مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الدرس التاسع - شرح حديث إذا انتصف شعبان .. إلى حديث لا صام ولا أفطر

شرح أحاديث كتاب الصيام من كتاب ( بلوغ المرام من أدلة الأحكام ) · الدرس 2 من 11 · 29 دقيقة · الحديث وعلومه

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. حديث منتصف شعبان بين النكارة والجواز
  2. ظاهر نهي السبت واضطراب حديث الصماء
  3. إفراد السبت مكروه لا محرّم
  4. صوم السبت والأحد مخالفةً للمشركين
  5. فطر الحاج بعرفة للتقوّي على الدعاء
  6. صوم الأبد بين الدعاء والإخبار والخلاف
  7. صيام داود أرجح من سرد الدهر
التفريغ النصي الكامل للدرس

حديث منتصف شعبان بين النكارة والجواز

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ3 وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾4 في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة التي نتناول فيها شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وقد توقف بنا الحديث عند حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال الحافظ رحمه الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا»5 رواه الخمسة واستنكره أحمد هذا الحديث يرويه لنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله محمد ﷺ إذا انتصف شعبان فلا تصوموا فيه نهي عن الصيام بعد المنتصف من شهر شعبان.

وهذا الحديث كما سمعتم يقول رواه الخمسة أي: أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال واستنكره أحمد، يعني: أن الإمام أحمد رحمه الله، حكم على الحديث بالنكارة لا يرى أنَّ هذا حديث صحيح. بل يراه منكرًا والحقيقة، أن هذا الحديث من الأحاديث التي اختلف في ثبوتها فقد صححه جماعة من أهل العلم كالترمذي وابن حبان وغيرهما، ومنهم من أعلَّه كأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وأبي زرعة الرازي.

وقالوا: إنَّ العلاء بن عبد الرحمن وهو أحد رواة الحديث قد تفرد به وهو ليس أهلًا للتفرد ورد الآخرون بأن الإمام مسلم أخرج له في صحيحه. لكن على كل حال فكبار المحققين يرون أنه حديث معلول أو منكر؛ لأنه مخالف لظاهر أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ منها ما تقدم من ذلك قول النبي ﷺ «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين» فقوله: لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، يُستفاد منه أنه يجوز للإنسان أن يصوم أكثر شعبان ولكن لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. وبناءً عليه فسيدخل في النصف الثاني.

وقد صام وأيضًا ما تقدم من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وما رأيته ﷺ في شهر قط أكثر صيامًا منه في شعبان فكان رسول الله ﷺ يصوم من شعبان أكثره. ولذلك جاء في بعض الروايات كان يصوم شعبان كله وفي بعضها إلا قليلًا. وبناءً عليه فلا حرج على المسلم إذا أحب أن يتطوع بالصوم في شهر شعبان، أن يصوم أكثر الشهر ولو دخل في النصف الثاني.

وهذا الحديث يقال عنه إنه منكر، وعلى فرض ثبوته فقد حمله العلماء على معنى، وهو ما لو تعمد الإنسان أن يبدأ الصوم من النصف الثاني من شهر شعبان وقصد بذلك أن يصله بشهر رمضان، يعني: شخص ترك الصيام في النصف الأول من شعبان وبدأ يصوم في النصف الثاني من شعبان فحينئذ يتأتى هذا النهي أو أراد أن يصل الشهرين والأصل ﴿إِلَّا﴾ يصل الشهرين لأنَّ الرسول نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين.

لكن حاصل القول أن المسلم له أن يتطوع في صيام شهر شعبان كما كان الرسول الكريم ﷺ يفعل

ظاهر نهي السبت واضطراب حديث الصماء

بعد هذا أورد الحافظ ابن حجر حديثًا آخر. فقال وعن الصماء بنت بسر رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»6. «فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجره فليمضغها» رواه الخمسة ورجاله ثقات إلا أنه مضطرب. وقد أنكره مالك. وقال أبو داود هو منسوخ هذا حديث آخر يذكره الحافظ ابن حجر وهو يذكر لنا الصيام المنهي عنه فقد درسنا في الكتاب بفضل الله عز وجل صوم رمضان وأحكام الصوم ومبطلات الصوم ثم انتقل بنا إلى الحديث عن الصيام التطوعي ثم انتقل إلى الصيام المنهي عنه تقدم في الدرس الماضي أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة إلا أن يصوم المسلم يومًا قبله أو يومًا بعده.

وهذا الحديث الذي معنا حديث يتكلم عن حكم صيام يوم السبت ترويه لنا الصماء بنت بسر رضي الله عنها وهي صحابية وأخوها صحابي يقال له: عبد الله بن بسر رضي الله عنه وفي بعض روايات هذا الحديث أن عبد الله بن بسر يروي هذا الحديث عن أخته الصماء رضي الله عنها عن الرسول ﷺ لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ظاهر الحديث أنه لا يصوم المسلم يوم السبت إلا في صيام الفرض، يعني: نحن في صيام رمضان يأتينا يوم السبت فنصوم يوم السبت هذا لا إشكال فيه.

أما في غير صيام الفرض لا يصام يوم السبت لا يصام يوم السبت هذا ظاهر الحديث لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم. فإنَّ لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فليمضغها، يعني: إنسان أتاه وقت أو الإنسان في أثناء اليوم قد لا يجد طعامًا فيكون الصيام يسيرًا عليه يقال له: أفطر ولو لم تجد إلا مثل هذا الذي لا يغني عنك شيئًا فلحاء العنب أو عود شجرة لا يغني عن الإنسان طعامًا، ولا يكفيه ولكن المقصود أنه يعجل ويفطر، ولا يصوم هذا اليوم إذا كان يوم السبت فنستفيد من ذلك، أنَّ الإنسان لا يتطوع بصيام يوم السبت وظاهر الحديث أنه لا يتطوع به ولو كان مثلًا في أيام البيض فلا يصومه لأنه منهي عنه وكذلك لو كان في الست من شوال فإنَّه لا يصومه لأنه منهي عنه إلى غير ذلك مما يقال في هذا الأمر، ولا يستثنى من ذلك إلا صيام الفرض.

بل لو أخذنا بظاهر الحديث نقول لا يصوم يوم عرفة لو وافق يوم السبت، ولا يصام يوم عاشوراء لو وافق يوم السبت. لكن هذا الحديث أكثر العلماء على أنه حديث ضعيف لا يصح عن رسول الله ﷺ وإن قلت: إذا كانت هذه الأحاديث فيها بعض كلام فلِمَ يذكرها الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام عادةً العلماء إذا دوَّنوا كتبًا للحديث في الفقه، ولم يشترطوا الصحة، ولا أحاديث كتاب معين كما صنع صاحب عمدة الأحكام إذ أخرج الأحاديث المتفق عليها في الأحكام هذا شرطه إذا لم يفعلوا ذلك فإنهم يريدون الأحاديث التي يعتمد عليها في الباب. ثم منها ما يكون صحيحًا.

ومنها ما يكون غير صحيح فينبه العلماء عليه لأن الخلافات الفقهية ستنتج عن ذلك ويقع بين العلماء آراء واختلافات بسبب هذا لذلك ابن حجر قال ورجاله ثقات، يعني: هذا الحديث رجاله ثقات إلا أنه مضطرب، يعني: الحديث قد يكون رجاله ثقات لكنه مضطرب لوجود اختلاف شديد في الطرق فمرة يرويه عبد الله بن بسر عن أخته ومرة لا يرويه عن أخته هناك عدة اضطرابات واختلافات في الرواية فحكم عليه العلماء بالاضطراب والضعف.

إفراد السبت مكروه لا محرّم

وقد أنكره مالك الإمام مالك أنكره. بل ورد عنه، أن الإمام مالك قال هو كذب كذب، يعني: لا يثبت عن الرسول بحال، وكذلك قال أبو داود هو منسوخ، يعني: لعل النهي كان في البداية كان هناك نهي عن صيام يوم السبت في البداية ثم نسخ هذا الحكم هذا إن سلمنا بثبوته ابتداءً حاصل القول أن أكثر العلماء على أن هذا لا يصح. وبناءً عليه فقد وقع اختلاف بين العلماء في صيام يوم السبت أيجوز أم لا يجوز أيكره أم لا يكره أيحرم أم لا يحرم هكذا مما استدل به العلماء على نكارة هذا الحديث أو على الحكم عليه بعدم الصحة قالوا إنه مخالف لأحاديث صحيحة لا مرية في صحتها منها مثلًا أن أفضل الصيام صيام داود وداوود ماذا كان يصنع

كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ومن المعلوم، أن من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنَّه سيوافق في صيامه يوم السبت سيوافق يوم السبت صيامًا له في بعض الأحوال إذا صام يومًا وأفطر يومًا لا بد أن يأتي يوم السبت في بعض الأوقات كذلك في قول النبي ﷺ في الحديث الذي مضى «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده» طيب اليوم الذي بعد يوم الجمعة ماذا سيكون

سيكون يوم السبت، وكذلك في حديث جويرية في البخاري حينما كانت تصوم يوم الجمعة قال لها: أصمتِ أمس؟ قالت لا قال: أتريدين أن تصومي غدًا قالت لا قال: فأفطري والغد هو يوم السبت كذلك من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال. لو أنَّه صام الستة موصولة فإنَّه سيدخل فيها يوم السبت إلى غير ذلك من الأحاديث التي تنبئ عن، أن هذا الحديث محل نظر والعلم عند الله تبارك وتعالى لذلك قال بعض العلماء: صيام يوم السبت جائز بلا كراهة هذا قول فريق من أهل العلم لما يقولون حديث لا يصح. وبناءً عليه ليس عندنا دليل ينهى فيه الرسول ﷺ عن صيام يوم السبت ويصح عنه ذلك إذًا من صام يوم السبت لا حرج عليه ولو أفرده ولو أفرده بعض العلماء يرى أنَّ إفراد يوم السبت مكروه لأنَّ اليهود تعظم يوم السبت فلا يفرده الإنسان بالصوم وإلى هذا ذهب كثير من الأئمة إلا إذا وافق عادة أو وافق فضيلة كانت هي المقصودة، يعني: الإنسان لا يتعمد أن يفرد يوم السبت بالصوم.

لكن لو أفرد يوم السبت لا من أجل أنه السبت ولكن من أجل إحراز فضيلة معينة مثلًا يوم عرفة وافق يوم السبت وشخص ليس بإمكانه، أن يصوم مع يوم السبت يومًا آخر كيوم التروية يوم الثامن مثلًا ويوم العيد لا يجوز له أن يصوم. فقال لنا أنا بإمكاني أن أصوم يومًا واحدًا ويوم عرفة جاء يوم السبت هل يمكن أن أصوم نقول له: صمه لا حرج عليك لأنك لم تصمه من أجل السبت ﴿أَنَّمَا﴾ صمته من أجل أنه يوم عرفة، وكذلك الحال في يوم عاشوراء مثلًا إذًا بناءً عليه صيام يوم السبت على قول فريق لا يُكره مطلقًا، جائز أو أن الذي يكره فيه هو أفراده إذا كان من أجله.

أما إذا كان لإحراز فضيلة أخرى فلا حرج في ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى

صوم السبت والأحد مخالفةً للمشركين

هذا بالنسبة لصيام يوم السبت ثم إن الحافظ ابن حجر أورد حديثًا آخر ظاهره يخالف الرواية السابقة وهو حديث أم سلمة رضي الله عنها. فقال وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ «أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: إنهما يوم عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» قال: أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة.

وهذا لفظه حديث أم سلمة رضي الله عنها يختلف عن حديث الصماء بنت بسر فهنا أمنا أم سلمة رضي الله عنها وهي إحدى أمهات المؤمنين تقول أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يكون من صومه في الأيام يوم السبت ويوم الأحد هذا معناه: أن الرسول لم يكن يصوم يوم السبت فحسب.

بل كان يكثر من صيام يوم السبت ويوم الأحد وبناءً عليه. فهذا مخالف لما تقدم في حديث الصماء رضي الله عنها بعضهم قال كان في بداية الأمر ينهى عن صوم يوم السبت ثم بعد ذلك صام يوم السبت صلى الله عليه وآله وسلم يوم السبت ويوم الأحد أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة. وهذا لفظه وبعضهم تكلم فيه أيضًا على كل حال حاصل القول فيما يقال في صيام يوم السبت أنه لا بأس بصيام يوم السبت.

لكن الأولى ﴿إِلَّا﴾ يُفرد بالصوم. أما أن يقال: إنَّه حرام أو أنه غير جائز. فهذا مخالف لقول الجمهور والعلم عند الله تبارك وتعالى لأنَّ بعض أهل العلم وهم قلة ومن المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله، كانوا يرون حرمة صيام يوم السبت إلا في الفريضة مهما كان لا يصام إلا في الفريضة فلو وافق عرفة لا يصام عاشوراء لا يصام لماذا؟ لأنه صحح الحديث فإذا صحح الحديث عمل بمقتضاه.

لكن الحديث فيه ما تقدم ذكره والعلم عند الله تبارك وتعالى

فطر الحاج بعرفة للتقوّي على الدعاء

ثم بعد ذلك أورد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حديثًا آخر يتعلق بصيام يوم عرفة لمن كان بعرفة. فقال «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة قال رواه الخمسة غير الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم واستنكره العقيلي هذا حديث آخر وهو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة والمعنى أن الحجاج لا يصومون يوم عرفة قد تقدَّم في أول الحديث عن صيام التطوع حديث أبي قتادة رضي الله عنه عند مسلم، وفيه، أن صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والسنة الباقية فصيام يوم عرفة يكفر سنتين هذا لمن

لكل الناس إلا الحجاج إلا من كان بعرفة لأنَّ الرسول ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة فإذا منَّ الله عز وجل عليك بالحج وكنت من الحجاج وشهدت عرفة فالأولى في حقك ألَّا تصوم هذا اليوم لأنَّ هذا اليوم قد يجد الإنسان فيه من المشقة في حركته، وفي ذهابه إلى عرفة ثم إنه ينبغي له أن يتفرغ للدعاء مدة أطول.

وهذا لكي يكون الأمر أرفق به فإنَّه يفطر ليتقوى على الطاعة في هذا اليوم وهم في ضيافة ملك الملوك سبحانه وتعالى، وبناءً عليه فالإنسان إذا كان في الحج لا يصوم، والدليل في عدم صيام رسول الله ﷺ في عرفة اختلف الناس: الرسول صائم أو ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن فتناوله الرسول وشربه ﷺ أو شرب منه ليعلم الناس أنه مفطر في هذا اليوم صلوات الله وتسليماته عليه أكثر أهل العلم يقولون صيام يوم عرفة غير مستحب للحجاج.

بل يكره لهم صيام هذا اليوم ويستحب لهم الفطر في يوم عرفة للتقوي على الطاعة لكنه لا يصل إلى حد التحريم فالحديث هنا نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة لا يحملون النهي هنا على التحريم ﴿أَنَّمَا﴾ يحملونه على الكراهة يحملونه على الكراهة ثم من ضعف الحديث فيبقى أن الرسول قد أفطر. فهذا فعل الرسول ﷺ لذلك قال الحافظ واستنكره العقيلي، يعني: أنه من ضعف الرواية.

لكن يبقى أن هدي ﷺ هو الفطر في يوم عرفة وليس الصوم ﷺ ومن أهل العلم من فرق. فقال من كان لا يشق عليه الصوم فليصم، يعني: شخص لا يشق عليه صيام عرفة حتى ولو كان حاجًّا وأحب أن يصوم فليصوم. وإلى هذا ذهب فريق ووردت بذلك بعض الآثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، بأنه صام يوم عرفة.

فقالوا من لم يشق عليه الصوم فليصم يوم عرفة لا حرج عليه وإنَّما أفطر الرسول رفقًا بالأمة الرسول ﷺ كان يختار الأيسر رفقًا بالأمة صلى الله عليه وآله وسلم إذًا منهم من يرى أن الأمر يختلف بحال الإنسان، أو يقال: الأكمل هذا هدي النبي ﷺ والفطر هذا صنيع الرسول ﷺ فليفطر المسلم في يوم عرفة. وأما غير الحجاج.

فإنَّ الصيام ليوم عرفة مستحب استحبابًا شديدًا وهو يكفر سنتين: الماضية والباقية كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام

صوم الأبد بين الدعاء والإخبار والخلاف

بعد هذا ختم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الحديث عن الصيام المنهي عنه من حديثين أحدهما «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو» رضي الله عنهما. فقال وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «لا صام من صام الأبد» قال ولمسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه بلفظ لا صام ولا أفطر لا صام ولا أفطر إذًا عندنا حديثان حديث ابن عمرو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما «لا صام من صام الأبد» «لا صام من صام الأبد» ما المراد بالأبد يعني: لا صام من صام العمر كله صام العمر كله صام الأيام كلها صام الدهر كله هذا هو «لا صام من صام الأبد» ما معنى الحديث «لا صام من صام الأبد» الحديث يحتمل احتمالين. أما الاحتمال الأول فهو الدعاء عليه كأنَّه يدعى عليه بأن الله لا يتقبل منه هذا الصيام وأن صيامه لا فائدة منه «لا صام من صام الأبد» «لا صام من صام الأبد» فيكون على سبيل الدعاء والمعنى الثاني أنه على سبيل الأخبار وليس على سبيل الدعاء، أي أن من يصوم الأبد لا يُعد صائمًا من جهة ماذا

أن المشقة تذهب عنه فلا يشعر بقيمة الصوم فكأنَّه لا فائدة من صومه حينئذ، ولم يحقق المطلوب لأنه خالف هدي الرسول ﷺ الإنسان الذي صار من عادته عدم الفطر، صار من عادته الصوم المتواصل ما يشعر بالعبادة أعني بعبادة الصوم صار هذا معتاده صار الأكل عنده ليلًا والصوم نهارًا فما عاد هذا بصوم فكأنَّه ما صام.

فهذا معنى «لا صام من صام الأبد» كأنَّه ما صام هذا هو الاحتمال الثاني، أنه على سبيل الإخبار طيب الحديث الآخر حديث أبي قتادة: «لا صام ولا أفطر». لا صام ولا أفطر لا صام ولا أفطر قالوا أيضًا. إما أنه يُحمل على الدعاء أو على الإخبار وماذا معناه: في باب الأخبار لا صام ولا أفطر، يعني: هو صام لكنه لم يستفد من الصوم أي: لم يستفد الثواب أو لم يستفد الخير لم يأت بالسنة، بالهدي مع أنَّه أتعب نفسه وصام فالذي أفطر استفاد لأنَّه أكل.

وهذا صام وما استفاد هذه الفائدة استدل بعض العلماء بهذين الحديثين على حرمة صوم الدهر. والمقصود بالدهر هنا العمر كله ليس سنة واحدة لأنَّ الدهر قد يأتي بمعنى سنة واحدة كما في الأحاديث من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك ما معنى كصيام الدهر، يعني: كصيام السنة وليس العمر كله.

أما النهي هنا عن صيام العمر كله؛ وإلا لو أنَّ شخصًا صام سنة كاملة، ولم يفطر منها الأيام المحرمة فلا حرج في ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ الكلام فيمن يصوم العمر بعض العلماء استدل بالحديثين على حرمة صيام العمر كله ومنهم من قال. بل يحمل على الكراهة هذا مكروه، ولا يصل إلى الحرمة، ولا بد أن نفهم، أن المسألة يراعى فيها استثناء الأيام المحرمة فلا شك، أن من صام الأيام المحرمة فهو داخل في المحرمات، يعني: لو أنَّ إنسانًا صام الدهر كله فصام أيام العيد هذا داخل في الحرام.

لكن صورة المسألة شخص يفطر الأيام المحرمة فقط، يعني: قال سيفطر عيد الفطر وسيفطر عيد الأضحى وسيفطر أيام التشريق هذه الأيام الخمسة ثم بقية السنة يصوم منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: أيضًا يحرم، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: يكره، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هو جائز، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هو مستحب لمن أطاقه، وقدر عليه.. وقد ذكر النوويُّ ونسب هذا للجمهور أنه يستحب صيام الدهر الصيام السرد لمن قدر عليه وأطاقه إذا أفطر الأيام المحرمة واستدلوا على ذلك من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر قال صم، إن شئت إني أسرد الصوم، ما معنى أسرد أو أصل الصوم أصوم فيأتيني وقت أسافر فيه فهل أصوم في السفر أيضًا

صيام داود أرجح من سرد الدهر

قال له صم، إن شئت. فقالوا لم ينكر الرسول ﷺ عليه ذلك والأصل أن من صام يومًا أحرز فضيلة لأنه يتقرب إلى الله بها وهو قادر على ذلك فإذا كان يطيق هذا ولا تضعف نفسه فحينئذ صومه مستحب والراجح، والله تعالى أعلم أنه لا يستحب أن يصوم الإنسان الدهر كله ولو استثنى الخمسة أيام وإنَّما المستحب في ذلك صيام داود عليه السلام.

فهذا الذي قال الرسول فيه أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا هذا هو الأفضل إذًا لو أنَّ خمسة أيام، أيهما أفضل الذي يصوم يومًا ويفطر يومًا لأنَّ الرسول قال أفضل الصيام صيام. وقال لا أفضل من ذلك حينما قال أطيق أكثر من هذا أطيق أكثر من هذا ثم إن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يشهد لهذا.

المعنى لأنَّ الرسول ﷺ قال: «له الم أخبر انك تصوم النهار وتقوم الليل فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونَهِكَت في رواية مسلم يعني: كلت وضعفت فقال له الرسول ﷺ صم ثلاثة أيام صيام ثلاثة أيام صيام الشهر صم ثلاثة أيام من كل شهر كأنَّك صمت الشهر فقال إني أطيق أكثر من ذلك قال له صم يومًا وأفطر يومين قال واني أطيق أكثر من ذلك»فقال له صم يومًا وأفطر يومًا وأخبره أن ذلك صيام داود. وقال أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ﷺ أو عليه السلام، ولا يفر إذا لاقى العدو ثم إن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في آخر حياته قال: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ يعني: الشاب قد يقدر على هذا.

لكن حينما يكبر لا يستطيع أن يصوم سردًا كل هذه الأيام فيشق عليه وهدي النبي ﷺ في ذلك جليل وعظيم فالرسول ﷺ إذا عُدَّ صيامه في السنة وُجد العدد ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقارب صيام داود يقاربه وليس ببعيد عنه فأنت إذا صمت ثلاثة أيام من كل شهر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وفي بعض الروايات ثلاثة من غُرَّة الشهر وصمت الاثنين والخميس، وكذلك صمت من المحرَّم أكثره وصمت من شعبان أكثره وصمت من أوائل شهر ذي الحجة مع بعض التطوع الآخر حينما كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم يكتمل عندك ما يقارب صيام داود عليه السلام فيكون هذا أجل وأجمل اقتفاءً لأثر رسول الله ﷺ واتباعًا لهديه صلوات الله وتسليماته عليه.

لكن لو أنَّ شخصًا استطاع أن يسرد الصوم، ولم يكن هذا بشاق عليه فلا نستطيع أن نقول إنه حرام والعلم عند الله لأنَّ العلماء اختلفوا في توجيه حديث «لا صام من صام الأبد» والقول أن صومه باطل بعيد فلو صام صيامه صحيح لأنه أدَّى عبادة الصوم. لكن المعنى أنه لم يحرز المرجو منه وهناك ما هو أكمل منه والعلم عند الله تبارك وتعالى، ولا بأس أن يستثمر الإنسان قوته في بعض الأحيان فمثلًا النبي ﷺ قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» فلو أن شابًّا حدثنا.

وقال أنا أجد عندي شهوة وأريد أن أطفئها، ولا أتمكن من الزواج فهل أسرد الصوم أقول له أسرد الصوم صم على بركة الله ما دمت تطيق، ولن تضيع واجبًا، ولن تقصر في واجب مما يتعلق بأمور حياتك، يعني: لا تقصر في طلبك للعلم مذاكرتك دراستك أو في العمل الذي تعمل فيه إذًا صم هذا وقت نشاط وهو في نفسه يقول إذًا

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
  2. آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
  3. آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — البقرة: 185 ↩
  4. آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  5. حديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» — نسبة الشيخ: الخمسة ↩
  6. حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» — نسبة الشيخ: الخمسة ↩

من سلسلة: شرح أحاديث كتاب الصيام من كتاب ( بلوغ المرام من أدلة الأحكام ) (11 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة