشيء حتى يقع فما كان من هذين الرجلين المباركين إلا أن قدما حاجَّين أو معتمرين. فقالوا هذه فرصة، أن نقابل بعض أصحاب رسول الله ﷺ لنسألهم عما يقول هؤلاء في القدر.
عرض المسائل الشاذة على أهل العلم
وهذا فيه أن طالب العلم يحرص على عرض المسائل المشكلة على أهل العلم فإذا ظهرت بدعة أو ظهر قول شاذ. فإنَّ طالب العلم وأن الناس عمومًا يسألون أهل العلم ما قولكم فيما يردده فلان؟ ما قولكم فيما يقوله بعض الناس مما أظهروه من البدع والضلالات. فقال فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلًا المسجد، يعني: هذا توفيق من الله التقى عبد الله بن عمر أو لقي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فرأى أن هذا توفيق من الله سبحانه وتعالى، قال فاكتنفته أنا وصاحبي، يعني: صار أحدنا عن اليمين وصار أحدنا عن شماله أو عن يساره وقلنا هنا فائدة وهو، أن العالم متوسط فإذا سار طلاب العلم إلى جوار العالم لا يجعلون العالم في الجانب وإنَّما يتوسطونه ويكتنفونه فيكون هذا من أدب المتعلم مع العالم وليستفيد منه كل الحاضرين هذا عن يمينه.
اكتناف العالم لا السير خلفه
وهذا عن يساره قال فاكتنفته أنا وصاحبي، وفيه من جهة أخرى أن الأصل في هذا الأمر: ﴿إِلَّا﴾ يسير العالم متقدمًا ويسير الناس خلفه. فإنَّ هذا قد كرهه السلف كره السلف أن يتقدم العالم وأن يسير الناس خلفه وإنَّما يسيرون إلى جواره عن يمينه وعن يساره، ولا ينبغي للعالم، أن يترك الناس يسيرون خلفه.
ولذلك قالوا في ذلك: إنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع، يعني: بعض الناس يفرح أن الناس يسيرون خلفه قد أقول له: لا، هذا فيه ذلة للتابع [تُراجع كلمة البداية صوتيًّا] لا تُذلَّه، اجعله يمشي إلى جوارك وفتنة للمتبوع قد يفتن الإنسان بمثل هذا المعنى. وإنَّما يكتنفونه عن يمينه وعن يساره قال فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ ظن، أن صاحبه سيكل الكلام إليه سيتركه هو يتحدث لما جاء في بعض الروايات أنه قال لأنني كنت أبسط لسانًا إذًا هنا مسألة لماذا تقدم يحيى بن يعمر بالكلام دون صاحبه حميد بن عبد الرحمن لأنه كان أبسط لسانًا أفصح.
حسن السؤال نصيب من التعليم
بل قد جاء في بعض الروايات أنه قال له تتكلم قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أنت، يعني: فتح له المجال تتحدث أنت قال تحدث. وهذا فيه أنَّ من الأدب أن يقدم الإنسان الأفصح والأعلم فإذا كان هناك مجموعة من طلاب العلم يسألون الشيخ، وكان من بين طلاب العلم من هو أبرز، ومن هو أعلم فإنَّهم يقدمون لأنَّ العلماء يقولون إن حسن السؤال نصف العلم السؤال الجيد يثمر علمًا جيدًا وينتفع به طلاب العلم لذلك من أفضل ما ينتفع به الناس سؤال طالب العلم النافع.
وهذا يفتح الآفاق للعالم فالعالم يحتاج إلى مَن يحركه في كثير من الأحيان عنده بحر يغترف منه. لكن يحتاج إلى تحريك فإذا أحسن الطالب السؤال وأجاد المعلم الجواب كان العلم، ﴿إِلَّا﴾ ترون أنه جاء في الحديث نفسه في آخره «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» وهنا السؤال كيف علم جبريل الناس كيف علم جبريل الصحابة علَّمهم بحسن السؤال، يعني: جبريل ليس هو الذي أجاب ﴿أَنَّمَا﴾ جبريل سأل وصدق
والذي أجاب هو الرسول ﷺ لكن عُدَّ هذا تعليمًا. وبناءً عليه إذا وجد من بيننا طالب علم ذكي يسأل أسئلة نافعة فله نصيب من تعليمنا، يعني: هذا الطالب كأنما علمنا لأنه فتح لنا الباب طيب قال فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت أبا عبد الرحمن ما معنى أبا عبد الرحمن، يعني: يا أبا عبد الرحمن إذًا هنا حرف النداء محذوف أبا عبد الرحمن، يعني: يا أبا عبد الرحمن.
لكن هذا في لفتة بلاغية كأنهم أحسوا من ابن عمر بالقرب والأنس فحذفوا ياء الندائية لأنَّ ياء تدل على بعد يا فلان. فقالوا أبا عبد الرحمن، يعني: ما في حرف نداء صار بيننا وبيننا قرب. وهذا من اللطيف جدًّا أن يأنس طلاب العلم بالعالم من أول مجلس [عبارة «لأول جلا تزال معه» تحتاج مراجعة الصوت]. فهذا عالم يُعاشَر، عالم يُؤنَس به. فهذا حسن.
لا يغتر بظاهر طلب العلم
فقال له أبا عبد الرحمن وقولهم أبا عبد الرحمن أي: يا أبا عبد الرحمن. وهذه كنية من كُنى عبد الله بن عمر والكنية مشهورة عند سلفنا الصالحين رحمهم الله الكنية يقولون: يا أبا فلان يا أبا فلان. وهذه الكنية عزَّ ذكرها في أيامنا هذه بين عموم الناس وهي جميلة جليلة، يعني: يقال يا أبا فلان يا أبا فلان يا أبا فلان أبا عبد الرحمن أنه قد ظهر قبلنا ناس قد ظهر قبلنا عندنا هناك في البصرة أناس يقرؤون القرآن أو قال ناس ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن إذًا هؤلاء الناس المتحدَّث عنهم أهل البدع يقرؤون القرآن لا يهجرون القرآن.
بل يقرؤونه وليس هذا فحسب قال ويتقفرون العلم ويتقفرون العلم ما معنى ويتقفرون العلم يتقفرون العلم، يعني: يطلبون العلم يتتبعون العلم ﴿وَقِيلَ﴾ يجمعونه إذًا ما معنى يتقفرون العلم، يعني: يطلبون العلم ويتتبعونه أو يجمعونه وجاءت رواية أخرى، يعني: عند بعض شيوخ المغاربة من طريق أو في رواية ابن ماهان ويتفقرون العلم ويتفقرون بتقديم الفاء على القاف وما معنى ويتفقرون العلم، يعني: يبحثون عن الغوامض يبحثون عن الخفايا.
تأمَّل! هنا فائدة جليلة جدًّا، أنه لا ينبغي أن يُغتر بحال الإنسان وإن كان طالب علم حتى يعرض كلامه على الكتاب وصحيح السنة، وعلى ما كان عليه الأخيار من أصحاب الرسول المختار عليه الصلاة والسلام، ومن تبعهم بإحسان إذًا هم يتكلمون عن قوم يقرؤون القرآن وعن قوم يطلبون العلم ويجمعون العلم ويبحثون في غوامض العلم.
مراتب القدر ومخاصمة نفاة العلم
ومع ذلك ماذا يقولون قال وذكر من شأنهم ما معنى وذكر من شأنهم، يعني: ذكر من تعظيمهم، يعني: هؤلاء طلبة علم مجيدون يقرؤون القرآن يتعبدون المتوقع أن هؤلاء سيقولون باطلًا أم سيقولون حقًّا؟ سيقولون حقًا ناس يُعرفون بالقرآن وبطلب العلم وبجمعه وبتتبع غوامضه وذكر من شأنهم وقوله: «وذكر من شأنهم» قالوا: هذا ممن قبل يحيى بن يعمر، يعني: لم يقل «وذكر من شأنهم» يحيى بن يعمر، وإنما مَن قبله قيل هو ابن بريدة قائل وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر يقولون لا قدر الأمور ليست مقدرة نحن نؤمن بالقدر أي: بعلم الله السابق أنت تقول أنا مؤمن بالقدر ما معنى أنا مؤمن بالقدر، يعني: أنا مؤمن بأن الله له علم سابق وأن الأشياء تقع على وفق علم الله السابق فالله علم وكتب وشاء وخلق.
ولذلك يقولون هذه مراتب الإيمان بالقدر لكي تؤمن بالقدر لا بد أن تراعي هذا ما معنى أنك مؤمن بالقدر مؤمن بأن الله بكل شيء عليم تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء وبأن الله كتب مقادير كل شيء وبأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن وبأن الله خلق كل شيء وبأن الله خلق كل شيء وسيأتينا أنَّ القدرية على أنواع أشدهم وأخبثهم وأخطرهم الذين ينفون الرتبة الأولى وهي مرتبة العلم لذلك تبرأ منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
ولذلك قالوا للقدرية كما ذكر الشافعي رحمه الله، وكذا ذكر غيره قالوا «القدرية يخاصمون بالعلم»، يعني: نقول لهم تقولون الله يعلم أو لا يعلم. فإنَّ قالوا لا يعلم كفروا، وإن قالوا يعلم خُصموا، يعني: اسألهم سؤالًا يا قدرية الله يعلم، ولا لا يعلم يقولون يعلم خلاص هذا هو المراد وإذا قلتم لا يعلم إذًا تنفون صفةً لله سبحانه وتعالى، فلذلك قال هنا وإنهم يزعمون أن لا قدر وأن.
الأمر أنف ما معنى. الأمر أنف، يعني: جديد مُستأنَف مبتدأ، يعني: رب العزة يعلم بالأمر بعد أن يقع وأهل السنة يقولون، أن الله يعلم بالشيء قبل وقوعه ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾56 فذكر في الآية المرتبة مرتبتين مرتبة العلم ومرتبة الكتابة لذلك معنى هذا الأنف، يعني: جديد، ومنه قولهم الروض الأُنُف كما سماه السهيلي، يعني: الذي لم يرع ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، يعني: شيء جديد عندك حديقة أُنُف لم تُقطف، يعني: أقول لك: تعال أنت أول من يدخل الحديقة ليقطف الثمار فأنت في روضة أُنُف جديدة جميلة وهكذا كما جاء في شأن أمنا عائشة رضي الله عنها مع بقية زوجات رسول الله ﷺ طيب قال وأن.
الأمر أنف.
براءة ابن عمر وشرط قبول العمل
فقال ماذا قال ابن عمر رضي الله عنه؟ قال ابن عمر رضي الله عنه مباشرةً أول ما سمع: فإذا لقيت أولئك، باسم الإشارة للبعيد. وهذا فيه احتمالان الاحتمال الأول أنه أشار إليهم بالبعيد باعتبار بعد المكان فإذا لقيت أولئك هم في البصرة وهم يكلمون ابن عمر في المنسك في الحج أو العمرة فهناك مسافة بعيدة أو أنه قال: فإذا لقيت أولئك البعداء، أنا بعيد عنهم فيقصد بذلك أنه يبتعد عنهم لا يريد أن يكون موافقًا لهم، وليس منهم وليسوا منه قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني.
انظر الولاء والبراء هذا مهم جدًّا فلا ينبغي للإنسان أن يقول أنا موالي لكل الناس توالي أعداء الله رجل يعادي ربه سبحانه وتعالى، يعادي ربك كيف لا تعادي لك ولاء وبراء قال الله: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾78 قال فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والبراءة قد تكون من الشخص.
وقد تكون من عمل الشخص وهنا لأنَّ الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان فاستعمل معهم البراءة منهم قال فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر وما الذي يحلف به عبد الله بن عمر القسم بالله أي: والله كان عبد الله بن عمر يقول والله «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» وهنا القسم لماذا؟
للاهتمام بهذا الشأن ولتأكيده والذي يحلف به عبد الله بن عمر لأن القسم والتأكيد له أسباب قد يستعمل التأكيد مع المنكر ومع الشاك. وقد يستعمل من بابه الاهتمام بالخبر وتأكيده. وهذا منه قال والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لو أنَّ لأحدهم مثل أحد ذهبًا كأنه يقول يا يحيى بن يعمر أنت تقول لي يقرؤون القرآن وماذا يفيدهم أن يقرؤوا القرآن؟ تقول لي يجمعون العلم وماذا يفيدهم أن يجمعوا العلم؟ تقول لي يبحثون ويفتشون عن غوامض العلم الذي يفيدهم إذا كانوا ينكرون القدر إذا كانوا لا يؤمنون بالقدر إذًا تركوا الإيمان بأحد أركان الإيمان الستة المعروفة كما سيأتي بيانه في الحديث.
فقال لو أنَّ لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. وهذا يدلك على ماذا؟ على أن الأعمال لا تقبل حتى يكون صاحبها مؤمنًا إذًا قبول الأعمال، صحة الأعمال، متوقفة على الإيمان والإيمان له أركان فإذا ترك الإنسان ركنًا من أركان الإيمان لم يصح إيمانه وإذا لم يصح إيمانه لم يقبل عمله.
وهذه قاعدة الإيمان له أركان فمن ترك ركنًا من أركان الإيمان ليس بمؤمن، ومن لم يكن مؤمنًا فلا يقبل عمله وسيأتينا مزيد بيان لذلك في آخر الحديث بإذن الله - تبارك وتعالى هنا نستفيد عدة فوائد في هذه الفقرة أو في هذه الجملة، أن طالب العلم يكون ذكيًّا وكذا الناس إذا عرضوا على العالم مشكلة أو مسألة يحسن بهم أن يبينوا له خطرها إذا كانت خطيرة، يعني: مثلًا يأتي فيقول: يا شيخنا هناك سؤال ظهر من فلان يقول كذا يقول لك: إيه؟ يقول له الشيخ: دع عنك هذا رجل لا يلتفت إليه، ولا يسمع له.
لكن إذا قال له: يا شيخنا هذا رجل يغتر الناس به. وهذا كلامه مسموع. وقد تناقلت الأخبار كلامه، والناس صاروا يدندنون بكلامه إذًا هذا يجعله يهتم بالرد لأنه أحيانًا العالم يكتفي بالإعراض يقول هذا ما يحتاج إلى رد بطلانه يغني عن إبطاله. لكن يحيى بن يعمر كان ذكيا هو يريد أن يُسمع التفصيل من ابن عمر رضي الله عنهما، هذه فائدة الفائدة الثانية، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ» رضي الله عنهما، ماذا صنع
ذكر الحكم ودليله فابن عمر ذكر في البداية الحكم بريء منهم وهم براء منه ثم ذكر أن أعمالهم لا تقبل حتى يؤمنوا بالقدر. ثم «قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي» وساق حديث جبريل ذكر الدليل إذًا هذا من فطنة العالم أن العالم يذكر الدليل يذكر الحكم ودليله قد يقدم الحكم على الدليل. وقد يقدم الدليل على الحكم. الأمر في ذلك واسع ويراعي فيه المصلحة.
فهذا من فقه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
مناقب ابن عمر من الاقتداء إلى العتق
طيب وماذا «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ» رضي الله عنهما. أما عبد الله بن عمر نحن إذًا مر علينا صحابي قد نتكلم عنه كلامًا موجزًا بحيث أنه إذًا أعيد ذكره نحيل على ما سبق في أول مرة وإذا كنا سنعتني بذكر بعض اللطائف في الإسناد فاولى من يتحدث عنه في ذلك الحديث عن أصحاب رسول الله ﷺ والإسناد المراد به الطريقة الطريق الموصِل إلى المتن ما معنى الإسناد؟ يعني: الطريق الذي يوصل إلى المتن ما معنى المتن قول الرسول ﷺ أو قول الصحابي [عبارة شديدة التصحيف تحتاج مراجعة التسجيل] وصيغ التحمل والأداء ويدخل فيه الرجال والنساء لأنَّ من يروي الإسناد قد يكون رجلًا.
وقد يكون امرأة. أما عبد الله بن عمر فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي رضي الله عنهما الصحابي الجليل ابن الصحابي الجليل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبد الله بن عمر قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، «عبد الله رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾». وهذا يكفيه، يعني: مناقب ابن عمر أن الرسول أثنى عليه قال عبد الله يقصد ابن عمر عبد الله رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
وقال: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل» فصار يقوم الليل، ولا يتركه لرؤيا رآها رضي الله عنهما عبد الله بن عمر أسلم قديمًا أسلم مبكرًا وهو صغير وأراد أن يغزو مع رسول الله ﷺ وأن يخرج معه في غزوة أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فرده الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يأذن له في أن يخرج معهم للجهاد الرسول كان يجيز من بلغ خمس عشرة سنة فلما كان في غزوة الخندق أجازه الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك شهد مع الرسول بيعة الرضوان ثم شهد المشاهد بعد ذلك مع رسول الله ﷺ مناقب ابن عمر «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ» من أشهر الصحابة في قضية الائتساء والاقتداء برسول الله ﷺ ابن عمر وصل به الحال في مسألة الاقتداء ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ لا يرى الرسول ﷺ يصنع شيئًا إلا صنعه حتى المباح لذلك كان في الحج إذا تذكر موقفًا دارت فيه ناقة الرسول يدير الناقة يا رسول ما يريد بإدارة الناقة التعبد ﴿أَنَّمَا﴾ حدث لها ذلك يأتي ابن عمر إلى نفس الموضع ويفعل هذا في كل شيء ما يترك لا مباحًا ولا غير مباح ما دام أن رسول الله ﷺ فعل، يفعل يقتدي به في كل أمره رضي الله - تبارك وتعالى عنهم هذا مما تميز به ابن عمر اشتهر به مشهور عنه الصحابة يقتدون بالرسول ويقتفون أثره.
لكن جاء ابن عمر وزاد على مسألة السنة الظاهرة إلى المباحات أو سنة العادات كما يقول ابن عمر رضي الله عنهما من خصاله المشهور بها كثرة العتق كثرة العتق أعتق عبيدًا كثيرًا أعتق عددًا كبيرًا من العبيد حتى إن بعضهم تتعجب في بعض التراجم ذكروا أنه أعتق ما يزيد عن ألف عبد هذا كثير جدًّا الله أعلم بصحته.
لكن هذا مشهور عندهم، ومن طرائف ما ذكر في هذا الأمر. أن نافعًا وهو مولى ابن عمر طلبه بعضهم منه ليشتريه من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ولعله عبد الله بن جعفر فطلب فيه عشرة آلاف قالوا سأشتريه منك بعشرة آلاف هذا مبلغ كبير جدًّا «فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ». فقال ما رأيك يريد أن يشتري مني نافعًا ب 10000 قالت وهل هذا يحتاج إلى تردد ما بعته، يعني: تنتظر ماذا تنتظر.
فقال: ما هو أعظم، هو حر لوجه الله ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا9 تُحِبُّونَ﴾10. وهذا جليل وسبحان الله صار نافع أشهر التابعين رواية عن ابن عمر فمن أشهر التابعين رواية عن ابن عمر نافع وسأل. ولذلك يقولون أصح الأسانيد عن ابن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر ويسمونها بسلسلة الذهب فيقال في مصطلح الحديث ما سلسلة الذهب
سلسلة ذهبية في الإسناد مالك صاحب الموطأ إمام دار الهجرة عن نافع مولى ابن عمر «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ» رضي الله - تبارك وتعالى عنهم، ومن جميل ما يذكر في هذا أيضًا أن عبدًا من العبيد طلب من ابن عمر أن يستكتبه فكاتبه، والمكاتبة، يعني: قال له: أطلق صراحي، اتركني أعمل وأؤدي لك دينًا، يعني: اجعل بيني وبينك مكاتبة هذا يجري بين السيد وعبده كما قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾1112 ما معنى يبتغون الكتاب، يعني: يطلبون المكاتبة السيد يتفق مع العبد يقول له خلاص أنا اتركك تعمل وأنت عليك ديون كل شهر تدفع لي مبلغًا كذا إذًا دفعت المبلغ صرت حرًا هذا نوع من أحوال العبيد هناك القن هناك المكاتب هناك المدبر وهناك المبعض من أنواع العبيد فكاتبه، قال: على أربعين ألف درهم فسدد خمسة عشر ألفًا.
فقال له رجل: أمجنون أنت؟ [بقية العبارة تحتاج مراجعة التسجيل] ابن عمر يعتق من العبيد ما لا حصر له ابن عمر عمال يعتق فلان وفلان وفلان وفلان وأنت تدفع 15000 وتنتظر أن تجمع 25000 ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ له أنا عاجز واطلب منه أن يعتقك فذهب إليه. وقال يا أبا عبد الرحمن أنا عاجز عن بقية الدين قال ماذا تريد
قال: أريد أن تعتقني لوجه الله سبحانه وتعالى، قال أنت حر لوجه الله. فقال له: وابناي؟ أصير حرًّا وأترك أبنائي؟ قال وابناك حران لوجه الله قال له: وماذا عن أمَّي ولدي؟، يعني: كان له زوجتان هذا الابن من أمه. وهذا الابن قال وهما أيضًا حرتان لوجه الله هكذا ذكروا في ترجمته هذا مما نذكره من باب بعض الفوائد واللطائف إلى غير ذلك مما قيل في عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه لذا ليس من عجب أن يقول ابن المسيب سعيد بن المسيب أو المسيب وسيأتينا بإذن الله في الأسانيد في بعض المواضع.
وقد قالوا عنه أنه خير التابعين أو سيد التابعين ووقع اختلاف سيد التابعين أويس القرني أم سعيد بن المسيب على ما يأتي هذا من سادات التابعين يقول سعيد بن المسيب مات يوم مات وما في الأرض أحد أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منه، يعني: يقول لما مات ابن عمر ما على وجه الأرض أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله كما أحب أن ألقى الله بمثل عمل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وقال فيه الزهري محمد بن مسلم الزهري قال لا نعدل برأيه أحدًا، يعني: إذا أتانا القول قول ابن عمر لا نعدل برأيه أحدًا لأنَّ ابن عمر جمع بين جانبين عظيمين جانب العلم وجانب العبادة، يعني: هناك من غلب عليه جانب العبادة وهناك من غلب عليه جانب العلم وابن عمر جمع بين البابين بين جانب العلم وجانب العبادة.
يا أيها الإخوة الكرام، نقف عند قول ابن عمر حدثني أبي ابن عمر بعد أن ذكر الحكم ذكر الدليل فساق حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في مجيء جبريل عليه السلام للنبي ﷺ وفي سؤالاته له عن الإسلام والإيمان والإحسان على ما سيأتي تقريره بإذن الله في الدرس المقبل. وفقنا الله وإياكم لما يحب
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
- آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 128 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 128 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 70 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ — الحج: 70 ↩
- آية: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 41 ↩
- آية: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ — يونس: 41 ↩
- آية: ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ — آل عمران: 92 ↩
- آية: ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 92. الرقم المذكور في الدرس: 3/92 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 33 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ — النور: 33 ↩
من سلسلة: شرح صحيح مسلم (31 درسًا)