مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

استدرك ما فاتك من رمضان

خطب · الدرس 42 من 342 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وانتصاف رمضان ووعيد الحرمان من المغفرة
  2. علاج فتور أوساط الشهر وهدي النبي في استدراك الفوائت
  3. «إيمانا واحتسابا»: تجديد معنى العبادة والنية في الصيام والقيام
  4. التحذير من لصوص رمضان وترويض النفس على الصبر
  5. فضل العشر الأواخر والاستعداد للقاء الله والانتصار على النفس
  6. اقتران الصيام ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ والنصر والدعاء لأهل غزة
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وانتصاف رمضان ووعيد الحرمان من المغفرة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ1 وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾2 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾3 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، مضى من شهر رمضان أوله وصدره، وكدنا نقارب أو ندخل على منتصفه واكتمال بدره والفائز من وفقه الله وسدده والخاسر من انتكس وخاب وابتعد عن طاعة الله سبحانه وتعالى، إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه كما في صحيحي ابن حبان وابن خزيمة صعد المنبر يومًا.

فقال: «آمين، آمين، آمين»، فسُئل الرسول ﷺ عن قوله: آمين. «فقال: أتاني جبريل فقال لي: من أدرك رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعده الله، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: آمين، فقلت: آمين» من أدرك رمضان. وقد مَنَّ الله علينا فأدرك رمضان ومضى من الشهر ما يقارب المنتصف فماذا نحن صانعون. يا عباد الله، أينا من المغفور لهم؟.

نسأل الله أن يغفر لنا وأن يتجاوز عنا قد ثبت عن نبيكم محمد ﷺ «إن لله عز وجل عتقاء من النار في كل ليلة» فهل أصابنا هذا النصيب؟. نسأل الله ألَّا يحرمنا فضله، وكذلك ورد في حديث حسَّنه عدد من العلماء، أن لله عتقاء من النار. وذلك عند كل فطر فنسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا فضله ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم وأنت في هذا الشهر المبارك الذي تمر ساعاته وأيامه سريعًا تمر مر السحاب أن تدخل ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يُغلق الباب فنسأل الله، أن يفتح لنا أبواب رحمته ومغفرته وأن يجعلنا من السابقين في فعل الخيرات وألَّا يحرمنا الأجر والثواب.

يا أيها الإخوة الكرام، وقد منَّ علينا بإدراك هذا الشهر لا ندري أنعيش لعام آخر ونحيا في رمضان آخر ذلك لا نعلمه كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهلٍ وإخوانٍ وجيران أفناه الموت واستبقاك بعدهم حيًا فما أقرب القاصي من الداني، أن العبد العاقل هو الذي يستدرك ما فاته ويسأل الله الإعانة ولله الحمد والمنة فما زالت الفرصة سانحة وما زالت أبواب الجنة مفتوحة وأبواب الخير ممنوحة وما زالت كذلك شهوات النفس مقيدة والشياطين مصفدة فالعاقل من تعقل وتبصر.

علاج فتور أوساط الشهر وهدي النبي في استدراك الفوائت

نسأل الله الكريم من واسع فضله، يا أيها الإخوة الكرام أن الناظر إلى واقع الناس يرى أمرًا غريبًا. وذلك أنَّ كثيرًا منهم بعد الدخول في الشهر وانصراف جزء منه يبدأ الكسل يدب في صدور الكثيرين ويتسرب إلى قلوب الكثيرين والمتوقع أن يكون العكس لأنَّ الطاعة تجلب طاعة والحسنة تدفع إلى حسنة فما بال أولئك لم يزدهم قربهم كما يزعمون إلا بعدا، ولم تزدهم تلك الحسنات إلا ابتعادًا عن طاعة الله جل وعلا إنهم تقاعسوا وتكاسلوا في بدايات الطريق مع أنَّ رمضان مدرسة وجرعة إيمانية يستقي منها العبد ويغترف ليستمر على الطاعة بعد رمضان ليعلن أنه عابد للرحمن، ومن أجل ذلك خلق الإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾، أن أولئك النافرين عن طاعة الله الشاردين عن جادة الطريق الذين تقاعسوا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يذوقوا حلاوة الإيمان افتقدوا محاسبة النفس فلما غفلوا عنها نسوا أنهم خُلقوا لغاية عليهم أن يسعوا إليها وأن يسألوا الله الإعانة عليها ولذا قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18) أن شهر رمضان حين يجيء لا يجيء ليذهب وإنَّما يجيء ليربي ويهذب ليربي نفوسًا ويزكيها وليرفعها إلى بارئها فيعلي الله شأنها ويرفع درجاتها.

نسأل الله الكريم من واسع فضله، يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوج العباد إلى استدراك ما فات وهكذا دأب المؤمن دومًا يستدرك ما فاته ما دام أعطاه الله القدرة على ذلك. وهذا من رحمة الله، جل وعلا بالعباد ولذا. فإنَّ نبينا صلوات الله وتسليماته عليه كان إذا فاته وتره من الليل قضاه بالنهار صلوات الله وتسليماته، ولما اشتغل بوفد عبد القيس عن سنة الظهر قضاها بعد صلاة العصر ﷺ يستدرك ما فاته لا يقول: إن لديَّ ثوابًا كثيرًا وأعمالًا عظيمة فعندي ما يكفيني ما الذي يكفيك يا ابن آدم وأنت أحوج ما تكون إلى كل حسنة تعملها وإلى كل سيئة يكفرها الله عز وجل عنك فاستدرك ما فاتك واعلم أنه من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض من كل شيء إذا ضيعته وفاتك من الدنيا عوض. وأما إذا ضيعت طاعة الله فما الذي يعوضك عنها.

«إيمانا واحتسابا»: تجديد معنى العبادة والنية في الصيام والقيام

نسأل الله أن يملأ أوقاتنا وقلوبنا بطاعته أمان به، يا أيها الإخوة الكرام، جدير بك، أن تحاسب نفسك وأن تعلم كيف تتعامل مع شهر رمضان، أن الرسول الكريم صلوات الله وتسليماته عليه علمنا أصلًا عظيمًا ينبغي لنا أن نعيه ونحن نتعامل مع شهر رمضان صيامًا وقيامًا. فقال ﷺ: فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال أيضًا: «من قام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». ما أحوجك إلى أن تفهم معنى الإيمان والاحتساب وأن تحققه في حياتك إنك حينما تصوم إيمانًا حينما تقوم إيمانًا تقول: يا رب أنا أصدِّقك، أصدِّق شرعك أؤمن بك أعلم إنني مَيِّت وإنني مبعوث وإنني موقوف بين يديك فيحمل الإيمان على كل خير وترك كل شر فتحقق قول الله ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾6 (الحجرات: 7) ما أحوجك حينما تصوم كل يوم من أيام رمضان، أن تتذكر هذا الحديث أنك تصوم مؤمنًا بالله أنا أصوم فرضًا افترضه الله عليَّ أصوم واجبًا أوجبه الله عليَّ أتقرب إلى الله به أريد من الله، أن يرضى عني وأن يعفو عني ويتجاوز عني وكذلك كلما صليت ليلة من الليالي وقمت ما يسر الله لك من قيام الليل أو كما نقول من صلاة التراويح تذكر هذا.

المعنى أنك تقوم إيمانًا أنت مؤمن، أن قيام الليل من شريعة المرسلين أو أن قيام الليل من هدي الرسول الأمين وأن له فضلًا عظيمًا عند الرب الكريم سبحانه وتعالى، الإيمان ألَّا تتحول العبادة إلى عادة. وهذه هي الآفة حينما نصوم لأنَّ الناس يصومون وحينما نصلي لأنَّ الناس يصلون أو نصوم لأننا صمنا أمس وصمنا العام الماضي والعام الذي قبله لا، جدِّد نيتك واستحضر مع كل يوم تصومه ومع كل ليلة تقومها ومع كل صدقة تتصدق بها ولذا قال يحيى بن أبي كثير: «تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل» تعلموا النية فإنَّها أبلغ من العمل وكما قال ابن المبارك: «رُبَّ عمل صغير تعظِّمه النية، ورُبَّ عمل عظيم تصغِّره النية» أن النية ترفع عملك فيثيب الله على العمل وإن كان قليلًا ثوابًا كثيرًا لأنك آمنت بالله واحتسبت الأجر عند الله والأمر الثاني: الاحتساب إيمانًا واحتساب أنت تحتسب على الله منعت نفسك من الطعام والشراب منعت نفسك من الشهوات أخرجت من مالك صدقة فوق الزكاة مع أنَّك تحتاج إلى المال «تخشى الفقر وتأمل الغنى» ونفسك إلى المال ممتدة وأنه لحب الخير لشديد لكنك جُدت وبذلت محتسبًا عند الله سبحانه وتعالى، إياك، أن تغفل عن هذا.

المعنى أن تكون محتسبًا قمت من الليل ما فتح الله لك الناس ناموا ونظروا إلى قواطع الطريق عن الطاعات في رمضان وأنت أقبلت على مصحفك وأقبلت على صلاتك وقرأت كتاب ربك وخشعت ودمعت عيناك وتذللت لربك ودعوته، أن يتقبلك أنه الاحتساب الذي يكون به العطاء الكبير من الكريم الوهاب سبحانه جل وعلا ثم اعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أن المسلم عليه في شهر رمضان، أن يسأل الله الثبات دومًا وأن يكثر من الدعاء.

التحذير من لصوص رمضان وترويض النفس على الصبر

فإنَّ الله قد ذكر قوله عز من قائل ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾7 (البقرة: 186) ذكر تلكم الآية في أثناء حديثه عن الصيام لأنه لا انفصال ولا انفصام ألبتة بين الصيام ودعاء الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى، فادع ربك وتضرع إليه سله، أن يشفي قلبك فكم في قلبك من أسقام كم في قلبك من أدواء إن داء القلب يسري على الجارحة وإذا سرى على الجارحة أفسد سلوكك فطمعت في الدنيا، ولم تحصل منها ما تريد وإذا شفى الله قلبك نظرت إلى الدنيا بعين البصيرة فأدركت حقيقتها فهان عليك أمرها فكفاك منها القليل وأعطاك الله الكثير وهو الذي يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ما أحوجك إلى الدعاء ثم ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم وأنت تستدرك ما فاتك من أيام رمضان، أن تنظر إلى لصوص رمضان نعم إلى هؤلاء اللصوص الذين أضاعوا وقتك وضيعوا رأس مالك من هم لا تدعهم يسرقونك لا تدعهم يضيعون وقتك كم آية قرأت كم سورة قرأت كم ختمة ختمت؟ كم ذكرًا قلت: كم آية تدبرت كم صدقة تصدقت وجدت استدرك ما فاتك هناك لصوص قطعوا عليك الطريق ربما كان من اللصوص الهاتف الذي تشغل به كثيرًا كلما تلوت آية من آيات الله سبحانه وتعالى، اجعل لكتاب ربك نصيبا، وفيرا ووقتًا عظيمًا لا تجعلوا للقرآن فضول الأوقات القرآن لا يكون له فضول الأوقات ما بقي من الأوقات لأنَّ القرآن هو الغذاء فيُعطى أثمن الأوقات وأغلى الأوقات كذلك إذا صليت فأقبل على ربك في صلاتك وسله، أن يرزقك الخشوع حينئذ تثبت على الطاعة في رمضان، وبعد رمضان وإلى أن تلقى الرحمن ويصيِّرك الله من عباده المخلصين الذين لا يتسلط عليهم الشيطان الرجيم وصدق الله إذ قال ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ﴾8 (الحجر: 42) وما أحوجك إلى هذا اللفظ.

بل إلى هذه الكلمة، ﴿إِنَّ عِبَادِى﴾، أن تصير في هذه الياء، في ياء الإضافة، أن ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أن ينسبك الله إليه عبدًا اخترت العبادة ورضيت بها ووفقك الله عز وجل إليها. وقال الشيطان نفسه كما ذكر القرآن ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾9 (ص: 82-83). جعلنا الله من عباده المخلصين، يا أيها الإخوة الكرام، استدرك ما فاتك بأن تتأمل في حق هذا الشهر، وفي الغاية من مشروعية صيامه ومما أتحفنا الله به في هذا الشهر من ثواب وتيسير للطاعات بأن غُلِّقت أبواب النيران وفُتحت أبواب الجنان وصُفِّدت الشياطين ومردة الجان هذه دروس عظيمة لا بد أن تستدرك، أن شهر رمضان، أن الصيام يعلمنا دروسًا عظيمة فما أحوجك إلى تعلُّمها اختصر وأوجز فأقول: مما عليك أن تستدرك إذا فاتك، ولم تشعر به درس الصبر نعم درس الصبر رمضان علمنا الصبر أنت كنت إذا استيقظت من النوم وربما لم تجد الطعام لمدة ساعة أو ساعتين لم تصبر وربما أغضبت زوجتك وربما حدثت مشكلة لكذا ولكذا وها أنت ذا تستغني عن الطعام طول النهار ربما لم تستطع أو لم يستطع بعض الناس أن يستغني عن الدخان لبضع ساعات قليلة وها هو يصوم أكثر الوقت أو يصوم نصف اليوم وأكثر أقصد نصف يوم وليلة يصوم النهار كله وكل ذلك وهو تارك للدخان ولغيره ابتغاء مرضات الله سبحانه تعلم الصبر كثير من الناس قد يتعرضون لك بالأذى وأنت تجيبهم قائلًا لا أستطيع أن أرد عليكم لأنني صائم تقول ما علَّمك الرسول إياه: «إني صائم، إني صائم» حسنت أخلاقك وقلَّ الفساد منك واقتربت من مولاك صرت تحافظ على الصلوات الخمس أو صار كثيرون يفعلون ذلك في الوقت الذي كانوا يدَّعون في غير رمضان أنهم بالدنيا مشتغلون وأن أعمالهم كثيرة وأنهم من الصلاة لا يتمكنون مع أنَّ الله قال ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ ما الذي جرى وما الذي حدث؟ كل ما هنالك أنك صبرت فصبرت على الطاعة وصبرت عن المعصية وصبرت على الابتلاءات، ومن هذه الابتلاءات الجوع والظمأ والله قال ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌ صَـٰلِحٌ﴾ وإذا كانت الآية في ذكر الجهاد، وفي شأن الجهاد فكذلك في كل من يظمأ أو يعطش ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، يذهب الظمأ وتبتل العروق ويثبت الأجر بإذن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهل الدنيا إلا صبر ساعة؟ أنت في دار شتات فتأهب لشتاتك، واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك، وليكن فطرك عند الله في يوم وفاتك أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فضل العشر الأواخر والاستعداد للقاء الله والانتصار على النفس

فيا عباد الله، علينا أن نستدرك ما فاتنا من هذا الشهر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفوت وينقضي ونسأل الله، أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وقد كان نبيكم ﷺ «كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها». وهذا معناه: أن ما بقي من الشهر أفضل مما فات فلئن فاتك خير فبقي أمامك خير فلا تضيع هذا الخير واسمع قول الله إذ قال وما أحسن ما قال ﴿وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾10 (البقرة: 223)

انظر إلى هذا الجزء من الآية، ﴿وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 223) والله ثم والله إنك ستلاقي الله كما أخبر الله «وما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» فهل تستعد لهذا اللقاء حين تلقاه تلقاه. وقد تبت إليه تلقاه. وقد دعوته وتقربت إليه تلقاه. وقد قرأت كتابه وعملت به واستقمت على طاعته ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾11 (العنكبوت: 5) إن الطاعة ما هي إلا صبر، إن ترك المعصية ما هو إلا صبر الله الله في الصبر إذًا كنا نسمع ونعرف أن شهر رمضان شهر الانتصارات وأن غزوة بدر كانت في رمضان، وأن فتح مكة كان في رمضان وأن كثيرًا من انتصارات المسلمين كانت في رمضان فأين انتصارك على نفسك أين انتصارك على نفسك حين تأمرك بالسوء حين تدعوك إلى الفحشاء

﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم والله ثم والله، إن للطاعة قوة، إن للاستقامة قوة من أدركها ووفق لها سعد في الدنيا والآخرة أقول لك، أن الذين يتقون الله يعانون ما تعانون ويقاسون ما تقاسون إن كنت تشتكي غلاءً فهم يشعرون به، إن كنت تشتكي همًّا فهم يعيشون فيه. لكن الهموم تمزقت والغلاء ذهب وكل الأمور تيسرت لأنَّ قلوبهم بالله تعلقت فلما تعلقت بالله تيسرت لهم الأمور وهانت عليهم الشدائد فجعل الله لهم من كل ضيق مخرجًا أنك تصوم وربما تقاسي حرًّا أو بردًا أو تقاسي ظمأً أو جوعًا فيأتي الإفطار فيذهب ذلك كله وهكذا الدنيا الفرج بعد الشدة.

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾12 (الشرح: 5) قال الرسول «واعلم أن النصر مع الصبر» تدرون لِمَ انتصروا في هذا الوقت؟ لأنهم صبروا والصبر والنصر قرينان وحليفان لا ينفكان لذا قال الله ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾13 (آل عمران: 186) والصوم كما يعلمك الصبر يحقق لك التقوى كما قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ14 تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) ت تقولون ح أصل القول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم استدرك ما فاتك بتعلم الدروس المفيدة من شهر رمضان والإقبال على الطاعة وأن تخلع عنك عباءة الكسل وأن تنظر إلى لصوص رمضان وتسأل ربك سبحانه، أن تتجنبهم وتتقرب إلى ربك.

اقتران الصيام ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ والنصر والدعاء لأهل غزة

وفقنا الله لما يحب ويرضى اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا آمين، لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم فرج كرب المسلمين في غزة اللهم ارفع عنهم اللهم احقن دماءهم وارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم يا أرحم الراحمين اللهم عليك باليهود يا ذا الجلال والإكرام اللهم عليك باليهود المفسدين فإنَّهم لا يعجزونك اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 18 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
  7. آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 42 ↩
  9. آية: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 82-83 ↩
  10. آية: ﴿وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 223 ↩
  11. آية: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 5 ↩
  12. آية: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 5 ↩
  13. آية: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 186 ↩
  14. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 183 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة