كتاب الإيمان (المجلس السادس) شرح حديث ابن عمر عن أبيه في سؤالات جبريل عليه السلام عن الإسلام
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
أركان الإيمان الستة انقياد باطني
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾34 والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فهذا مجلس جديد من مجالس التعليق على شرح صحيح الإمام مسلم - رحمة الله تعالى - وما زلنا مع كتاب الإيمان ومع الحديث الأول منه وهو حديث ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجيء جبريل عليه السلام إلى رسول الله ﷺ وسؤالاته له عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها.
وقد توقفنا في الحديث، يا أيها الإخوة الكرام، عند أركان الإيمان وسؤال جبريل عليه السلام للرسول ﷺ عن الإيمان إذ قال له «فأخبرني عن الإيمان قال أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان» إلى آخر الحديث عرفنا في اللقاء السابق معنى الإيمان في اللغة ومعناه: في الاصطلاح، وفي لسان الشرع وعرفنا أن الرسول ﷺ عرَّف الإيمان بأركانه فأركان الإيمان ستة: الإيمان بالله والإيمان بملائكته والإيمان بكتبه والإيمان برسله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره هذه أركان الإيمان لا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الأركان الستة وتعلمون «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ» رضي الله عنهما ساق الحديث كله من أجل قول الرسول «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» حينما سُئل عن هؤلاء الذين ينكرون القدر، ولا يؤمنون بالقدر وبين له أنه بريء من هؤلاء والنوم برآء منه ثم ساق الحديث ليبين أنه لا يسع الإنسان إلا أن يؤمن بهذه الأركان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره وأنت إذا تأمَّلت هذه الأركان الست قالوا إنها تتعلق بالإقرار الباطني، يعني: الإيمان بالله الإيمان بالملائكة بالكتب بالرسل باليوم الآخر بالقدر خيره وشره هل هذه أعمال ظاهرة أم أن
هذا انقياد باطني فمن أجل هذا قالوا الفرق بين الإسلام والإيمان: أن الإسلام استسلام بالظاهر وأن الإيمان انقياد بالباطن فأنت في الإسلام تشهد الشهادتين: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وأشهد أن محمدًا رسول الله هذا في الإسلام وأشهد أن محمدًا رسول الله إذًا هذا استسلام ظاهري تقر بلسانك إقام الصلاة عمل، وإيتاء الزكاة عمل الصيام هذا من التروك ومرده إلى العمل والحج هذا عمل إذًا الإسلام أعمال ظاهرة. وأما الإيمان فهو انقياد داخلي انقياد باطني فإذا قيل لك ما الفرق بين الإسلام والإيمان الإسلام استسلام ظاهري والإيمان انقياد باطني.
لا إسلام بلا إيمان يصححه
لكن هنا قاعدة أو مسألة ضرورية مهمة، أن المسلم لا يكون مسلمًا بهذه الأركان الخمس إذا لم يكن معه من الإيمان ما يصحح به إسلامه ما معنى هذا الكلام، يعني: شخص أقام الصلاة أتى الزكاة صام حج وقبل ذلك شهد الشهادتين لكنه لم يؤمن باليوم الآخر، ولم يؤمن بالكتب ولا بالرسل هذا مؤمن هل هذا مسلم ليس بمسلم إذًا حينما فسر العلماء الإسلام.
بل فسر الرسول الإسلام بهذه الأركان الخمسة ليس معنى ذلك، أن المسلم لا يكون معه إقرار باطني ولكن معناه: أن الانقياد الباطني بالإيمان ألصق وأن الإسلام الاستسلام الظاهري بالإسلام ألصق كذلك الإيمان شخص يؤمن بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ والقدر، ولم يشهد الشهادتين هل يصلح، يعني: واحد قال أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه لم يقل: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، وأشهد أن محمدًا رسول الله أين الشهادة
لذلك نقول الإسلام استسلام ظاهري مع تصحيح الإيمان مع ما يصحح به هذا الأمر من الإيمان والمؤمن مؤمن بالباطن مع ما يصحح له ذلك من الإسلام هذا مهم في هذا الأمر.. ثم ظاهر الحديث أن الإيمان طبقة ومرتبة تختلف عن مرتبة الإسلام. وهذا ما عليه المحققون إذ قالوا «إنَّ الإيمان أخص من الإسلام، وأعلى درجة منه».
مراتب الدين ودوائر الإسلام والإيمان
فقالوا: الدين مراتب؛ المرتبة الأولى مرتبة الإسلام والمرتبة الثانية مرتبة الإيمان والمرتبة الثالثة مرتبة الإحسان. وبناءً عليه فمن حيث المراتب أخصها الإحسان ثم بعد ذلك الإيمان ثم بعد ذلك الإسلام فالإسلام أوسع دائرة ثم الإيمان ثم الإحسان، ومن أجل ذلك قالوا كل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، ولا كل مؤمن محسنًا، يعني: أنت إذا وصلت إلى مرتبة الإيمان، فأنت مسلم إذا وصلت إلى مرتبة الإحسان، فأنت مسلم ومؤمن.
لكن قد يكون مسلمًا ، ولا يصل إلى مرتبة لاحظ معه أصل الإيمان. لكن لم يصل إلى مرتبة أعلى في الإيمان من مثل كمال الإيمان الذي يقولون عن الإيمان المطلق وفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق فالإيمان المطلق معناه: كمال الإيمان ومطلق الإيمان معناه: أصل الإيمان طيب جميل هذا هو ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هذا عام من جهة خاصة من جهة ولهم اعتبارات فيها.
آية الأعراب ودفع إشكال الدين إسلام
لكن هذا أقرب في الدلالة نقول الإيمان أخص من الإسلام والإحسان أخص من الإيمان ومما يدل على ذلك هذا الحديث إذ أجاب الرسول ﷺ وفسر الإيمان بشيء وفسر الإسلام بشيء قد يرد على ذلك بعض الإيرادات. لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أرد الإيرادات أقول هل من دليل آخر على الفرق بين الإسلام والإيمان أحسنت بارك الله فيك من أدلة التفريق بين الإيمان والإسلام قول الله: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا﴾5.
تأمَّل! ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾67 إذًا معناه:، أن الإيمان مرتبة أعلى وصلتم إلى مرتبة الإسلام، ولم تصلوا إلى مرتبة الإيمان ولكن من رحمة الله، وإحسانه قال ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقل ولم قال ولم قالوا: لأن «لم» وإن دلت على النفي. لكن يترقب حصوله، يعني: أنت حينما أسألك عن شخص وأقول لك: فلان جاء ولا لم يأت فتقول: فلان لمّا يأتِ وتقول: فلان لم يأتِ ما الفرق؟ لم يأتِ، يعني: فلان لن يأتي أصلًا لم يأت خلاص أنا لا أعرف عنه شيئًا وغير موجود الآن.
لكن إذا قلت: لمّا يأتِ، يعني: هو غير موجود. لكن ينتظر قرب مجيئه سيأتي قريبًا. فقال، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ كأنَّه ترغيب في أن يدخل الإيمان في قلوبهم لا تحرموا أنفسكم من أن تستعينوا بالله وأن تحققوا الإيمان فهذا من أدلة التفريق بين الإيمان والإسلام طيب يرد على ذلك بعض الإيرادات من ذلك قول ربي: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾8 هل الدين إسلام فقط ولا الدين إسلام وإيمان وإحسان الدين إسلام وإيمان وإحسان بدليل حديث جبريل أتاكم جبريل يعلمكم دينكم يعلمكم دينكم شمل الإسلام والإيمان والإحسان طب الآية تقول ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ قالوا معنى إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ هنا بمعنى الإسلام والإيمان والإحسان، يعني: كلمة الإسلام عامة تشمل الثلاثة فمعنى إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ أي: إسلام وإيمان وإحسان كل هذا من الدين لذلك ذكروا قاعدة.
قاعدة الاقتران وحديث وفد عبد القيس
فقالوا الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت ما معنى هذا الكلام، يعني: إذا جاءت كلمة الإسلام في مقارنة مع الإيمان فالإسلام يختلف عن الإيمان في الدلالة يبقى الإيمان أعلى. لكن لو جاءت كلمة الإسلام وحدها تشمل الدين كله جاءت كلمة الإيمان وحدها تشمل الدين كله ما معنى هذا أكثر كل الآيات القرآنية التي قال الله فيها يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا هل يخاطب الله فيها المؤمنين فقط ولا يدخل فيها المسلمون أيضًا، يعني: هل يأتي ويقول أنا إيماني ناقص وأنا على قد حالي وربنا قال يا
﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا يبقى الخطاب ليس لي هل يقول هذا لا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا، يعني: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين أسلموا إذًا كل الآيات التي فيها ذكر الإيمان يدخل فيها الإسلام في الأصل ما دام أن الإيمان جاء منفردًا. لكن حينما يقول الله: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾910 إذًا مرتبة الإيمان مرتبة أخص وكذلك لما جاء هنا في حديث جبريل ذكر الإسلام والإيمان يبقى الإيمان أخص ومن الأدلة على هذا من السنة على أن الإيمان إذا جاء وحده شمل الدين وأن الإسلام إذا جاء وحده شمل الدين نحن ذكرنا دليلًا على أن الإسلام إذا جاء منفردًا شمل الدين، إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ طب نريد حديثًا يدل على أن الإيمان إذا أُطلق شمل الدين من يأتينا به حديث يدل على أن الإيمان يشمل الدين كله يشمل الإسلام أيضًا اح ما هو أحسنت حديث ابن عباس في الصحيحين يقال له: حديث وفد عبد القيس حينما قال الرسول ﷺ لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده»11 قالوا: «وما الإيمان بالله وحده» يريدون ما الإيمان بالله.
فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله «وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» وأن تعطوا من المغنم الخمس الرسول فسر الإيمان بماذا؟؟ بالإسلام فسر الإيمان بأنه الشهادة بأنه الشهادتان «وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ». وهذا هو الإسلام إذًا فسر الإيمان بالإسلام يدل على أن الإيمان يشمل الدين اتضحت المسألة يبقى إيراد واحد على هذه المسألة وهي قول ربي جل ذكره في سورة الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ12 فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ أين وجه الإشكال أن الله قال ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾13 فعبر بالإيمان وبالإسلام
إشكال الذاريات وتقرير اختصاص الإيمان
والسؤال هنا هل المسلمون في الآية يختلفون عن المؤمنين أم هم هم هم ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ من هم آل لوط باستثناء امرأته ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ من هم آل لوط باستثناء امرأته إذًا، المؤمن هنا هو المسلم مع أنَّه جاء في نفس السياق في السياق نفسه، وعلى كلام من قال لأنَّهما إذًا اقترن افترق إذًا اجتمع افترق فكيف يكون هذا؟ يمكن الجواب عن ذلك بأجوبة والعلم عند الله تبارك وتعالى منها أن المؤمنين هنا هم المسلمون حقًا ولكن جاء التعبير عنهم بالصيغتين للثناء عليهم بالوصفين أوليس المؤمن مسلمًا ، يعني: إحنا مش ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من البداية، أن الإسلام والإيمان مرتبتان ومرتبة الإيمان أعلى من الإسلام فإذا وصفت المؤمن بالمسلم فلا إشكال، يعني: نفرض مثال أنت الآن فلان مؤمن أنت قلت: عليه أنت مسلم صح ولا غلط صح وقلت له أنت مؤمن صح ولا خطأ طيب رب العزة قال هم مؤمنون.
وقال هم مسلمون فأراد الله أن يصفهم بالوصفين تكريمًا لهم وأيضًا لئلا يتكرر اللفظ مرتين، يعني: قال ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ﴾ المؤمنين صار في تكرار. لكن لما قال المؤمنين المسلمين عرفنا إنهم موصوفون بالوصفين فكان تشريفًا لهم بذكر الوصفين كأن تقول فلان مسلم مؤمن يبقى وصفهم بالوصفين هذا شيء.
الأمر الثاني: أن الله لما قال ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ إذ بيَّن الله عز وجل أنه لا مسلم إلا هؤلاء فمن باب أولى، ولا مؤمن إلا هؤلاء ها ما معنى هذه اللطيفة. وذلك أنك إذا نفيت الأعم فقد نفيت الأخص واضح، يعني: أنت إذا قلت: نفرض مثال قلت: هذا المكان ما فيه مؤمن.
لكن ممكن أن يكون في مسلم صح ولا لا إذًا إحنا فسرنا الإيمان بالمعنى الأخص هذا المكان ليس فيه مؤمن. لكن ممكن يكون في مسلم ففي النفي تنفي الأعم فلما قال فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ، يعني: لو تنزلنا وتركنا مرتبة الإيمان ونزلنا إلى مرتبة الإسلام لن نجد أيضًا إلا هذا البيت يبقى هذا فيه دلالة أنه لا يوجد في هذه القرية لا مسلم، ولا مؤمن إلا لوط عليه السلام باستثناء امرأته هذا جميل وجليل ويمكن أن يُقَال: في هذا جواب آخر إننا نقول أن الاقتران يتأتى في باب السؤال فنقيِّد العبارة ونقول: ما جاء في حديث جبريل كان في مقام التفريق وهو السؤال ما الإسلام ما الإيمان بخلاف ما إذا جاء على سبيل الذكر أو الوصف فيحتمل التفريق ويحتمل لأنَّهما بمعنى واحد والعلم عند الله تبارك وتعالى هذا شيء ثم نقول واقع.
الأمر دل على ذلك، يعني: الإيمان يختلف عن الإسلام من حيث المفهوم. لكن من حيث الأفراد قد يتفقوا يتفق هذا مع ذاك. بل الأصل إذا وجد الإيمان وجد معه الإسلام، لا العكس، يعني: أنت الآن بتقول مفهوم الإيمان يختلف عن مفهوم الإسلام. لكن المؤمن والمسلم إذا وجد المؤمن وجد المسلم إذا وجد المسلم قد يوجد المؤمن أو لا يوجد إذًا هناك فرق بين المفاهيم بين المفاهيم وبين الماصدق كما يقولون هذا حاصل ما يقال مما يمكن أن يذكره العلماء منها ما رأيت من ذكره، ومنها ما لم أرَ من ذكره.
لكن يستفاد من كلام أسيادنا وعلمائنا وشيوخنا وأنقل ختامًا في هذه المسألة بعض ما ذكروا تقريرًا لهذا يقول الحافظ ابن كثير في الإجابة عن الآية في سورة الذاريات قال اتفق الاسمان هاهنا المؤمنين المسلمين لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال أستاذ، يعني: يقول اتفق المؤمن والمسلم لأنه الحال أن هؤلاء مؤمنون وهؤلاء مسلمون.
لكن ممكن في موضع آخر أن يكون هناك مسلمون وليسوا مؤمنين يبقى هذا لخصوصية الحال لا في كل حال. وقال ابن عاشور والتعبير عنه بالمسلمين النوم آل نبي وإيمان الأنبياء إسلام، يعني: كثيرًا ما يعبر الله عن إيمان الأنبياء بالإسلام لذلك كثر مع ذكر الأنبياء والمرسلين ذكرُ الإسلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾1415 في حق إبراهيم عليه السلام، ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾1617 لم يقل: وأنتم مؤمنون.
وهذا تكرر فكان هذا شعار في حق الأنبياء والمرسلين. لكن يبقى في هذا الأمر. الفائدة في التغاير في اللفظ، يعني: هم ذكروا ما يجوز التعبير وأفضل منه أن تذكر سر التعبير ها واضح الفرق إحنا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الآن يجوز تقول عن المؤمن مسلم. لكن لما عبر فيمكن أن يقال للتفنن في العبارة حتى لا يتكرر اللفظ هذا شيء أو أن نقول لأنه لما نفى عنهم عن البيوت أو عن القرية الإسلام باستثناء لوط وأهله باستثناء امرأته فكأنَّه قال لم يوجد إسلام فليس هناك إيمان باستثناء آل البيت فلما ذكر النفي ذكر الأعم.
وهذا من محاسن ما يكون في بلاغة القرآن والعلم عند الله تبارك وتعالى إذًا عرفنا ما يتعلق بهذا الماء.. وهو، أن الإيمان أخص من الإسلام. وهذا ما عليه جماهير أهل العلم؛ وإن كان منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن الإسلام والإيمان بمعنى واحد ونسب هذا للمعتزلة وهو قول ضعيف والصحيح التفريق؛ لما ورد من قوله تعالى ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾18 ولحديث جبريل المشهور عليه السلام، «أن تؤمن بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وتؤمن بالقدر خيره وشره» فماذا عن الإيمان بالكتب وماذا عن الإيمان بالرسل هذا نتعرف عليه في الدرس المقبل بإذن الله.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
- آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 128 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 128 ↩
- آية: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 14 ↩
- آية: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحجرات: 14 ↩
- آية: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحجرات: 14 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ — آل عمران: 19 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 35 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ — الأحزاب: 35 ↩
- حديث: «آمركم بالإيمان بالله وحده» — نسبة الشيخ: البخاري ومسلم ↩
- آية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — الذاريات: 35-36 ↩
- آية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 35-36 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 131 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — البقرة: 131 ↩
- آية: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 132 ↩
- آية: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — البقرة: 132 ↩
- آية: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحجرات: 14 ↩
من سلسلة: شرح صحيح مسلم (31 درسًا)