الحديث الخمسون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
باب جامع: رطوبة اللسان بذكر الله
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهو كذلك عند الترمذي وغيره، من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فببابٍ جامعٍ تأمرني به
وفي لفظٍ: فمرني بشيءٍ أتشبّث به. فقال له النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». وهذا حديثٌ عظيم، وفيه دعوةٌ عظيمة إلى أمرٍ جليلٍ عظيم: إلى ذكر الله سبحانه وتعالى. هذا الرجل يقول للنبي ﷺ: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ؛ إن شرائع الإسلام كثيرة، إن شرائع الإسلام أبواب الطاعات كثيرة، أبواب الخير كثيرة، أبواب البر كثيرة، لا أستطيع حصرها ولا أستطيع القيام بها ولا الوفاء بها، فببابٍ جامعٍ تأمرني به؛ أريد بابًا جامعًا أتمسّك به، بابٌ أتمسّك به جامع؛ هذا المعنى. ألزمه وأستقيم عليه، يكون كافيًا لي بفضل الله سبحانه وتعالى. وفي اللفظ الآخر: فمرني بشيءٍ أتشبّث به؛ أريد شيئًا أستقيم عليه وأقوى على الالتزام به؛ لأنَّ أبوابَ الخيرات كثيرة وأنا لا أقوى على الوفاء بها جميعًا. فقال له النبي «صلى الله عليه وسلم» قال له هذه المقالة العظيمة، ودلّه على هذا المعنى العظيم؛ فالرجل يسأل عن بابٍ جامعٍ من أبواب الخير، دلّه النبي عليه، قال له: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»، وفي لفظ: «لا تمت إلا وأنت على ذكر الله» أو كما قال؛ إشارة إلى أنَّه يدوم على ذكر الله إلى أن يموت. هكذا في معنى: الرواية الأخرى: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»، أي: استمر على ذكر الله، لا يجف لسانك عن ذكر الله سبحانه وتعالى،
لا يجف لسانك عن ذكر الله عز وجل.
الذكر معين على الطاعات لا بديل عنها
وقد يقول قائل: وهل هو إذًا ذكر الله سيكفيه ذكر الله عن غيره من العبادات فالجواب: لا. فهل إذا ذكر الإنسان الله سبحانه وتعالى وترك الصلاة والصيام والحج، فهل هذا يكفي؟ الجواب: لا؛ هذا هو ظاهر الإجابة.
لكن ليس هذا مقصود النبي «صلى الله عليه وسلم»؛ إذ من أدمن الذكر وداوم على الذكر واشتغل بالذكر فإنَّه يوفَّق لطاعة الله سبحانه وتعالى؛ الذي لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله سيوفَّق للصلاة،
وسيوفَّق للصيام وسيوفَّق للزكاة بفضل الله. فليس معنى الحديث أن تظل ذاكرًا لله وأن تترك بقية العبادة، وإنَّما معناه: أن الاشتغال بذكر الله معينٌ على جميع العبادات. ثم يقال أيضًا:
الظن بأن ذكر الله محصور في ذكر اللسان وفي التسبيح والتحميد والتكبير ظنٌّ ليس في محلّه؛ لأنَّ الصلاة من ذكر الله: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾2، فهو إذا صلّى فهو في ذكرٍ لله، فهو في ذكرٍ لله، وإذا أطاع الله فهو في ذكرٍ لله سبحانه وتعالى.
الإكثار المطلق والذكر المقيّد
«لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»، لكنه أشار هنا إلى ذكر اللسان؛ لأنَّ ذكر اللسان ميسور، وهو عونٌ على بقية العبادات. ولذلك أمرنا الله بالإكثار من الذكر، لا بالذكر فحسب، وإنَّما بالإكثار من الذكر؛
فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا3 وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وكما قال عددٌ من أهل العلم: العبادات تأتي مقيّدة لها أوقاتٌ معدودة ولها أزمنةٌ محدودة، لكن الذكر مطلقٌ وعامّ؛
فلذلك يُذكر الله في الصباح وفي المساء، يُذكر الله في الغدوّ وفي العشيّ أو في الغدوات وفي العشيّ، يُذكر الله في القيام وفي القعود وعلى الجنوب: ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾4، فهم يذكرون الله في قيامهم،
ويذكرون الله في قعودهم، ويذكرون الله على جنوبهم. والنبي ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم صعد جمدان أو مرّ على جمدان جبل، فقال النبي ﷺ: «سبق المفردون». قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات».
وقال الله سبحانه: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾5. وقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾6.
وقال النبي ﷺ: «﴿إِلَّا﴾ أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والورق» — أي: الفضة — «وخيرٍ لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» ما الذي هو أفضل من ذلك كله؟ قالوا: ما هو يا رسول الله؟
أذكر الله في الليل وفي النهار، في الصباح وفي المساء، في الغدوات والعشيّ، وأنت قائم وأنت قاعد وأنت مضطجع؛ هكذا يذكر العبد ربّه. لذلك فالذكر على قسمين: هناك ذكرٌ مطلق وهناك ذكرٌ مقيّد. هناك ذكرٌ مطلق يذكر العبد ربّه في كل وقتٍ وآن. وقد جاء من حديث عائشة رضي الله عنها: كان النبي «صلى الله عليه وسلم» «يذكر الله على كل أحيانه». وهناك ذكرٌ مقيّد، مقيّد بوقتٍ معيّن أو بعملٍ معيّن؛ فهناك أذكارٌ للصباح وأذكارٌ للمساء، هناك أذكارٌ للنوم، هناك أذكارٌ للاستيقاظ من النوم، هناك أذكارٌ قبل الطعام وبعد الطعام، أذكارٌ قبل الشراب وبعد الشراب، أذكارٌ عند كذا وعند كذا؛ فكل ذلك على المسلم أن يراعيه، وأن لا يغفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى.
الذكر أجلّ العبادات وحفظٌ خير من الخدم
وذكر الله أيسر العبادات وأسهلها وأجلّها؛ فهو أسهلها وأجلّها. فمع أنَّه أيسر العبادات إلا أنه أجلّ العبادات بفضل الله. وما فُرضت الفرائض ولا شُرعت الشرائع،
وقال الله سبحانه: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾7. وكذلك عموم العبادات ﴿أَنَّمَا﴾ شُرع رمي الجمار والطواف بالبيت من أجل إقامة ذكر الله سبحانه وتعالى. «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»، فرطّب لسانك بذكر الله.
وكثيرٌ من الناس في هذه الأزمنة لا يرطّبون ألسنتهم بذكر الله، وإنَّما يلوّثون ألسنتهم بالغيبة والنميمة والقيل والقال والسبّ والشتم والكلام في أمر العامة وأمر الخاصة. ولو أنَّهم اشتغلوا بذكر الله لكان أفضل لهم ولكان أبرك وأعظم أجرًا لهم.
لكن كثيرًا من الناس في غفلةٍ عن ذلك؛ نسأل الله السلامة والعافية. وإذا كان ذكر الله معينًا للعباد على الطاعات فهو كذلك حافظٌ للناس، حافظٌ للناس؛ ولذلك لما طلبت فاطمة بنت النبي ﷺ خادمًا يخدمها دلّها النبي ﷺ على ذكر الله: «إذا أتيتما مضاجعكما فسبّحا الله ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبّرا أربعاً وثلاثين؛ فإنَّ ذلك خيرٌ» — أو: «فإن ذلك خيرٌ لكم من خادم» — ذكر الله خيرٌ من الخدم،
خيرٌ من الحراس. إذا ذكر العبد ربّه فبذكر الله تُحفظ البيوت، وبذكر الله تؤمَن القرى والمدن، بذكر الله تقوى الأبدان، بذكر الله تُجلب الأرزاق، بذكر الله تُزال الكربات، بذكر الله تُقال العثرات،
بذكر الله ترتفع الدرجات، بذكر الله تُكفَّر السيئات. وهكذا على المسلم أن يُكثر من ذكر الله في حلّه وترحاله وفي جميع أوقاته حتى يلقى الله سبحانه وهو من الذاكرين. وقد كان يُعدّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
في المجلس الواحد ما يزيد على سبعين استغفارًا في المجلس الواحد، وكان يستغفر الله — كما جاء في بعض الروايات — في اليوم مئة مرة وأكثر من سبعين مرة؛ يستغفر الله استغفارًا كثيرًا ويذكر الله ذكرًا كثيرًا، صلوات ربي وتسليماته عليه.
حسن ختم ابن رجب بحديث الذكر
وهكذا كان الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان يُكثرون من ذكر الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين اللهَ ذكرًا كثيرًا، وأن يوفّقنا لما يحب ويرضى. وهذا من حسن صنيع ابن رجب رحمه الله؛ فبعد أن ذكر حديث التوكّل ذكر حديث الذكر الذي فيه عونٌ على الطاعات ليكون الختام بذلك ختامًا حسنًا؛ فمن بقي على ذكر الله
وبهذا، يا أيها الإخوة الكرام، نكون قد انتهينا من الحديث التاسع والأربعين والحديث الخمسين، وبذلك يتمّ ما ذكره ابن رجب وزاده على الإمام النووي في الأربعين النووية. وبإذن الله - تبارك وتعالى — كما وعدت في الدروس المقبلة — نتحدث عن بعض الأحكام المتعلّقة بشهر رمضان واستقباله، ثم نبدأ في إحدى السلاسل الثلاثة
التي وعدت بها بإذن الله - تبارك وتعالى بعد شهر رمضان أو في شهر رمضان. أسأل الله أن يبلّغنا رمضان وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يوفّقنا وإياكم لما يحب ويرضى. هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
- آية: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ — طه: 14 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا — الأحزاب: 41-42 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ — آل عمران: 191 ↩
- آية: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ — الأحزاب: 35 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — الأنفال: 45 ↩
- آية: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ — العنكبوت: 45 ↩
من سلسلة: سلسلة شرح تتمة الخمسين لابن رجب (10 درسًا)
فوائد من هذا الدرس
- لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
- وكثيرٌ من الناس في هذه الأزمنة لا يرطّبون ألسنتهم بذكر الله، وإنما يلوّثون…
- إذا ذكر العبد ربّه فبذكر الله تُحفظ البيوت، وبذكر الله تؤمَن القرى والمدن، بذكر…
دروس مشابهة
- الحديث التاسع النهي عن كثرة السؤال والتشدد
- كتاب الإيمان(المجلس الرابع) شرح حديث ابن عمر عن أبيه في سؤالات جبريل عليه السلام عن الإسلام
- كتاب الإيمان (المجلس الثاني) شرح حديث ابن عمرعن أبيه في سؤالات جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان
- مقدمة عن الإمام مسلم وكتابه الصحيح
- شرح الحديث الخامس والعشرين من سلسلة الأربعين النووية لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد 10/11/2012
- شرح الحديث الخامس عشر من سلسلة الأربعين النووية لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد 21/7/2012