صفة التواضع جزء3 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
نماذج من تواضع النبي ﷺ وخفض الجناح للمؤمنين
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زلنا بفضل الله سبحانه وتعالى، وتوفيقه مع صفات عباد الرحمن.
وهذه هي الخطبة الثالثة وما زلنا مع الصفة الأولى التي وصف الله بها عباد الرحمن. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾5 (الفرقان: 63) ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ إلى أن قال الله جل ذكره ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه ما زلنا مع الخصلة الأولى ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا يتواضعون، ولا يتكبرون يمشون بسكينة ووقار من غير جبريَّة ولا استكبار تعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، على أن التواضع أنواع فهناك التواضع لله جل وعلا والتواضع لدينه والاستجابة لأمره وعدم التعالي على أوامر الله عز وجل وعدم تقديم الهوى أو العقل على شرع الله جل ذكره ثم التواضع للناس أن يتواضع الإنسان لخلق الله، ولا يتعالى عليهم يتبع في ذلك رسولنا محمد ﷺ إذ وجه الله إليه.
الأمر فقال ﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾6 (الحجر: 88). وقال ﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾7 (الشعراء: 215) فكان ﷺ إمام المتواضعين يعلم أصحابه ذلك ينقل معهم التراب ﷺ يوم الخندق كما في الصحيحين من حديث البراء رضي الله عنه حتى وارى التراب بطنه الشريف ﷺ وهو يقول اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبِّت الأقدام إن لاقينا، إن الأُلى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا ورآه رجل، فلما رأى النبي ﷺ أصابت الرجل رعدة شديدة، كما عند ابن ماجه وغيره ارتعدت فرائصه.
فقال له ﷺ «هوِّن عليك، فإني لست بملك» ﴿أَنَّمَا﴾ أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد وهو اللحم المملح المجفف الذي يأكله عموم الناس فهو لا يتعالى على خلق الله ﷺ وهو الذي كان يقول «﴿أَنَّمَا﴾ أنا عبد أكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» وهو الذي يقول كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له لا تطروني لا تغلوا، ولا تبالغوا في مدحي «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ».
التحذير من التكبر بالمال والاعتبار بمصير قارون
﴿أَنَّمَا﴾ أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله. ﷺ التواضع للخلق تعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، على أن «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». الكبر رد الحق وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم وأن العبد ﴿أَنَّمَا﴾ يتكبر حينما يجد في نفسه كمالًا فإذا وجد من نفسه كمالًا تعاظم وتعالى على خلق الله. وهذا الكمال إمَّا أن يكون دينيا وإمَّا أن يكون دنيويا والكمال الديني العلم والعبادة قد يتكبر بعلمه.
وقد يتكبر بعبادته، وكان هذا موضوع اللقاء السابق والحديث اليوم، يا أيها الإخوة الكرام، عن الشق الثاني وهو الكبر بالكمال الدنيوي وهو في حقيقة الأمر ليس حقيقًا بأن يُتكبَّر به لأنَّ الدنيا زائلة وليست باقية. لكن كثيرًا ممن يتكبرون ﴿أَنَّمَا﴾ يتكبرون بسبب ما أُوتوا من أمر دنيوي غرَّهم وفتنهم. نسأل الله السلامة والعافية.
فمن هذا الكمال الدنيوي الذي يتكبر به المال والقوة والجمال وكثرة الأتباع والأنصار والحسب والنسب وما إلى ذلك فهذه أنواع مشهورة يتسرب الكبر إلى أصحابها بسببها. نسأل الله السلامة والعافية. الكبر بالمال قد ترى بعض الناس وهو يقبل على ربه ويعامل الناس معاملة كريمة ويحسن إليهم، [تُراجع العبارة في التسجيل] أو يوم، أن كان دخله محدودًا فلما وسع الله عليه وأوتي من الأموال هنا وهناك إذا به يتعالى على الناس لا يريد أن يجالس عموم الناس، ﴿وَلَآ أَن﴾ يكلمهم يرى نفسه من عالم آخر وأنه من جنس ليس من جنسهم وإن زعم خلاف ذلك.
وقد بين الله سبحانه وتعالى، أن المال لا ينبغي ألبتة، أن يكون سببًا للتكبر لأنَّ المال قد يكون فتنة لصاحبه والله قد يعطي المال لمن يحب ولمن يبغض فأنى لمن يبغضه الله أن يتكبر أو أن يرى في نفسه كمالًا قال الله جل ذكره ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾8 (المؤمنون: 55-56) ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ يظنون، أن الله يسارع لهم في الخيرات ويعطيهم لأنه يحبهم ولأنه يريدهم قال.
بل لا يشعرون. وقال سبحانه. ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ﴾9 (الفجر: 15) ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ﴾ فرد الله كلا ليس الأمر كذلك. وقال أيضًا ﴿وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾10 (سبأ: 37) الذي يقربك إلى ربك العمل الصالح. وقال ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ﴾11 (الكهف: 46) ولنا في قصة قارون العبرة والعظة هل نفعه ماله
هل نفعته كنوزه؟ ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ﴾ لا تتكبر، ولا تتعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ﴾ لكنه تعالى على خلق الله فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ هكذا يخرج في زينته والذين يريدون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ماذا قالوا؟: يا ليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ يا ليت ﴿لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّـٰبِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ﴾ ﴿وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ الله أكبر إذًا بهم يقولون لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا بماذا من الله عليهم
فضل الغني الشاكر وخطر الانشغال بالتجارة عن الصلاة
من الله عليهم وهم فقراء نعم قد يكون فقرك منه. وقد يكون عدم وجود المال معك نعمة من الله سبحانه وتعالى، ثم بين الله لمن تكون الآخرة ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾12 (القصص: 83) تلكم الآية العظيمة التي رددها عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو على فراش الموت وهو يقول: ولداي أحد رجلين.
إن كانوا صالحين فالله يتولى الصالحين وإن كانوا غير ذلك فلا أعينهم بهذا على غضب الله ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ﴾، ﴿وَلَا فَسَادًا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. إن النبي ﷺ قد قال «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» قد يكون المال سببًا في إكثار حسناتك، وفي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
بل قد ذهب عدد من أهل العلم إلى أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر وإن كان ثمة خلاف بين أهل العلم في أيهما أفضل وأقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ومما استدل به في ذلك حينما جاء الفقراء إلى ﷺ وشكوا إليه ما يجدون من الأغنياء يا رسول الله الأغنياء «ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم، يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم» ولهم فضل أموال يحجُّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون الأغنياء معهم ما يحجُّون به ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون وليس معنى.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿إِلَّا﴾ أدلكم على شيء إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد ممن أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله تسبحون الله وتحمدونه وتكبرونه دبر كل صلاة ثلاث وثلاثين فعمل الأغنياء ذلك لما رأى الأغنياء الفقراء يتمتمون يسبحون ويحمدون ويكبرون دبر الصلوات ماذا تصنعون
عرفوا ماذا يصنعون فصنعوا مثله فجاء الفقراء للمرة الثانية يشكون إلى رسول الله ﷺ ما الذي يشتكيه الفقراء أيشتكون قلة المال أيشتكون كذا أو كذا من هذا ﴿أَنَّمَا﴾ يريدون الدار الآخرة. فقالوا: يا رسول الله عمل الأغنياء هذا. فقال «ذلك فضل الله يؤتيه ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾» ذلك فضل الله غني شاكر وغني مجتهد في الصلاة تراه في الصف الأول، ولا تفوته تكبيرة الإحرام وهو في الوقت ذاته ينفق لا يخشى الفاقة، ولا الفقر ﴿أَنَّمَا﴾ يريد وجه الله. فذلك فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ.
أما الآخر الذي غرَّه ماله وغرَّته تجارته ليحذر كل الحذر، ولا يستطِلْ على خلق الله بهذا المال. فإنَّ هذا المال قد يكون سببًا في هلاكه. نسأل الله السلامة والعافية. وقد أثنى الله على من يعمر مساجد الله فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾13 (النور: 37) ما الدافع الذي دفعهم يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ هذا الذي يحركك أنك تخاف من اليوم العبوس تصور هذا الوصف ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾14 (الإنسان: 10).
أما استوقفتك الآية مرة حينما قرأتها الله يصف اليوم بأنه عبوس وأنه قمطرير والأنبياء يقولون في هذا اليوم يا رب سلم هذا دعاؤهم والله قد غضب غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله لا يغرنك مالك ولعلك تلاحظ هذا المعنى في قول الله جل وعلا في ختام سورة الجمعة ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾15 (الجمعة: 11).
آفة التكبر بالقوة ومصارع الأمم المستكبرة
تأمَّل! الآية ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا﴾ فاللهو مذكر، لم يقل: انفضوا إليه، ﴿أَنَّمَا﴾ عاد الضمير على المؤنث وهو التجارة، للعلماء في ذلك تحريرات وأقوال وتوجيهات، منها أن الاشتغال بالتجارة يصد أكثر وأكثر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام، «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ»، والله يا إخوة في يومنا هذا ليس في يوم سابق اتصل علي متصل فيما يقارب الساعة العاشرة صباح وكرر الاتصال حتى رددت عليه فإذا به يسألني ويقول لي عندي سؤال قلت: تفضل قال أنا منذ اثنتي عشرة سنة لم تفتني تكبيرة الإحرام لا نتكلم عن سعيد بن المسيح، ولا نتكلم عن التابعين وأتباع التابعين ﴿أَنَّمَا﴾ هو في عصرنا، ولما سألني وعرفت البلد أنا أعرف الشخص لكنَّها معرفة ليست بالقوية واضطر إلى سؤالي وما كان يريد أن يسألني.
فقال: منذ اثنتي عشرة سنة لم تفتني تكبيرة الإحرام ثم انهمر في البكاء ظل يبكي لمدة دقائق تركته حتى انقطع بكاؤه وسكت. فقال، ومنذ أربعة أيام نمت ففاتتني صلاة العصر يبكي من أجل ذلك يقول فأشعر بالتقصير كيف تفوتني صلاة في شهر رمضان وكنت نائما، وفي أول أيام شهر رمضان ختمت في أول أربعة أيام القرآن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم بعد ذلك إلى اللحظة لم أختمه إلا مرة واحدة أرى نفسي مقصِّرًا وأراني لا أستطيع التفكير لأنه قد فاتته صلاة واحدة هي صلاة العصر وهو نائم معذور فقلت سبحان الله كلَّمته وسلَّيته ثم قلت: لنفسي ماذا نقول وماذا يقول الناس ماذا يقول من يفرط في الصلاة.
وهذا الشخص مع العلم هو مشتغل بالتجارة لكنه لا يضيع الصلاة يحافظ عليها إذًا حافظ على طاعتك لربك، ولا تتكبر بمالك الله أعطاك المال ليكون مطية لدخول الجنة لا ليكون سببًا في دخولك النار فإياك، أن يدخلك مالك النار. نسأل الله السلامة والعافية. بعض الناس، يا أيها الإخوة الكرام، يتكبر على خلق الله بقوته أُعطي قوة فيستطيل على الناس ويعيث في الأرض يظلم هذا ويظلم ذاك معه قوة كأنه يقول أنا أسير على الأرض وليس مثلي يسير عليها فيتكبر على خلق الله ببطشه فيضرب هذا ويضرب هذا ويتجبر أقول له تواضع لربك الذي أعطاك الصحة هو الله والذي أعطاك العافية والقوة هو الله وهو قادر على أن يسلبك إياها قادر على أن يُصيِّرك عاجزًا لا تستطيع حراكًا ويأتيك الناس لزيارتك وأنت ضعيف.
وقد كنت قويًّا والله قد حذر. فقال، ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾16 (الإسراء: 37) مهما أوتيت من قوة من أنت نسيت أصلك قال الله ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ﴾17 (عبس: 17-20) قال عدد من المفسرين: ﴿ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ﴾: الخروج من بطن أمه. وقال آخرون: هداه النجدين: الخير والشر كما قال ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ هَدَيْنَٰهُ ﴿ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ والسياق يدل على الأول وإن كان كلا القولين محتملًا والله أعلم ثم السبيل يسره ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ﴾ ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ ﴿إِلَّا﴾ تدري أنَّك تصير إلى القبر؟ مهما أوتيت من القوة ستدفن في قبر وستنكر وسيذهب عظمك وسينحل ويذهب لحمك ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ﴾ فلا تتكبر بقوتك.
وقد لقنا الله دروسًا في القرآن بين الله، أن كثيرًا من الأمم غرها وصدها عن الإيمان تكبرها واغترارها بقوتها كعاد. ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾18 (فصلت: 15) ﴿وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ أهلك الله عادا يقول كثير من أهل التفسير منع الله عن عاد الأمطار وعاشوا فترة من الجدب والقحط يرغبون في المطر من أجل أن يشربوا من أجل أن يزرعوا لا يجدون ماء وإذ بسحابة قد أظلتهم في السماء فلما رأوا تلك السحابات الكثيرة ظنوها مطرا.
وقالوا ﴿هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ﴿فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ لم تنزل أمطار لم ينزل عليهم مطر ﴿أَنَّمَا﴾ نزل عليهم ريح مدمرة من الله أحرقتهم وقضت عليهم والعجيب أن الله أهلكهم وأبقى مساكنهم تأتي الريح تجتث رؤوسهم وتقضي على أصولهم وتترك مساكنهم تترك قصورهم تترك بيوتهم لتكون عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين فلا تتكبر بقوتك من الناس من يتكبر بكثرة أتباعه وبكثرة أنصاره له أصحاب كثيرون وله معارف كثيرة يقول أنا ما يهمني شيء أنا واصل ولي معارف كثيرة جدًّا! وأستطيع أن أفعل كذا وكذا من أنت ومن هو
من أنت ومن هو إن الله سبحانه وبحمده قد لقنا درسا يتعلق بذلك حتى نحذر من التكبر بكثرة الأتباع والأنصار بصاحب الجنتين. وذلك في سورة الكهف هذا الرجل المغرور الذي قال لصاحبه ﴿أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ عندي أولاد، وعندي أتباع، وعندي أنصار أنا قوي أتقوى بهم أهلكه الله سبحانه وتعالى، وأهلك تلك الجنتين ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ﴾ يا ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًا﴾ ﴿أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًا وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ ﴿هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ والقراء الأخرى ﴿ ٱلْحَقُّ ۚ﴾ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ لم ينتفع بهؤلاء الأنصار، ولا بهؤلاء الأتباع.
عبرة حنين وبدر والنهي عن الفخر بالأنساب والجمال
بل إن رب العزة سبحانه لقنا الصحابة درسا عظيمًا. وذلك في يوم حنين ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ كثرة أتباع وأنصار وعدد كبير. وقالوا لن نغلب اليوم من قلة فلم تغن عنكم شيئًا من كان معهم كان معهم إمام الهدى رسولنا محمد ﷺ لكنَّها سنن لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تحاب، ولا تجامل ثم وليتم مدبرين.
وذلك على خلاف ما وقع في بدر. وقد كانوا قلة لكنهم متواضعون مستكينون لله رب العالمين وإمامهم رسول الله ﷺ يرفع يديه حتى سقط رداؤه من على كتفه وهو يدعو ربه «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض» قال الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ﴾19 (الأنفال: 9) قال الله في بدر وبدر كانت في رمضان في السابع عشر من شهر رمضان شهر الانتصارات، بماذا؟ بالتواضع والانكسار ليس بالكبرياء.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أذلة في العُدَّة، لكنهم أعزة بالإيمان بالله جل وعلا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من الناس من يتكبر بحسبه ونسبه يفخر على الخلق بسبب ما لديه من حسب أو نسب هو من عائلة كذا هذه العائلة المعروفة بأنها عائلة عريقة وأنها ذات نسب وذات غنى وذات حزب وما إلى ذلك أقول له لا تتكبر أنت حينما تتكبر تتشبَّع بما لم تُعطَ تتشبَّع بغيرك، ليس بشيء هو فيك والله سبحانه وتعالى، قد رد على إبليس زعمه حينما زعم أنه أفضل من آدم عليه السلام قال ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ فإبليس مع قياسه القياس الفاسد ورده أمر الله توهم، أن أصله وهو النار أفضل من أصل آدم عليه السلام وهو الطين مع أنَّ الطين أكثر رزانة وأكثر انتفاعًا وكما قيل لَئِنْ فَخَرْتَ بِآبَاءٍ ذَوِي حَسَبٍ .. لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا إذا قلت: أبي وجدي يقال هذا أبوك.
وهذا جدك فمن أنت ولما زعمت اليهود. وقالوا إنَّ إبراهيم يهودي وإنَّ إسماعيل يهودي! وما إلى ذلك من الأنبياء وكذا قالت النصارى، زعموا أنهم نصارى [تُراجع العبارة في التسجيل] رد الله عز وجل عليهم تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون ﴿عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ إبراهيم عليه السلام مسلم وهم على الإسلام ثم هم قد مضوا ماذا عملتم أنتم وماذا قدمتم أنتم بعض الناس يتكبر على الخلق بجماله لأنه وسيم.
وقد أوتي جمالًا فيتكبر. وهذا كثير في النساء، وفي الشباب المخنث الذي يظهر ببعض التسرِّيحات المعينة وببعض اللباس الضيق وما إلى ذلك يتباهى بمنظره وهو شبيه بالأنثى. نسأل الله السلامة. وكذلك في النساء ترى تلك المرأة تتعالى على زميلاتها وتتأبَّى أن تحتجب وأن تحتشم من أجل ماذا من أجل أنها مغرورة لجمالها بإمكانها أن تذهب إلى مستشفى من المستشفيات لتنظر إلى مَن كانت أجمل منها إلى أين صارت وأين هي وإلى ما سيصير أمرها
أسباب تحصيل التواضع بالخشوع والإكثار من الحوقلة
ثم مَن يتكبر بجماله؟ أنسي الواحد فينا منظره؟ ألحقيقة صحيح أنَّ الله كرمنا ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾20 (التين: 4). لكن الله وضع فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ دروسًا، ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾21 (الذاريات: 21) يَا مُظْهِرَ الْكِبْرِ إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ ... انْظُرْ خَلَاءَكَ إِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيبُ
هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلُ الرَّأْسِ مَكْرُمَةٌ ... وَهْوَ بِخَمْسٍ مِنَ الْأَقْذَارِ مَضْرُوبُ هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلُ الرَّأْسِ مَكْرُمَةٌ ... وَهْوَ بِخَمْسٍ مِنَ الْأَقْذَارِ مَضْرُوبُ أَنْفٌ يَسِيلُ وَأُذْنٌ رِيحُهَا سَهَكٌ
وَالْعَيْنُ مُرْمَصَةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُوبُ لا يتكبر أحد على خلق الله، ولا يتعالى على خلق الله ورسول الله محمد ﷺ مع ما أوتي من جمال ومع ما أوتي من مكانة ﷺ هو المتواضع الذي يجلس بين أصحابه ﷺ ويوسف عليه السلام وهو من هو علمًا ومكانةً وفضلًا وهو النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم حينما قال له ﴿أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ﴾ لم يحتج إلى أن يقول أنا على خزائن الأرض وأنا صنعت وأنا فعل ﴿أَنَّمَا﴾ قالها مجرد أنا يوسف.
وهذا أخي عباد الله، لا يتكبَّرْ أحدٌ على خلق الله تواضَعْ للناس وَاسْتَقِلَّ بِتَقْصِيرِكَ وَتَفْرِيطِكَ ... وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ المَوْتَ مَكْتُوبُ سبحانه وتعالى، وإني ذاكرٌ لك أمرين مهمَّين إذا أخذت بهما كان سببًا في تواضعك بإذن الله جل وعلا. الأمر الأول: الصلاة بخشوعٍ وانكسارٍ للرب الكريم. فإنَّ من أعظم ما يُورث العبدَ التواضعَ والانكسارَ الصلاةَ بخشوع.
ولذلك قال الله ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾، المطمئنين المستكينين المنكسرين مَنْ هم؟﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحج: 34-35) ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ﴾ ﴿وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ لأنك تضع أعلى ما في جسدك تضع أنفك وجبهتك وتذل لربك لذلك تكون أقربَ ما تكون إلى ربك «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ». وقال الله ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾22 (العلق: 19).
وقد قيل من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية بالانكسار والتذلُّل لله عز وجل والأمر الثاني: أن تُكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنك إذا أكثرت منها لا حول ولا قوة إلا بالله فالذي يُحوِّلك من حالٍ إلى حالٍ هو الله والذي يُقوِّيك على حالٍ من الأحوال هو الله فلا حول ولا قوة إلا بالله لذلك تسمع المؤذن يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح لا تأتِ إلى المسجد ظانًّا أنك قادرٌ على الإتيان بقوتك وحدك وأنك فلان وفلان نعم أنت تأخذ بالأسباب.
لكن الذي قوَّاك هو الله لا حول ولا قوة إلا بالله ولعلَّه ليس بخافٍ عليك أن هذه الكلمة الكريمة قالها العظيم العظيم. بل هما أعظم من نعلم من البشر من هما الخليلان إبراهيم ومحمد أو محمد وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام والسؤال: حينما لقي النبي محمد ﷺ الخليلَ إبراهيمَ عليه السلام بِمَ أوصى الخليلُ إبراهيمُ الخليلَ محمدًا ﷺ؟ أوصاه أن يوصي أمته بهذا الكنز بقول لا حول ولا قوة إلا بالله ختامًا.
يا أيها الإخوة الكرام، لا تظن أنك حينما تتواضع للخلق أنك بذلك تهين نفسك هذا من الغرور إنَّ من يتواضع يُورثه الله عز وجل مكانةً وهيبةً في قلوب خلقه فمن تراه يتواضع تجد الناس عليه مقبلين وتراهم له بفضل الله يحبون. وعليه يقبلون فلا تظن أن تواضعك سيذهب بمكانتك كلا. بل كما قيل تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لَاحَ لِنَاظِرٍ… عَلَى صَفَحَاتِ الْمَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ
وَلَا تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ… إِلَى طَبَقَاتِ الْجَوِّ وَهْوَ وَضِيعُ الدخان يرتفع إلى العلو، ولا مكانة له والبدر تبصره على صفحات الماء وهو في مكانة عالية وصدق النبي إذ قال «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم بلغنا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ اللهم بلغنا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ووفقنا لحسن قيامها يا ذا الجلال والإكرام اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63 ↩
- آية: ﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 88 ↩
- آية: ﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 215 ↩
- آية: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 55-56 ↩
- آية: ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 15 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ — كما ورد في الدرس: سبأ 37 ↩
- آية: ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 46 ↩
- آية: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 83 ↩
- آية: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 37 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 10 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 11 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 37 ↩
- آية: ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 17-20 ↩
- آية: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 15 ↩
- آية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 9 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: التين 4 ↩
- آية: ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 21 ↩
- آية: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ۩﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 19 ↩
من سلسلة: سلسلة صفات عباد الرحمن (24 درسًا)