الإيمان حسن الخلق
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
تلازم كمال الإيمان بحسن الخلق وبشارة القرب من مجلس النبي ﷺ
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، البرُّ الكريم الغفور الرحيم وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، ذو الخُلُق العظيم والهادي إلى صراط الله المستقيم صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، لقد جمع هذا الدين العظيم بين الدعوة إلى الإيمان والخُلُق الكريم، فديننا دين الإيمان والأخلاق، ولذلك لا فكاك بينهما. بل إن رسولنا محمد ﷺ قد قال «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» من زاد عليك في حُسن الخُلُق زاد عليك في الدين كلما كان الخلق أعظم كان الدين أقوى وكلما كان الدين أقوى كان الخلق أعظم هكذا يُعلِّمنا ديننا قال الله سبحانه ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾2 (البقرة: 177) فالقرآن يدلنا على أن البر هو الإيمان ورسولنا يقول إن «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ».
وهذا معناه أن الإيمان حسن الخلق حسن الخلق مع الله وحسن الخلق مع خلق الله عز وجل كل ذلك يدعونا إليه ديننا. وقد قال رسولنا ﷺ، كما ثبت عنه من طرق متعددة: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» فمَن أراد أن يكون حبيبًا لرسول الله ﷺ وأن يكون قريبًا من مجلس رسول الله ﷺ يوم القيامة فليكن من أحسن الناس خُلُقًا قدر استطاعته.
نيل درجة الصائم القائم وسماحة البيع والشراء وبركة الصدق
وقال صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها. «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» فالإنسان يدرك بحسن خُلُقه درجات عظيمة ورفعة كبيرة عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. إن الأخلاق في الإسلام أخلاق متينة لأنَّها تقوم على مراقبة الله فالعبد يُحسن إلى خلق الله في سرِّه وجهره وعلنه في ذهابه وإيابه، وفي أموره كلها لا ينتظر من الناس جزاء، ولا شكورًا لأنه يسعى ليُرضي ربه وكفى فهو في كل أحواله على الأخلاق النبيلة في بيته، وفي طريقه، وفي عمله ومع الناس أجمعين مع أقاربه ومع غيرهم يتقي الله عز وجل فيما يتعامل به يا أيها الإخوة الكرام، ومن الأبواب المهمة التي علينا أن نراعي فيها حُسن الخُلُق بابُ المعاملات فكثير من الناس في باب المعاملات لا يراعي تقوى الله، ولا يراعي حسن الأخلاق.
وقد علَّمنا الرسول الكريم ﷺ، كما ورد في صحيح البخاري «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» حتى في المطالبة بحقك، فإنه يجدر بك أن تكون سمحًا كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له وعلمنا أيضًا أن المعاملات ينبغي أن تقوم على الصدق والأمانة قال ﷺ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» فما أحوجنا في معاملاتنا أن نكون من ذوي الخلق الحسن نتقي الله في معاملاتنا فلا نغش ولا نخادع ولا نكذب وإنَّما نكون كما يريد ربنا وكما أمر رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
ثقل الخلق في الميزان وامتحان المعاشرة بالأهل وتوقير الكبير
فيا عباد الله، إياك، أن تظن يا عبد الله لا تظن أنك حينما تترك شيئًا مما لك إرضاءً لله، أن أجرك سيضيع، وكذلك الذي لا يظلم الناس فليعلم أن الله سبحانه سيُعطيه. وقد قال ﷺ «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» وفي لفظ من حسن الخلق «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» فيوم القيامة أنت بحاجة إلى الحسنات، فتجد تلك الحسنات بالمعاملة الطيبة التي تعاملت بها وقد أثنى الله على النبي محمد ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾3 (القلم: 4) قال بعضهم: أي إنك لعلى دين عظيم فصاحب الإيمان العظيم صاحبُ خُلُقٍ عظيم، يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوجنا كذلك إلى حُسن الخُلُق في بيوتنا وفي التعامل مع أهلينا «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» كما قال الرسول الكريم ﷺ فيقبح بالعبد أن يكون بين الناس على خُلُق حسن، وأن يكون سيِّئ الأخلاق مع أهله.
بل إن الميزان الحقيقي لمعرفة خُلُقك ما يكون منك في بيتك «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» فكن كريمًا مع أهلك وكن رفيقًا رحيمًا بهم وكذلك كن لطيفًا كما علَّمنا الرسول الكريم ﷺ وكذلك على الزوجة أن تكون صابرةً على زوجها وأن تكون رفيقةً به وألَّا تؤذيه بكلامها وكذلك أن تقصر طرفها عليه، فلا يمتد بصرها إلى غيره فما أحوج بيوتنا إلى الأخلاق النبيلة من الرجال والنساء لتستقيم الأمور بفضل الله، ومن الأبواب العظيمة التي ينبغي أن يُراعى فيها حسن الخلق التعامل بين الصغير والكبير فقد علمنا الرسول ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا»، وفي بعض الروايات: «وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» فالرسول ﷺ يُعلِّمنا: «ليس منا مَن لم يرحم صغيرنا»، وكذلك يُوقِّر الكبير، ويعرف قدر شيوخنا، ويعرف لعالمنا حقَّه فما أحوجنا إلى أن نرى صغارنا.
وقد احترموا كبارهم. أما ما يجري في بعض الأحوال من إساءةٍ للكبير وعدم الاعتداد به ومن شدَّة الكبير على الصغير دون مُسوِّغٍ لها. فهذا مما لا يليق في دين الله ونبينا ﷺ قد كان يدعو بحسن الأخلاق فكان من دعائه «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي»، وكان من دعائه اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيِّئها، لا يصرف عني سيِّئها إلا أنت، اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال.
لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيِّئها، لا يصرف عنا سيِّئها إلا أنت، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها، أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليها ومولاها، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 177 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)